يوسف.. أنموذجُ العبور نحو الأبوّة

 

 

 

 

يوسف.. أنموذجُ العبور نحو الأبوّة

 

 

 

لقد كشف يسوع لنا صورة الله أبًا،  ودعانا إلى التشبه به في البنوّة، فيكون الله "أبانا" جميعًا. ابن الله صار إنسانًا مثلنا واتخذ له "أبًا" بالتبنّي، يوسف، لكي يمنحنا أن نصير مثله أبناء أبيه، بالتبنّي أيضًا.

والسؤال يُطرح هنا في مفهوم "الأبوّة" و"البنوّة":

 

 هل وَجَدَ يسوع في "الأبوّة" البشرية، التي تلقاها من يوسف، صورةً للأبوّة الإلهيّة، فاستعارها للتعبير عن حبّ الله له ولنا، وعن نوعيّة العلاقة بينهما وبيننا وبينه؟..

 

 وبتعبير أبسط: لماذا استعمل يسوع كلمة "أب" للتعريف عن سرّ علاقته بالله؛ ودعانا تاليًا أن نستقبل، على غراره، العلاقة مع الله كأنموذج العلاقة بين الأب والأبناء؟

 

يقول علم النفس أنّ "الأبوّة"، ليست كـ"الأمومة"، فعلاً غريزيَّا. لا شكّ أن الأمومة عند البشر مدعوّة باستمرار، ككلّ الغرائز، إلى الانتقال من "الفعل الغريزي" إلى الرقيّ الإنساني والحضاري؛ هناك "أنسنة" للغرائز عند البشر.

 

 أما "الأبوّة" فلا "غريزة" فيها، إنما هي فعل حرّ تقوم به الإرادة وتتعهّد الاستمرار فيه..

 

لا "رَحِمَ" عند "الأب" يحمل الجنين ليتغذى ويتنفّس ويتحرّك فيه، ولا ثديين لديه لإطعام الوليد؛ لذلك تكون "أبوّته" فعلاً إراديًّا، اختيارًا محبًّا، مسؤوليّةً يقظة.

 

 

ترتقي الأمومة، كما ذكرنا، بأنسنة الغريزة فيها، وتستمرّ في الارتقاء نحو المقدّس على غرار مريم: تنتفض امرأة من الجمع في أيّام يسوع وتقول له: "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين الذين رضعتهما"، أمّا يسوع فيردّ: "بل طوبى لِمَن يَسمَعُ كَلِمَةَ اللهِ ويَحفَظُها" (لو11/27-28)، أي أن عظمة مريم لا تكمن في "الأمومة" البيولوجيّة، بل أيضاً في "أمومة" مصغية إلى "تربويّة الله"..

 

 لم تربِّ مريمُ يسوعَ إلا بإصغاء مرهف لمشيئة الله، هناك "مشاركة تربويّة" بينها وبين الله. يوسف يكمل الثالوث التربويّ، فهو الشريك التربويّ الذي يجسّد أبوّة الله.

 

يوسف أنموذجٌ لكلّ أبوّة في الاصغاء إلى "تربويّة" الله "الأب"..

 

 فقد "تراءَى له مَلاكُ الرَّبِّ في الحُلمِ وقالَ له: يا يُوسُفَ..، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم.. فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ.. (ثمَّ) تراءى ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: "يا يوسف، قُم فخذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر وأقم هناك حتى أُعلمَك، لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليُهلكَه". فقام فأخذ الطفل وأمه ليلاً ولجأ إلى مصر. فأقام هناك إلى وفاة هيرودس.. وما إن توفي هيرودس حتى تراءى ملاك الرب في الحلم ليوسف وقال له: "قم فخذ الطفل وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، فقد مات من كان يريد إهلاك الطفل". فقام فأخذ الطفل وأمه ودخل أرض إسرائيل. لكنه سمع أن أرخلاوس خلف أباه هيرودس على اليهودية، فخاف أن يذهب إليها. فأُوحي إليه في الحلم، فلجأ إلى ناحية الجليل. وجاء مدينة يُقال لها الناصرة فسكن فيها" (مت1/ 18-..).

 

كما الأمومة يمكن أن تبقى في الاستئثار الغريزي، على غرار الحيوانات زملائنا في الحياة البيولوجيّة، كذلك يمكن أن تنحدر "الأبوّة" في جشع "الأنا" و"التسلّط" الغريزيين، فستخدّم لإشباع تضخّم الذات وعشقها، فيُدعى "الأبناء" لعبادتها إرضاءً لهذا الإشباع في الخنوع الساذج لطاعتها العمياء؛ أو في قمعها لكلّ ما يهدّدها.. هيرودس أبٌ أيضاً، ولكن أبوّته من هذا النوع النرجسيّ الجشع، فحفاظاً على مُلكِهِ، قتل زوجته وبعضًا من أبنائه، كما هو معروف!!.. فليس غريبًا أن يسعى لقتل يسوع..

 

إن الله "الأب" يدعو يوسفَ "الأب" أن يأخذ الطفل يسوع ويهرب به لكي يحميه من وجه هيرودس.

 

 تظهر "أبوّة" يوسف حين تدعوها المسؤوليّة واليقظة والتضحية، وتختفي هروبًا من شبق الاستئثار والتملّك وتضخم الذات.. أليست أنموذجاً يُقتدى به؟!..

 

لقد كان يوسف مع مريم صورة لكلّ أبوّة وأمومة في الارتقاء من "الغريزة" إلى "الأنسنة"، والعبور من الغريزة والأنسنة إلى "القدسيّة" لتكون على غرار أبوّة وأمومة الله، الذي يعرف كيف يكون حاضرًا في حياة الأبناء، وكيف ينسحب حين تدعو المسؤوليّة التربويّة المُحبّة إلى ذلك.. فألم الطلق نحو الخلق فعل مستمرٌّ في "الأبوّة" كما في "الأمومة"!..

 

ليست الأبوّة الحقّة من تسعى لتمتدّ عبر الأبناء في تحقيق الذات والاستمرار والتأبُّد بمبدأ المثل الشعبي الخاطئ: "لِ خلّف ما مات"، أو لتحقيق ما أخفق فيه الآباء في مستقبل الأبناء؛ بل هي طلق مستمرّ للأبناء ليكونوا بدورهم ذاتهم كما يختارونها.. "أبناؤكم ليسوا لكم، ابناؤكم أبناء الحياة" وأبناء الله.. هكذا كانت أبوّة يوسف!..

 

لقد كانت أبوّة يوسف صورة فيّاضة للأبوّة كما لأبوّة الله.

 

 

الأب بسّام آشجي