وجه يسوع المتجلّي

 

 

 

 تطلّع وجه يسوع المتجلّي لدى خروجه في أورشليم، تذقْ مجد "القائم من بين الموت".

 

 

بمقدار ما أنت مدعو إلى اتّباع يسوع في فصحه، بتجرّد تام عن ذاتك، بمقدار ذلك عليك أن تشاهده في مجده. فالمسيح لا يريد الموت للموت، بل يجتازه كتعبير بليغ عن محبّته التي منها تنشأ حياة القائم من الموت.

 

 فإذا دُعيتَ إلى الموت عن ذاتك، فذلك لكي تشترك في الحياة الجديدة ليسوع الممجّد. لذا فقبل الدخول في سرّ الخلاص، يجدر بك أن تتطلّع يسوع في تجلّيه؛ ففيه يعطيك مسبقًا مجده الفصحي في قلب حياتك الإنسانيّة نفسها. وإذا لم تتذوّق في الصّلاة مجد الفصح، فستظلّ حياتك المسيحيّة عصيّة متوتّرة.

 

ولكي تحسن التأمّل في مشهد التجلّي، أعِدْ قراءته بهدوء في إنجيل لوقا (٩ / ٢٨ ـ ٣٦) وتوقّف عند كلّ جملة لكي تدعَ كلّ كلمة تسقط في قلبك. وضع نصب عينيك صورة جميلة تمثّل المسيح المتجلّي كما نجدها في الأيقونات الشرقيّة. ولكن من خلال ذلك كلّه، ركّز بصيرتك على شخص يسوع المشِعّ بمجد الآب. واسأل الرُّوح القدس نورًا لعينيّ قلبك ليتسنّى لك تطلّع وجه المسيح.

 

ويجب أن يتمزّق حجاب الكلمات والصور لتبلغ قلب الحقيقة. وهذه نعمة ينبغي أن تطلبها دومًا في صلاة حارّة: ففي الوقت الذي فيه كان يسوع يصلّي، تجلّى وجهه.

 

 فهو يعيش مع الآب علاقة محبّة هي من القوّة بحيث إنّها تسطع في وضح النهار وتنير وجهه، مثلما يستحوذ عليك الاصفرار من جرّاء حادث داخليّ أثّر فيك. ويمكننا أن نعيد هنا عبارة القدّيس أوغسطينس: "أعطني قلبًا رأى ويحبّ، وهو سيفهم ما أقوله".

 

يقول لنا الإنجيل إنّ وجهه تغيّر كليًّا. وأنت تعلم أنّ الوجه ينبئ عن القلب ويكشف عمّا في داخل الإنسان. فبعينَي قلبك تطلّع هذا الوجه، ولكن، من خلال الوجه، إلتقِ بقلب المسيح. فإنّ وجه يسوع يكشف ويعبّر عن حنان قلبه اللّامتناهي. وحينما تشعر بفرح عظيم، يُشعّ وجهك ويعكس سعادتك. وهذا ما جرى، نوعًا ما، ليسوع في التجلّي.

 

 

وإذا فحصتَ قلب المسيح في الصلاة، تكتشف أنّ الحياة الإلهيّة، نار العلّيقة الملتهبة، كانت مطمورة في عمق كيان يسوع. وهو، بتجسّده، "أَنْسَنَ" الحياة الإلهيّة لكي يعطيها لك بدون أن تهدمك،، إذ لا أحد يمكنه أن يرى الله ولا يموت (خروج ٣٣/ ٢٠). ففي التجلّي تتفجّر هذه الحياة واضحة بصورة عابرة، وتضيء وجه يسوع وثيابه بإشعاع قويّ. فعلى وجه المسيح، تتطلّع مجد الله.

 

في التجلّي، يشعّ من يسوع ثقل مجد الله كلّه أي قوّة حياته، وشخصا موسى وإيليّا يتّجهان إليه. فلا مجال إلى الخطأ: إنّ كيان المسيح نفسه يجعل حاضرًا الله المثلّث التقاديس، إله العلّيقة الملتهبة، والله الصديق والحميم والقريب، إله حوريب. ولكن عليك الإحاطة بكلِّ أبعاد المجد الذي يتجلّى في يسوع بصورة سرّية لدى خروجه من أورشليم، أي في آلامه. ففي عمق موته المجيد يفجّر يسوع طاقة هذه الحياة الإلهيّة الكثيفة المخفيّة فيه.

 

ولكن لا تتوقّف عند موت المسيح، بل انزل إلى أعمق لكي تكتشف فعل الطاعة المفعمة بالمحبّة التي قدّمها يسوع لأبيه. إذ ذاك ستفهم لماذا يقدّسه الآب ويُحييه بقداسته. فيسوع، بموته على الصَّليب، يتمّم فعل محبّة كاملة بتسليم حياته إلى الآب؛ ولذلك يمجِّده الآب.

 

والرُّوح الذي يدفع يسوع إلى الاستسلام كليًّا بين يدي الآب ينفذ إلى أعماقه ويغيّره بكلّيته، بحيث إنّه يشعّ على وجه يسوع في التجلّي وتكون البداية. والآب، إذ يقبل ذبيحة المحبّة الآتية من ابنه، يعطيه ختم شهادته العليا: هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا (لوقا ٩/ ٣٥).

وهكذا فإنّ تأمّل التجلّي يجعلك تدخل في قلب سرّ الثالوث، ورمزه الأوضح الغمامة النيّرة. وتشترك في قُبلة المحبّة التي يعطيها الآب لابنه، إذا قبلتَ، مع يسوع، بأن تسلّم حياتك إلى الآب بمحبّة.

 

كلّ شيء مترابط، فلا يمكنك فصل الصّليب عن المجد. فاستمرّ على تطلّع مجد يسوع المتجلّي، بالاشتراك في خروجه في أورشليم: ونحن جميعًا، والوجه سافر، نعكس كما في مرآة مجد الرَّبّ، فتتحوّل إلى تلك الصورة بعينها، المتزايدة في البهاء، بحسب فعل الرَّبّ، الذي هو روح. (٢ كور ٣/ ١٨)

 

 

                                                   "صلِّ إلى أبيك في الخفية"

                                                                  جان لافرانس