هل قيامة المسيح واقع تاريخي ؟

 

 

 

               هل قيامة المسيح واقع تاريخي ؟

 

 

 

           هل قيامة المسيح واقع تاريخيّ؟               

 

نتناول اليوم مشكلة قيامة المسيح. إنّها أهمّ مشكلة أو سرّ، إذا صدّقنا القدِّيس بولس، حين يقول: "إن كان المسيح لم يقم، فإيماننا باطل"، أي لا أساس له (1 قور 15 - 14).

 

 

التاريخ والإيمان

 

 

   معركة العَلَمَين واقع تاريخيّ، وموت هتلر أيضًا. أفيجب أن نقول إنّ قيامة المسيح هي واقع تاريخيّ على الوجه نفسه؟ نعم ولا. فالقيامة هي في آن واحد، ودون انقسام، واقع تاريخيّ وحدث للإيمان. نقول بوجه أدق إنّها حدث للإيمان، ينطوي على واقع تاريخيّ (بدونه لا يجوز لنا أن نقول إنّها حَدَث).

 

   ما هو تاريخيّ هو شهادة الرّسل: أناس، كانو قد عاشوا مع يسوع وعدُّوه المشيح، أعلنوا أنّهم رأوه حيًّا بعد موته على الصَّليب.

   وهذه الشّهادة، التي هي تاريخيّة، تنطوي على شيء غير تاريخيّ: إنّ القيامة، بصفتها انتقالاً من الموت إلى الحياة الأبديّة، لا يمكن أن تكون حقيقة إلاَّ للإيمان. لم يكن الرّسل شهودًا لذلك الانتقال، ولا يمكن أن يكونوا (حتّى لو كانوا قد ظلّوا في قبر يسوع حتّى صباح الفصح).

 

ذلك بأنّ القيامة، بالنسبة إلى هذا العالم، حيث يمكن التثبُّت من الأشياء، هي مجرّد اختفاء. لم يعد جسد يسوع القائم من الموت ينتمي إلى عالمنا الطبيعيّ القائم على المكان والزّمان.

وبناءً على ذلك ، يستحيل التثبُّت من الانتقال من الموت إلى الحياة الأبديّة. فلا يُمكن تشبيه قيامة يسوع على الاطلاق بإحياء جثة، حتّى في حالة لعازر.

 

   ليست قيامة لعازر انتقالاً من الموت إلى الحياة الأبديّة، إلى عالم الله، بل عودة إلى الحياة كما كانت قبل الموت. عاد لعازر إلى الحياة التي كانت حياته قبل موته. حين أخاطب أولادًا، أقول لهم إنّ لعازر، عند خروجه من القبر، ربَّما عطس أو سعل أو تبيَّن حالة الطقس (شمس أو مطر). على كل حال، عاد فوجد والدَيه وأصدقاءه والعالم كما تركه قبل موته، واستعاد حياته ولم يُعفَ من الموت مرّة ثانية. فليس هناك إذًا أي شيء مشترك بين ما يسمَّى قيامة لعازر (وهي بالأحرى معجزة إحياء  جثة) وقيامة يسوع.

 

  وما يمكننا أن نعدّه تاريخيًا هو ما كان للرّسل موضع إثبات حالة حسيّة (للحواس). والحال أن ما تثبَّتوا منه بحواسهم، وما كان لهم موضع إثبات حالة حسيّة، يقتصر على أمرين: القبر الفارغ من جهّة، ومن جهّة أخرى، لا أقول ظهور يسوع القائم من الموت، بل ظهور أحد بدا لهم، من دون أن يعرفوا أنّه يسوع حيّ. فلو عرفوا من ساعتهم أنّه يسوع حيّ، لوجب علينا أن نقول إنّنا أمام جثة اُعيدت إلى الحياة.

 

نتردّد في المزح أمام سرّ في هذا العمق، لكنّه يجوز لنا مع ذلك أن نقول ما يلي: لا نتصوّر الرّسل يهتفون: فلقد خرجتَ إذًا من القبر؟ أو: ماذا جرى؟ كنتَ ميتًا وها إنّك هنا! تثبَّت الرّسل أوّلاً من حضور أحد، حضور بستاني لمريم المجدليّة، وحضور مسافر لتلميذَيّ عمّاوس... وبفعل إيمان عرفوا بعد ذلك أنّ ذلك الإنسان هو الذي عاشوا معه مدّة ثلاث سنوات والذي كانوا تلاميذه.

أشدّد فأقول: نخطىء إن تصوّرنا أنّ الرّسل تثبَّتوا (اثبات حالة - بالحواس - تاريخي اذًا) من أنّ هذا الإنسان الذي بدا لهم هو يسوع الذي عرفوه قبل موته على الصّليب، آمنوا بعد ذلك بالقائم من الموت. فإنّ الروايات الإنجيليّة هي على عكس هذا التصوُّر.

 

  - شعروا بوجود أحد، ولكنّهم لم يعرفوه.

  - من هذا الشّعور، انتقلوا إلى الإيمان بواسطة التفكير في وجودهم السّابق مع يسوع، تنيره الآن الكتب المقدّسة التي فسّرها لهم والرّسالة التي عهد إليهم بها.

فنحن أمام الأمور التالية:

1- تثبَّتوا من حضور أحد يظهر.

2- أدركوا معنى أقوال يسوع القديمة والنبوّات المختصة بموته (وقت التفكير بالرّجوع إلى الكتب المقدّسة أطول في رواية تلميذي عمّاوس، لكن جميع روايات الترائيات تشير إلى أنّ مجرّد ظهور يسوع القائم من الموت لم يكفِ الرّسل لمعرفته، في حين أنّ جميع الناس عرفوا لعازر).

3- عرفوا (بالإيمان) أنّ ذلك الإنسان هو يسوع حيّ، وهو وجَّههم من ساعته، انطلاقًا من ماضيهم، نحو المستقبل، عاهدًا إليهم برسالة، رسالة إنشاء الكنيسة.

 

 

القبر الفارغ

   ما هي  العلامات التي ظهر بها يسوع القائم من الموت؟ يجيب الإنجيل: هناك علامتان: الواحدة سلبيَّة (القبر فارغ)، والأخرى إيجابيَّة (ترائي يسوع للرّسل).

   نوضّح أن اكتشاف القبر فارغًا، كما رواه الإنجيل، لم يكن له دور هامّ في ولادة إيمان الرّسل. فإنّ القبر الفارغ لا يدلّ وحده على القيامة. ففي أقدم صيغة وردت في العهد الجديد (في حوالى السنة 50)، يؤكّد القدّيس بولس أنّ "الله أقام يسوع من بين الأموات" (1تس 1-9): لا ذكر للقبر. أجل، إنّ اكتشاف القبر فارغًا ورد في الإنجيل، لكنّه ليس جزءًا من رسالة الرّسل الأساسيّة (بعكس الترائيات).

  القبر الفارغ أمر غريب يطرح سؤالاً. والجواب لا يفرض نفسه. فيمكن تفسير الأمر بطريقة مختلفة، ولاسيّما بخطف الجثمان مثلاً. لا نقول أبدًا بأنّ القبر الفارغ ليس هو حقيقة، بل نقول فقط: إن فُصِل هذا الأمر عن الإطار الذي ورد فيه، أي عن شهادة الرّسل في شأن الترائيات، يبقى هناك أمر قد يستطيع المؤرّخ أن يشكّ في صوابه. إن اعتبرنا هذا الأمر في حدّ ذاته، بعد أن مضى  عليه ألفا سنة، لا تكون له أهميّة تاريخيّة كبرى، وإن كان وجوده ثابتًا. لا يمكن التّأكيد على "تاريخيّة" الأحداث، ما لم تكن على شيء من الأهميّة وكانت مندمجة في مجموعة تُعدّ "تاريخيّة".

 

  فلا عجب أن يبقى المؤرِّخ العصريّ كثير التحفـّـظ في أمر اكتشاف القبر فارغًا. ولن يخرج من تحفـّـظه كونه مؤرِّخًا، ما لم يعترف، إلى جانب ذلك، بقيمة شهادة الرّسل في أمر الترائيات.

 

 

الترائيات وموضوعيتها

   أَمَّا الترائيات، فلا يُرى كيف يمكن إنكارها. وإِلاَّ، وشرطَ التخلّي عن افتراض الخِداع المدَّبر، لأصبح الدّين المسيحيّ أمرًا لا يمكن تبريره. لكن المشكلة تتعلّق بمعنى هذا الواقع ومغزاه. فكثيرًا ما يصطدم التفكير هنا بحكم سابق يقول بأنّ كلّ تراءٍ لا يمكن أن يكون إلاَّ تخيُّلاً ذاتيًا ومَرَضيًّا، خاليًا من كلّ قيمة موضوعيّة. لا شكّ أنّ تلك المسلَّمة ليست في حدِّ ذاتها بديهة من البَدائه. فالبتّ السّابق في هذه المسألة لا يوافق أسلوب النقد الصّحيح.

 

   ومنهم من ينسب الترائيات إلى الإيحاء الذاتيّ. في هذه الحال، يبقى عليهم أن يفهموا كيف أنّ إيمان الرّسل، الذي كان ضعيفـًا جدًّا قبل الخيبة التي أحدثها موت يسوع، استطاع أن يعود إلى الحياة وكلّه حيويّة وحماس. كان التّبشير بيسوع القائم من بين الأموات يشكّل خطرًا لهم أكبر من خطر الاعتراف بالتتلمذ له في أثناء الدّعوى التي أُقيمت عليه. والحال أنّ الرّسل لم يجرؤوا، في أثناء الدّعوى، على الاعتراف بأنّه معلّمهم، مع أنّ ذلك كان أقلّ صعوبة عليهم من الجرأة على التبشير بأنّ يسوع هذا نفسه قام من الموت. فكانت الصّعوبة، بعد رحيله، أكبر بكثير من الثقة به قبله، وبلغت حدّ التهلُّل للاستشهاد.

 

   لكن تلك الملاحظة هي غير حاسمة، إن  اقتصرنا عليها. فهناك مخرج،  وهو وجود ظواهر جماعيّة في شأن بقاء بعض الأبطال الذين قُتلوا في الحرب. يبدو هذا الأمر ثابتًا عند سكّانٍ ذوي نفسيّة بدائيّة. ويظهر هذا البقاء، لا بمعنى أنّ البطل هاجر إلى مثوى الأموات، بل بمعنى أنّه لا يزال ينتمي إلى عالمنا، وإن بوجه غير منظور، ولا يزال يقوم بعمل تاريخيّ. وقد يُثير مثل هذا الاعتقاد عند الشّعوب البدائيّة حماسًا في الإخلاص للقضية التي جسّدها ذلك البطل. فلا بدّ من الفطنة، لاسيّما والكلام يدور على أساس الإيمان.

 

 

   ومنهم من يقول: لا يمكن أن يكون الترائي سوى تركيبة عقليّة، فهو شيء ذاتيّ، ونحن أمام تركيب تخيُّلي. لكن أبسط إحساساتنا (إحساسي الآن مثلاً بهذا المِكروفون وهذه الورقة وهذه الطاولة وبكم جميعًا) تنطوي هي أيضًا على شيء من التركيب الذاتي. ولا مانع من أن ينطوي الترائي على عناصر تركيب ذاتيّ ويتمتّع مع ذلك بقيمة موضوعيّة. ولكن لا بدّ من الاتّفاق على كلمة "موضوعيّ"، فإنّها لا تخلو من الالتباس. لا تعني ما هو خارجيّ، ذلك بأنّ مخيّلتنا تحملنا على الاعتقاد بأنّ ما هو موضوعيّ هو خارجيّ وأنّ ما هو باطنيّ هو ذاتيّ محض. أنتم الذين أمامي الآن، لا شكّ أنّكم جميعًا موضوعيون، لكم وجود موضوعيّ (لا تسلّمون بأنّه لا وجود لكم إِلاَّ في فكري. فإن قلت لكم إنّه لا وجود لكم إِلاَّ في فكري، تغضبون وتحتجّون، لأنّ لكم وجودًا موضوعيًا).

 

 

وفي الوقت نفسه، أنتم خارجون عنّي (تفصلكم عنّي خمسة عشر مترًا أو عشرون، ولكي استطيع أن أصافحكم، فلا بدّ لي أن أجتاز المسافة التي تفصلني عنكم). لكن كلمة "موضوعيّ" في حدّ ذاتها لا ترادف كلمة "خارجيّ"، فهما مفهومان مختلفان الاختلاف كلّه.

 

   وحين نقول إنّ ظهور يسوع القائم من الموت للرّسل كان موضوعيًا - وهذا هو الأمر الجوهريّ - لا نقول إنّه كان خارجًا عنهم (كما أنّكم جميعًا خارجون عنّي وأنا خارج عنكم). وحتّى إذا صحّ أنّ  الرّسل، وهم يركِّبون حتمًا إحساسهم (بما أنّ كلّ إحساس هو تركيب، وهذا من الأوَّليات في الفلسفة) ويتكلّمون بحسب اللّغة المألوفة، أحسُّوا بيسوع خارجًا عنهم، فذلك لا يعني على الاطلاق أنّ يسوع كان، من جهّته، خارجًا عنهم.

 

 أعترف بأنّ هذه النقطة لا تخلو من الصّعوبة. فإن فضّلتم أن تقولوا إنّ يسوع القائم من الموت كان، في آنٍ واحدٍ، موضوعيًا وخارجيًا، فأنتم أحرار. ولكن يجب أن نتوقـَّع قيام الاعتراضات والعقبات. لا فائدة في عرقلة طريق الإيمان، فإنّ المُهمّ والذي يربط الإيمان هو أنّ حضور يسوع كان موضوعيًا.

 

   وما نعنيه، حين نقول إنّ الترائيّات لها "قيمة موضوعيّة"، هو ما يلي بالضبط: ليست الترائيّات من تركيب الرّسل وحده، بل هي واقعيّة بمعنى أنّ الرّسل رأوا القائم من الموت بحكم مبادرة لم تصدر عنهم، بل عنه. في حالة التخيّل، تصدر عن الرّسل، بل عن المسيح. وبكلمات أخرى، لم يَرَ الرّسلُ يسوعَ إِلاَّ لأنّ يسوعَ أرى نفسه.

 

   وهل يجوز لنا أن نشبّه ترائيّات يسوع القائم من الموت باختبارات المتصوّفين التي يحدّثنا عنها تاريخ الكنيسة؟ نعم ولا، ولكن لا خاصّةً.

 

   نعم، لأنّنا، هنا وهناك، في حالة الرّسل وفي حالة المتصوّفين، أمام اختبارٍ لِما لا يُدرَك: ففي الحالتين، يصبح ما  لا يُدرَك (أي ما ليس هو اختبار بحكم الطبيعة: الله أو أحد القدّيسين) موضع اختبار. إقرأوا أي كتاب من كتب التصّوف، ولا تنسوا أن بركسون اهتدى إلى الإيمان من طريق البحث في مؤلِّفات المتصوّفين. إنّ اختبار المتصوّفين هو اختبار الأمور الإلهيّة، وهذا التّحديد ينطبق على المتصوّفين وعلى الرّسل على السّواء.

 

   لكني قلتُ: لا خاصّةً، فإنَّ في اختبار الرّسل، في ما نسمّيه ترائيّات يسوع القائم من الموت، شيئًا طريفـًاعلى الاطلاق، شيئًا قاموا وحدهم باختباره. ما هو؟ ما الفرق الأساسيّ القائم بين ترائيّات يسوع للرّسل وترائيّات أحد القدِّيسين لأحد المتصّوفين؟ هذا الفرق: التطابق بين الذي يرونه الآن، بعد موته والذي عرفوه، قبل موته، في أوضاع الوجود الطبيعيّ. إنّه هو هو. عرف الرّسل يسوع وعرفوا أنّه في الحقيقة ذلك الذي عاشوا معه قبل موته، في حين أنّ برناديت لورد مثلاً لم تعرف مريم بصفتها امرأة سهرت معها على قطيع الخراف. فاختبار الرّسل اختبار طريف وفريد على الاطلاق في التاريخ: أدركوا أنّ هناك اتّصالًا بين حياة يسوع الزائلة ووجوده قائمًا من الموت.

 

 

ولادة الإيمان عند الرّسل

   سنحاول أن نفهم كيف تمّت الأمور، وإن كانت تلك المسائل، كما رأيتم، لا تخلو من الصّعوبة. وإذا لم يكن ذلك بسيطًا، فالراجح أنّ نظرتنا شُوِّهت إلى حدٍّ ما. لا بدّ أن تكون الأمور بسيطة، لأنّ الإيمان يُعرض على جميع الناس، ولا يقتصر على المثقَّفين والفلاسفة. هناك ثلاث مراحل في ولادة الإيمان عند الرّسل:

 

   المرحلة الأولى

 الرّسل هم أناس لاقوا يسوع، الإنسان يسوع، في حياته الزّائلة، وتبعوه وآمنوا به بصفته المشيح المُنبأ به، ومخلّص الأمّة، ولا أقول بصفته إلهًا، إذ ما من رسول آمن قبل العنصرة بأنّ يسوع هو إله. ففي المرحلة الأولى، حياة زائلة، وأناس زائلون يعيشون مع إنسان زائل.

 

   المرحلة الثانية

 هذا الايمان حقيقيّ، ولكنّه ضعيف، ولقد عانى من محنة موت يسوع الرّهيبة، لا أيَّ موت كان، بل موتٍ شائن. فكان لهم نهاية حُلم جميل، ووقف مغامرة رائعة. ففقدوا الإيمان بمشيحهم، بعد أن حُكِمَ عليه وصُلِبَ. هل حافظوا على إيمانهم بالله؟ لا يمكن تأكيد هذا الأمر، فإن الله لم يمنع من الحكم على البارّ. وهل من وجود لإله لا يمنع من الحكم على البارّ؟ فهم أمسوا في حيرة تامّة، وفقدوا كلّ رجاء. في رواية تلميذَيّ عِمَّاوس الرّائعة، وصف لنا لوقا تلك الحيرة: كنّا نرجو، لكنّنا لم نعد نرجو... وتشتَّتوا. لم يزالوا، مع ذلك، أولئك الذين تعلَّقوا بيسوع وتبعوه ثلاث سنوات. فمن هذا المُنطلَق سينشأ إيمانهم الفصحيّ، بتدخّل من يسوع القائم من الموت.

 

   المرحلة الثالثة

 ظهر لهم أحد. هذه علامة اُعطِيت: أحدٌ صار فجأة هنا، من دون أن يشعر أحد باقترابه. وقد يكون البستانيّ (وهذا ما ظنّته مريم المجدليّة أوَّلاً)، وقد يكون مسافر على الطريق بين أورشليم وعمّاوس. لم يستنر الرّسل بذلك، بل اضطربوا بالعكس. ماذا؟ فقدوا الإيمان والرّجاء، فكيف يمكنهم أن يعرفوا بحواسّهم الطبيعيّة (بعيونهم وآذانهم وأيديهم) أحدًا تجاوز الوجود الطبيعيّ فاستحالت معرفته بالحواس الطبيعيّة وحدها؟ لو عرفوا يسوع لأوّل وهلة ، لكان جثَّةً اُعيدت إلى الحياة  كلعازر، ولكان قد عاد إلى الحياة الزائلة. لكن يسوع انتقل إلى الحياة الأبديّة، إلى الحياة الإلهيّة بحصر المعنى. وهذا الشّخص فسَّر لهم الكتب وطبَّقها على حياته الماضية وعلى موته خاصّةً. وعرض عليهم قراءة للكتب المقدّسة تذهب إلى أبعد ممَّا فهموا حتّى تلك السّاعة. فسَّر لهم ما تنبَّأ به الأنبياء في شأن المشيح وآلامه وموته. كان ذلك نورًا سُلِّط على آلام يسوع وموته، التي كانت سبب حيرتهم واضطرابهم، والتي كانت لهم ظلمات غرق فيها إيمانهم. فعاد إيمانهم إلى الحياة. وإليكم النقطة الأساسيّة: فهموا أنّ يسوع، لأنّه المشيح، وجب عليه أن يتألّم ويموت (لا مع أنّه كان المشيح، بل لأنّه كان المشيح). سبق للأنبياء أن قالوا ذلك، والآن فقد فهمه الرّسل.

 

   ولم تنبِىء الكتب المقدّسة بآلام المشيح وموته فقط، بل أنبأت بمعرفته أيضًا. وأوّل ما يجب القيام به في الوقت الحاضر هو إنماء الكنيسة. ولذلك، ما إن عرف الرّسل يسوع وتثبَّتوا من هويته، حتّى حوّل أنظارهم الى المستقبل، عاهدًا إليهم برسالة، وهي صنع الكنيسة وإنماؤها. وهذا الإيفاد إلى الرّسالة لا يقلّ شأنًا عن العودة إلى الماضي (يشدّد التفسير الكتابي على ذلك بقوّة).

 

   كثيرًا ما نسمع الاعتراض التالي : لو تمَّ إثبات قيامة المسيح عن يد أناس غير الرّسل، عن يد أناس حياديين، بعض الوثنيِّين الذين لم يعرفوا يسوع، أو حتّى عن يد خصومه (الفريسيِّين ورؤساء الكهنة)، ألما كانت شهادتم أشدّ اقناعًا؟ أليس كون الرّسل في وضع مميَّز بالنسبة إلى قيامة محتملة سببَ شك؟ كثيراً ما نسمع بعض الناس يقولون: لو شهد يهوذا القيامة، لخفـَّت الشُبهة حولها كثيرًا.

 

   إن أَخذ هذا الاعتراض بالاعتبار يعني تصوّر القيامة إعادةَ الحياة إلى جثة، وعودةَ يسوع إلى حياة طبيعيّة. إنّه تصوّر القيامة عجيبة تُغني عن فعل الإيمان (لم يشعر الناس بحاجة إلى فعل إيمان لمعرفة لعازر الخارج من القبر)، عجيبة من شأنها أن تلقي الذعر في أيّ شخص كان وتُرغمه إلى حدّ ما على الإيمان. تصوَّروا أنّ يهوذا شاهد القيامة: فلَما ذهب وشنق نفسه، بل اضطُرّ إلى الإيمان! لكن ذلك لا يخلو من التناقض، فإن اُرغم أحد على الإيمان، لم يعد إيمانه إيمانًا. لو لم تكن القيامة سوى عجيبة تُدهش أيَّ شخص كان وتُرغمه على الإيمان، لما كانت أمرًا جدّيًا يؤخذ بالاعتبار!

 

  لو وُجد بعض خصوم يسوع مع التلميذَين على طريق عمَّاوس، فلربُّما كانوا قد رأَوا "مجهولًا" ولما كانوا قد عرفوا الذي صلبوه. قلتُ: لربَّما، لأنّكم تعلمون كيف يُطرح السؤال، والأولاد يطرحونه منذ السّن الثامنة أو التاسعة ! لنفترض أنّ رجلًا كان يدخّن سيجارة على عتبة بابه المطلّ على طريق عمّاوس: أَلَكان رأى مسافريَن أم ثلاثة مسافرين؟ لا أعلم. يتوقـّـف كلّ شيء على رأي كلّ واحد: تراءٍ خارجيّ أو باطنيّ محض، وعلى كلّ حال موضوعيّ. فلربَّما كان قد رأى "مجهولًا"، ولكنّه لَما كان قد عرف الذي صلبه، إن افترضنا أنّ ذلك الإنسان كان أحد الجلاَّدين الذين سمَّروا يسوع على الصّليب.

 

   يجب أن نضيف ما يلي: الترائيّات هي علامة ستزول. وسيكون الصّعود آخِر تراءٍ، فإنّ عيد الصّعود هو عيد الترائيّ الأخير. ذلك بأنّ الإيمان الكامل يفترض تخطّي كلّ علامة خاصّة والحريّة بالنسبة إلى العلامات. الإيمان الكامل هو الإيمان بحسب الرّوح القدس. والعنصرة هي التي تفتتح هذا الإيمان. فوراءَ الترائيّات، وأكثرَ منها بكثير، يبدو أنّ تمام ظهور يسوع القائم من الموت هو في الحقيقة انتشار الكنيسة.

 

تجارب المؤمن وغير المؤمن

   ما هو رأي غير المؤمن في قيامة المسيح؟

 

تشبه حالته إلى حدّ ما حالة الرّسل قبل أن يعرفوا يسوع في فعل إيمان. فالعلامات (القبر الفارغ والترائيّات)، إن اُفرغت من معناها، اتَّجهت نحو التفتُّت. وفي نظر الرّسل، يثير ظهور يسوع الذعر أوّلاً: يظنَّونه شبحًا. وفي نظر المؤرِّخ، فما دام دونَ الايمان، تبدو العلامات واهنة ومشتبهًا فيها. والإيمان يؤثِّر في العلامات بالكشف عن تناسقها ومتانتها. لكن عدم الإيمان أيضًا يؤثِّر في العلامات بتجزيئها نوعًا ما وحلّها.

 

   لا يُنكر المؤرّخ غير المؤمن أنّ هناك معنى أدبيًا للقبر الفارغ والترائيات، فلقد وردت في الكُتب. لكن هذا المعنى الأدبيّ، إن انفصل عن معناه، كاد أن يفرغ من نفسه ويفقد مقدرته على تكوين إشكالية : فمن جهّة، يتّجه غير المؤمن نحو إلغاء معنى القبر الفارغ كونه واقعًا  تاريخيًّا. وأَمَّا الترائيات، فيتّجه غير المؤمن إلى تفسيرها كونها ظواهر إيحاء ذاتيّ أو تخيُّل جماعيّ. النقطة الهامّة هي التالية: إذا ما أنكر الإنسان معنى أمر، انتهى إلى حلّ هذا الأمر، فإنّ إنكار المعنى يتّجه إلى الارتداد على الأمر وعلى حلّه.

 

   ولكن لِنحذر، بالعكس، من المبالغة في قيمة المعنى التاريخي. وهذا ما يتعرَّض له المؤمن: فقد نفكِّر كما لو كان المعنى يُدرك مباشرةً في المعنى التاريخي، وكما لو كان القبر الفارغ في حدّ ذاته برهانًا عن القيامة، وكما لو كانت الترائيات تمكّن من معرفة هوية يسوع في اللحظة، من دون الحاجة الى فعل إيمان، وكما لو كان يسوع لعازر الذي عاد إلى الحياة. فلنحذر: لو كان الأمر على ذلك، لوجب القول بأنّ قيامة يسوع تقع برمّتها تحت قبضة الحواس والتاريخ، ولوجب الاستنتاج أن غير المؤمن غبي أو جاهل وأنّه لا يعرف النصوص أو يعجز عن قراءتها كما يجب أو أنّه سيِّىء النيّة (الله أعلم بأن المؤمنين لم يمتنعوا بنَعت غير المؤمنين بالأغبياء وسيِّئي النية). لكن ذلك يخالف النزاهة، ولا يحقّ لنا على الاطلاق: فلا نبالغ في قيمة المعنى التاريخيّ. ليست قيامة يسوع مجرّد واقع تاريخي كمعركة العَلَمَين. الإيمان حرّ، وإلاَّ فليس هو الإيمان.

 

 

لا عجيبة، بل سلسلة علامات

   حاول كبار من الرسَّامين أن يصوّروا يسوع خارجًا من القبر في بهاء انتصاره. لعلَّهم أَنجزوا بعض الرّوائع، لكنّهم أَدَّوا لنا خدمة مُضَّرة، إذ ليس هناك أي شاهد رأى ذلك، فإنّ يسوع لم يُرِ نفسه قائمًا من الموت، بل علَّم ذويه أن يعرفوه بعد قيامته من الموت. فلو كان هناك خروج مهيب من القبر، لحُطَّ السرّ إلى مستوى الأسطورة، ولَكُنَّا أمام خارق بشريّ محض ومنغلق على الأمور البشريّة.

   اُحب أن تفكّروا في  السؤال التالي: (فبأسئلة كالسؤال التالي يمكن تقدير نوعية الإيمان، لأنّ هناك أناسًا يدّعون أنهم مؤمنون، مع أنّهم ليسوا في الحقيقة إلاَّ متعطِّشين إلى ما يسمَّى الخارق):

 

ما رأيكم في ديانة مبنيّة على إله مات فانتقم، مُبهرًا  إياَّنا بانتصار مبين؟ إنّ مثل هذا الانتصار يشبه إلى حدٍّ بعيد نوعًا من الانتقام الذي قد نحلم به، حين نتمنَّى أن تنتقم الكنيسة من أولئك الأشرار الذين ينتمون إلى ديانات أخرى. إنّنا جميعًا نحلم بمسيح منتصر.

 

   لو تصوَّرنا يسوع خارجًا من القبر بشكلٍ مهيب، لانزلقنا إلى مستوى الأساطير الوثنيّة، وجعلنا الله على صورتنا، وأدخلنا الله، لا في تاريخنا الحقيقيّ الذي هو تاريخ قراراتنا، بل في ما نريد أن يكون تاريخنا للإفلات منه، وشجَّعنا الفلكلور، مع أنّه يجب علينا ألاَّ نساعد على الخلَط بين سموّ الإيمان المسيحيّ وما يبدو بديلًا  للفلكلورات الوثنيّة!

 

   لا يمكن أن تكون القيامة عجيبة تنتزع الاعتراف بالوضوح، بل لا يمكن أن تكون إلاَّ سلسلة علامات تلتمس الإيمان. انتبهوا إلى هذا: إنّ الذين رفضوا الإيمان، أعني رؤساء اليهود الذين أمروا بحراسة القبر، هم الذين ثبَّتوا من العجيبة عن قرب. تذكَّروا: لم ينازعوا في قيامة لعازر كونه أمرًا  واقعًا، لأنّها كانت لا تقبل النزاع، بل استنتجوا مساس الحاجة إلى القضاء على يسوع: هكذا فهموا معنى قيامة لعازر: بما أنّ  الرّجل يُجري مثل تلك العجائب،  فسيؤمن به جميع الناس فيأتي الرّومانيّون ويدّمرون أمَّتنا. فكان كلامهم تطبيقـًا لجواب إبراهيم الغنيّ في مثل الغنيّ ولعازر: "إن لم يستمعوا إلى موسى والأنبياء، لا يقتنعوا ولو قام واحد من الأموات."

 

   في الحقيقة، لم يَرد في أي مكان من الإنجيل عجائب ليست إلاَّ عجائب، فلقد رفضها يسوع رفضًا قاطعًا. أبى أن يؤمن النّاس بسبب العجيبة: فأيًّا تكون نوعيّة مثل ذلك الإيمان؟ في البريّة، لم يحوِّل الحجارة إلى أرغفة. وحين طلب إليه النّاس آية في السّماء، أجاب أن الآية الكبرى ستكون موته (متى 12-40). وليس تكثير الأرغفة زيادة إنتاج من المأكولات لا يسعها وحدها إِلاَّ أن تُغلِق رغبة النّاس على مرافق الحياة الأرضيّة. فالعلامة الصّحيحة تهدف إلى توجيه الرّجاء والإيمان نحو الحقائق النهائيّة، أي أنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده. ولذلك فإن خطبة يسوع في خبز الحياة، أي الافخارستيّا، هي جزء لا يتجزَّأ من معجزة تكثير الارغفة ( يو 6).

 

   الخطر هو الرّغبة في تمثيل ما جرى بالضبط وصرف النظر عمَّا عناه الإنجيليّون. والحالّ أن ما عَنَوه ليس هو ما جرى بالضبط، ساعةً بعد ساعة، أو يومًا بعد يوم، بل هو إدخالنا في اختبار هو اختبار حضور يسوع الحقيقيّ الجديد. لا يسجَّل هذا الحضور الجديد، فلم يعد قابلًا  للمعرفة بشهادة الحواس. إنّه يختلف كلّ الاختلاف. لا أحد آخر، بل هو نفسه أصبح مختلفـًا الاختلاف كلّه.

 

   أمامنا سلسلتان من النصوص الانجيليّة:

- سلسلة تشدِّد على أنّ  يسوع القائم من الموت ليس هو شبحًا وروحًا  (كان اليهود يميلون إلى الاعتقاد بالأشباح والأرواح). فقد ورد التوضيح التالي: "إِلمسوني وانظروا، فإنّ الرّوح ليس له لحم ولا عظم كما ترون لي" (حرفياً عن لو 24-39). فهي سلسلة تهدف إلى الدّلالة على أنّ يسوع قام حقـًّا من الموت في جسده.

 

- وسلسلة أخرى تؤكّد أنّ هذا الجسد لم يعد هو هو: فالقائم من الموت يظهر ويغيب ويجتاز الأبواب المغلقة. وجسده لا يخضع لحتميَّات المكان والزمان. إنّه هو هو (السلسلة الاولى). لكنّه هو نفسه أصبح مختلفـًا  الاختلاف كلّه (السلسلة الثانية). فهناك إذاً سلسلتا نصوص لنتمكّن من استهداف ما لا يمكن أن يكون موضع تصوُّر دقيق، أي "جسم روحانيّ"، كما يقول القدّيس بولس.

 

   من العلامات التي ورد ذكرها في الإنجيل، علامة واحدة يمكن أن تكون موضع إثبات حالة: وهي القبر الفارغ. أمَّا الترائيات، فأمرها يختلف. نحن على يقين من أنّ تلميذَيّ عمَّاوس ومريم المجدليّة والتلاميذ، منفردين كانوا أم مجتمعين، رأوا وسمعوا وحدهم الذي أظهر نفسه. ولو كان لديهم آلات تصوير أو مسجِّلات، لما استطاعوا أن يصوِّروا أو يسجّلوا شيئًا. فما كان مطلوبًا منهم هو الشّهادة.

 

   لا خوف من التّشديد على الفرق القائم بين الشّهادة والتحقيق. ما أكثر الذين يعتقدون بأنّ التّحقيق المزوَّد بجميع وسائل التّسجيل هو ذروة الحقيقة التاريخيّة. إنّهم لا يرون أنّ آلات التصوير والمسجّلات لا تستطيع أن تدوِّن إلاَّ المظاهر الخارجيّة. فمن أراد تسجيل اختبار عميق، فليس لديه من آلة صالحة إلاَّ القلب، بمعناه الكتابيّ، أي الشعور. وهذا ما يؤدّي إلى طرح السّؤال: لماذا تؤمنون؟ ما هو الدافع إلى إيمانكم؟ وبكلمات أخرى: ما هو المعنى الذي تُضفيه قيامة يسوع على حياتكم؟ لا واقع القيامة وحده، بل معناه أيضًا.

 

  إن أردنا الاحتفاظ بكلمة يستعملها التّصوير، قلتُ إنّ ما "يُحسّسه" اختبار يسوع القائم من الموت هو جوهر الكيان ووجودنا نفسه. فحين يقول الرّسل: "نحن شهود على هذه الأمور" (رسل 5-32)، لا يعني قولهم: رأيناه خارجًا من القبر، بل: نحن على يقين تامّ من أنّ يسوع هو حيّ، فهو قد فتح في شخصه، مرّة واحدة، أبواب الحياة الحقيقيّة، أي أنّه هو القيامة. وما يكفل هذا اليقين الذي يتخطّى الطبيعة البشريّة هو بذل حياتنا حتّى الاستشهاد.

 

 

الخاتمة :   قيامة المسيح مسألة مطروحة على التاريخ

 

   في نظر المؤرِّخ الذي ليس هو إِلاَّ مؤرّخًا، تطرح قيامة المسيح مسألة لا حلّ لها بالوسائل الخاصّة بالمؤرّخ، مسألة لا يمكن التخلّص منها بشروح تجريبيّة. إنّها مسألة لا حلّ لها ولا يمكن إزالتها في آن واحد: لا يمكن إزالتها، وعلى الصّعيد التاريخيّ المحض لا حلّ لها.

 

   لسنا أمام لُغز تاريخيّ فقط، بل أمام مسألة تتجاوز كلّ إمكانيّة حلّ (على الصّعيد التاريخيّ المحض طبعًا). لا أقول فقط إنّها لم تجد حَلًّا، بل إنّه لا حلّ لها. فالقيامة، على هذا الصّعيد التاريخيّ، لا يمكن القول بها كونها واقعًا  تاريخيًّا، ولكن لا يمكن إلاَّ أن تبقى مسألة تاريخيّة، مسألة مطروحة على وجه موضوعيّ. فالمؤرِّخ كونه مؤرِّخًا لا يستطيع الذّهاب إلى أبعد من ذلك.

 

   ولكن ما من مؤرِّخ لا يكون إلاَّ مؤرِّخًا، كما أنّه ما من عالِمٍ لا يكون إِلاَّ عالِمًا. فالعالِم إنسان، والمؤرِّخ أيضًا إنسان قد يكون متزوّجًا وله أولاد وموسيقيًّا ومؤمنًا... والحال أنّ المؤرِّخ، لكونه إنسانًا، لا يستطيع الاقتصار على البحث في أمر محدود يُنظر إليه بعدم انحياز العلم الذي هو مجرّد علم. لا يسع المؤرِّخ إلاَّ أن يشعر بنفسه ملتزمًا في التاريخ: فلا بدّ له أن يطلق العنان للإنسان الذي فيه والذي يواجه معنى ذلك التّاريخ.

 

   فلا يسعه اليوم أَلاَّ يشعر بالمسألة التي تطرحها عشرون قرنًا من المسيحيّة، لا يسعه أَلاَّ يتساءل عن تاريخ البشريّة ومعناه الإلهيّ المحتمل. إنّ واقِع قيامة المسيح الطريف إلى أبعد حدّ يطرح عليه حتمًا  مسألة ما قد يكون للتّاريخ من "بُعد متعالٍ". فيجوز له أن يسلّم بصواب بأنّ "إصبع الله" هنا، يجوز له أن يسلّم بذلك بصفته إنسانًا يتساءل عن معنى الوجود البشريّ.

 

   وهل يجب أن نذهب إلى ما أبعد من تلك فنضيف أنّ هذا الموقف هو المخرج المعقول الوحيد لتلك المسألة؟ لكنّ ذلك يقتضي أن يسلّم بأنّ العقل البشريّ، حين يفسّر ارتباط الظواهر، يصطدم بحدود لا يستطيع ان يتجاوزها. ولا بدّ له، إن أراد ان يأخذ الأمور بالجدّية،أن يتعمَّق في فلسفة الجسد، ليفهم أنّ اختفاء جثمان يسوع ليس هو تبخُّرًا للمادّة، بل هو انتقال هذه المادّة وتحوّلها في الله.

 

   ويبقى جائزًا للمؤرّخ أن يرفض هذا الحكم، لكنّه لا يزال، في هذه الحال، محتبسًا في اعتبار أمر لا معنى له. فإنّ فعلَ الإيمان وحده يشقّ الطريق إلى المعنى. وهذا المعنى هو أنّ الموت قد غُلِبَ، أو أنّ المحبة أقوى من الموت. أعمق مطالبي هو الحياة: أريد أن أحيا للأبد. فإن قلتم إنّكم لستم حريصين على ذلك، اضطُررت إلى قطع الحوار. فما حيلتي؟ وكلّ ما أستطيع أن أقول هو أنّي لست على شاكلتكم. أَمَّا أنا فأُريد أن أحيا للأبد. والقيامة تقول لي: ستحيا للأبد. هذا هو المعنى. ولذلك أومن.

 

   لمَّا كان مرقس أوريزون طبيبًا جراحيًا في بوردو، كان يرى النّاس كلّ يوم يموتون ويتوقـّـفون عن الحياة. فعزم على أن يكون كاهنًا لكي يُقام القدّاس في حضن شمول الموت، وأن تكون القيامة حاضرة، بفضل القدّاس، في قلب عالم يزول فيه كلّ شيء. ولقد تحدَّث مرارًا عن هذا الموضوع في كتبه. فإنّ القيامة هي فوق كلّ موت، هي الحياة، هي الثغرة في حلقة الموت الشّامل، ولولاها لانحبسنا حقـًّا في هذه الحلقة.

        

 

الأب فرنسوا فاريّون اليَسُوعيّ