مواجهات المسيحيّة المستمرّة

 

مواجهات المسيحيّة المستمرّة

 

مواجهات المسيحيّة المستمرّة     

                                                            

نشأت المسيحيّة من طلب الله، ومن عمق التزامه بالإنسان. نشأت المسيحيّة في لحظة هيّأتها العناية الإلهيّة زمانًا ومكانًا، وقد جاءت تتويجًا لنضال طويل قام العقل به مستكشفًا سرّ الوجود وسرّ الحياة، غاية الإنسان ورسالته.

 

لقد شهد هذا التدبير الإلهيّ مسارًا طويلاً، من إبراهيم إلى المعمدان، وبين هذين البارّين، أدَّت الفلسفة اليونانيّة دورها وقسطها الوافر في تحفيز العقل على الإنتقال من حيّز إلى حيّز، وساهمت روما العظمة بدورها بما عرفت به من تقدُّم في مفاهيم العدالة والقانون، وفي نظام دوليّ ربطت به خلايا العالم القديم ساعد على إرساء الأمن والسّلام وهما ضرورتان لنقل الأفكار والشّعوب والبضائع، ولتبادل الخبرات الثقافيّة والإنسانيّة والحضاريّة، ناهيك عن الجماعات اليهوديّة المنتشرة في أقطار العالم والباحثة عن خلاص بشريّة أنبيائها، وقد مهّدت هذه الجماعات وما قامت به من تبشير بإله واحد، إلى نشوء حركة فكريّة وروحيّة تستوعب هذا الفصل الجديد من تاريخ البشريّة تاريخ العقل.

لقد حصل المستحيل، واستقبلت الأرض بُشرى سارَّة بمجيء ابن الإنسان وإبن الله واكتمل التاريخ بعد أن عرفت البشريّة دعوتها وسرَّها وعرف العقل حدوده وها قد جاءته النّعمة الإلهيّة تقوده إلى المراقي تفتح له الأبواب الموصدة تدفعه إلى مساحات لا متناهية فيكتشف محدوديّته ويدرك طوعًا ما هو العلو والعمق لا ليستسلم بل ليعيد صياغة دوره على ضوء هذه النّعمة الإلهيّة التي جاءت مع المسيح لتقدّس العالم وتشتري البشريّة من العبوديّة إلى الحريّة والعقل من الكبرياء والتبجّح إلى نعمة التواضع التي تقوده وحدها إلى ديار الله وملكوت العقل المُطلق.

 

1- مصالحة العقل والنّعمة

إكتمل التاريخ بعد عمليّة مصالحة طال زمانها، بين العقل والنعمة، بين الأرض والسّماء، بين التاريخ المخضَّب بدماء الأبرياء، وبين تاريخ الله الخلاصيّ، بعد أن أكَّد الله على صدقيّة مواعيده وصدقيّة تصميمه وعزيمته على المصالحة والغفران، وعلى كشف صورته الأزليّة وقواعد لعبته، ومدى اتّساع أبوَّته ومحبّته، ومقدار غناه من الفضائل الإلهيّة التي تثمر وتمطر نعمًا وفيرة على الكون والإنسان.

لقد نشأت المسيحيّة من الحلم الموعود، لكنَّ العالم الذي شهد ولادتها القيصريّة كان بها بالمرصاد، فمنذ اللّحظة الأولى التي انكشفت فيها حقيقة الحدث الإلهيّ، واجه المسيح العالم بجسده الطريّ، فحملته أُمّه إلى خارج ديارها، هربًا من حاكم دفعت به السّلطة إلى ارتكاب مجزرة حقيقيّة ذهب ضحيّتها الآلاف من الأطفال، بحيث أنّ راحيل لم تقبل العزاء، إضافة إلى تقديم رأس يوحنّا هديّة لامرأة.

 

2- المؤامرة المستمرّة

وبالرّغم من النّجمة الحاملة وهج السَّلام، السّاطعة فوق عالم قلق ومريض، وبالرّغم من خبر الرّعاة وتهليل الملائكة، كانت المؤامرة الشَّرسة تحاك في عقول الأحبار والملوك، لأنّ مسيحًا جاء ينزع منهم السّلطان ليملك على قلوب البشر الحزينة والمضطربة، ليُعطيها السَّلام وقوّة المصالحة والغفران وليعطيها النّعمة الإلهيّة التي تسكن القلوب لتعيد صياغتها من جديد على صورة قلب المسيح حبًّا ورحمة وسلامًا.

 

لقد تحرَّك العالم بأسره، وتقلّبت الرّئاسات على مسيح الله لم يشأ الإستعانة بالملائكة على ما قال، ولم يستل السّيف يحارب به أعداءه، ولم يكن في أسلوبه مكر أو خدّاع كان هو الحقّ والجديّة والمنطق، لقد خاطب العالم من قلب الله إلى قلب الإنسان، وكان لكلامه وقع أمضى من السّيف لأنّه ينزل إلى الأعماق يوقظها من غفلتها ومن سباتها العميق يضع فيها سحره الإلهيّ فيتحوَّل الذئب حملاً، والنّجس طاهرًا، ويفتح عيون العميان، ويُقيم الموتى، ويواجه غضب التاريخ والإنسان بكلمة حبّ، تشكّل بحدّ ذاتها عاصفة تجتاح العروش والطبقات فيتهاوى العالم القديم، ويسقط الإنسان العتيق وتبرز الحقيقة الإلهيّة ساطعة على يده، وتختصر الوصايا بإثنتين، أحبب الربّ إلهك وأحبب قريبك، وتتبدّل موازين القوى، فتنهار عروش تحت وقع السّلام الآتي من رجال عراة يحملون المسيح في أجسادهم وقلوبهم، يحرّكون العالم صوب الله وصوب الحريّة، حريّة أبناء الله، حيث لا عبد ولا حرّ، لا يهودي ولا يوناني، حيث يلتقي التاريخ بصانعه والإبريق بالخزّاف، والرّاعي بالخراف والتلامذة بالمعلِّم.

 

لقد أبصر العالم نورًا ورسمت الطريق والحقيقة طريق الحياة والعبور إلى الله.

لقد نشأت المسيحيّة من مواجهة حامية، وامتدَّ الصّليب بعارضيّته الأفقيّة والعموديّة إلى عمق الضمير الإنسانيّ، يفتح له الباب على الحقيقة والحياة وبرزت المواجهة الكبرى التي ما زالت مستمرَّة بوقعها وآثارها ومواجهاتها، فكيف ينزل الله من عليائه، وكيف يتحوَّل التاريخ قاتلاً لله صالبًا لمسيحه، وكيف تطلّع الحياة من الموت والقبر، وكيف تتبدَّل القيم وتصبح المحبّة عجين العالم وملحه نور التاريخ وتاجه؟

 

لقد أجابت المسيحيّة على هذه الأسئلة وشكَّل مسيحها حالة قطع كبرى وحالة أنتروبولوجيّة قضت على القديم والنّجس وأرست قواعد المصالحة والغفران وكسرت الجمود السّائد في مسار التاريخ، جمود العين بالعين والسن بالسنّ، جمود الشّريعة المثقلة بالقوانين والتنبيهات والتحريمات، لتتحوَّل الشّريعة نورًا داخليًّا يجتاح الغريزة والعقل والجسد، يحوّل ويبدّل ليصل إلى حالة التجلّي، وينهزم الحرف أمام الرّوح وتولّد الجنّة في قلب المؤمن بالمسيح.

 

 

 كلّ هذا أثار حفيظة القديم من أتباع الحرف وأتباع الناموس وأتباع السّلطان والتسلُّط فكيف تصرَّفت المسيحيّة مع هذين الخصمين، اليهوديّة الهرمة، والوثنيّة المحتضرة؟.

 

                           الخوري إسكندر الهاشم