يقظة الإيمان الحاليّة

                                                                                 

 

 

                                                                                                      يقظة الإيمان الحاليّة                         

 

                                                                                                              يقظة الإيمان الحاليّة

 

لَئِن كانت الكنيسة تواجه اليوم مشكلات وصعوبات، فلا يمكننا أن ننكر كذلك أنّها تعيش مرحلة عجيبة من اليقظة الرّوحيّة والحيويّة. ويكتب المؤرِّخ دلومو قائلاً: "هناك انطباع لدى معاصرينا بأنّ المسيحيّة قد بلغت ذروتها في الماضي - أي في القرون الوسطى أو في القرن السابع عشر - وبأنّ منحنى مصيرها يتّجه الآن نحو الأسفل لا محالة... تقوم هذه الرّؤية... السّاذجة على مُسَلَّمَةٍ ضعيفة، وهي أنّ جميع الناس في المسيحيّة القديمة كانوا مسيحيِّين حقـًّا... ومن الصّحيح تاريخيًّا أن نستبدل بالمنحنى الصَّاعد... خطـًّا على شكل أسنان المنشار يُبيِّن على مرِّ العصور سلسلة من "اليقظات".

 

  وإن كان المجمع الدينيّ قد مثَّل في نظر بعضهم، كما رأينا، فرصة للانحراف عن الخطّ القويم، فإنّه مثَّل في نظر غيرهم ربيعًا إيمانيًّا حقيقيًّا.

 

   ويتابع دلومو قائلاً: "من الصَّحيح أنّ المسيحيّة الغربيّة قد فقدت الكثير من ناحية الكمِّيَّة، ولكنّه أَلَمْ يربح من ناحية النوعيّة، أي في ما يختصّ بحياة المؤمنين الباطنيّة وكَرَمَهم؟"...

  "وثمّة خطأ تاريخيّ آخر يزداد انتشاره حاليًّا، وهو أنّ أزمة الإيمان ترجع إلى مجمع الفاتيكان الثاني. ومن البديهيّ أنّ هذا المجمع مثّل نقطة تحوّل صعبة. ولكنّني أتبنّى صيغة الأسقفيّة الكنديّة، إذ يبدو لي أنّها تمثِّل جيِّدًا وضع المسيحيّة الغربيّة: "إنّ المنزل القديم الذي يُجدَّد يُشبه - ولفترة طويلة - منزلاً مهدَّمًا". وأنا مقتنع، مع بِيير دانتان Pierre Dentin، بأنّ هناك شيئًا ما يتفتّح في قلب الشّعب المسيحيّ - بما في ذلك مسيحيّو الغرب - وهو اهتمامٌ جديد بالإنجيل ومعه كنيسة فقيرة وخدومة، مضيافة وبسيطة، تمثِّل أقليّة ولكنّها تُثير الحماسة".

 

  وثمّة أمر تجدر ملاحظته، وهو أنّ هذه النّهضة، التي  تشمل الإيمان والصَّلاة العفويّة والالتزام بمساعدة القريب والاهتمام بكلام الله وبالإيمان وبالدّعوات الكهنوتيّة أو الدينيّة، تتجلّى اليوم خاصّة ً في "الحركات" الدينيّة، ومنها: "التجدُّد في الرُّوح" Renovation dans l'Esprit، و"المشاركة والتحرُّر" Communion et Liberation و"مراكز الوحدة (فوكولاري)" Foyers d'Unite، و"جماعة الحياة المسيحيّة" Communaute de Vie Chretienne، و"نور وحياة" Lumiere et Vie، و"جماعة القدّيس إيجيديو" Egide Communaute S.، إلخ. وكلّ هذه جماعات منتشرة في بلاد بأكملها أو في العالم أجمع، وتتّصف باستقامة عقائديّة ملحوظة وبإخلاص للبابا.

 

 

       فمن الطبيعيّ أنّ الموسيقى الجيِّدة لا تنتج من عزف كلّ عازف على هواه، بل من التزام الجميع باتّباع مقطوعة المؤلِّف المكتوبة على الورق، وبمراعاة توجيهات رئيس الفرقة.

       لا تزال الكنيسة التي أرادها المسيح ضروريّة للعالم المعاصر. وإن لم تلتزم في الماضي دائمًا بالمحاربة في صفّ العدالة، فإنّها حافظت أَقلَّه على الإيمان الذي يكفي لإضفاء معنى على الحياة البشريَّة ونشر الأخُوَّة على الأرض.

 

 كما أنّ الكنيسة تمنحنا وجهًا، إذ إنّنا لم نعد نعرف تمامًا هل التاج الأسمى الذي يزيِّن العالم أم دوّامة ضعيفة من الجزيئات. وهي تثبت لنا بقدّيسيها أنّنا أبناء الله المتّجهون نحو جماعة حبّ حقيقيّ أبديّ، وأنّنا لسنا قرودًا عارية تسافر إلى مقبرة القرية حيث تنتظرها حجرة صغيرة توضع فيها.

 

وقد أنقذتنا الكنيسة من جميع الاضطرابات التي نعانيها منذ أن كفَّت الأغلبيّة عن اتّباعها، كما أنّها تمثِّل اليوم أيضًا في نظر مَن يفتح عينيه قاطرة تجرّنا نحو الينابيع بدلاً من أن تكون - كما يريد أحدهم - عَوّامة تؤدّي بنا إلى هاوية الشلاّل. والنوافذ الوحيدة التي فُتحت في جدار الليل الذي يحيط بنا كانت تلك التي تمثِّل عقائد الكنيسة التي بُنيت على أساس من الحكمة. وأرض الكنائس التي حَثَّتْها الدموع هي الطريق الوحيد الذي شُقَّ نحو الفرح. والكنيسة هي المؤسَّسة الوحيدة في وقتنا الحالي التي لا تُكيِّف عروضها بحسب تحليلات السّوق؛ لأنّ الذي يُريد أن يرقى بالبشريَّة، لا يتركها تهبط بحسب مؤشّرات السّوق.

 

       ولعلّ الكنيسة تمثِّل اليوم مكبّر الصّوت الوحيد الذي يعمل بدلاً من صوت الضمائر الذي أضحى بالغ الضّعف.

 

                                                       الأب جيوفانيّ مارتِنتيّ