أبـونا يعقـوب رســول الصلـيب (1875 - 1954)

 

أبـونا يعقـوب رســول الصلـيب

 

أعماله وإنجازاته، كانت أسرع منه، فاكتسبت شهرة واسعة منذ تأسيسها واستمرَّت حتى يومنا هذا، فمن منّا لم يسمع بدير الصّليب ودير يسوع الملك ودار السيّدة ومستشفى مار يوسف ومدرسة فال بارجاك وغيرها من المؤسّسات. وهل من يعرف أنّ وراء كلّ هذه المشاريع والمؤسّسات راهب كبّوشي قدّيس، يُدعى أبونا يعقوب الكبوشيّ، إبن بلدة غزير في فتوح كسروان.

 

قلّة قليلة تعلم ذلك وقليلون أيضًا يعلمون أنّ مؤسّس جمعيّة راهبات الصّليب الفرنسيسكانيّات اللبنانيّات هو أبونا يعقوب، الذي ولد في غزير في 1 شباط 1875 ودعي إسمه خليل، فكان الثالث من عائلة ضمّت ثمانية أولاد. كان همّ والده بطرس الحداد، الخياط وبائع الأقمشة، تأمين معيشة عائلته، وأمّا أمّه شمس، فكانت إمرأة قدّيسة، معروفة بتقواها وحسن تربيتها لأولادها.

 

قرار أبونا يعقوب بدخول الدّير لم يكن سهلاً، كما أنّه لم يكتسب رضى الوالد بطرس منذ البداية، فاعترضه وأعاده مرّات عدّة من دير خشباو الكبوشي المطلّ على المنزل الوالدي، حتّى طالبه الأب أناطول رئيس الدّير في المرة الأخيرة الدّخول إلى الكنيسة والصّلاة لمار أنطونيوس، ولمّا عاد قال للأب الرّئيس: "خذوه! أعطيكم إيّاه!" وهكذا كان فاستبدل إسم خليل بإسم يعقوب جريًا على التقليد الكبوشي، وفي 25 آب 1893 لبس الثوب الرّهباني الكبّوشي و بدأ حياة جديدة، وهبها كلّها لله وحده.

 

رُفع أبونا يعقوب طوباويًا على مذبح الوطن لبنان، بعد أعجوبة شفاء السيّدة ماري قطّان التي ثبتتها المحاكم الكنسيّة، وتمّ التطويب للمرّة الأولى في لبنان خارج حاضرة الفاتيكان.

 

همّه كان دومًا الإنسان أينما كان على أرض الوطن، فهو رسول المهمّش والمعذّب والمختلّ والمريض والمنبوذ، فأراد أن يجمع لنفسه كنوزًا في السّماء لا على الأرض، فاحتضن المئات ولربّما الآلاف من الأكثر حاجة إلى من يحتضنهم ويسمعهم ويقدّم لهم الإسعاف وكم كانت فرحته كبيرة عندما كان يحصل أحدهم على الشّفاء ويعود إلى حياته الطبيعيّة وكم كان يلّفه الحزن الكبير، عندما كان يرى كاهنًا مهمّشًا، معذّبًا ولا من يهتمّ به وكان يقول دومًا: "الكاهن هو سفير الله، هو رسول الله والبشر، الله يرسله إلى البشر ليعلن لهم إرادته".

 

فاهتمّ بالكهنة وفتح أبواب دير سيّدة البحر لكلّ كاهن ليعالَج أو لينهي حياته بالصّلاة والقداسة، وصمّم أن يعامل كلّ كاهن يدخل إلى سيّدة البحر بالمحبّة والحنان. وهكذا كاهن بعد آخر بدأوا يصلون إلى الدير، على إختلاف طوائفهم ومن كافّة الكنائس. وتروي إحدى الرّاهبات: "إنّه بعد مدّة قصيرة من وصول الكاهن الأوّل، نُقل إلى الدّير كاهنٌ تقيٌ، فكان يأتي أبونا يعقوب ويركع أمامه ويطلب بركته كلّما غادر الدّير، وكان يتمّ ذلك بإحترام ممّا دفعنا إلى الإقتداء به".

 

وعن إهتمامه الكبير بالكهنة يُروى: "عَلِمَ مرّةً بوجود كاهن فقدَ رشده، فوضعه أهله في "العصفوريّة"، وكانت الإدارة تُشغّلِهُ بنقل الماء، فقال لمرافقه: "أترى هذا الرّجل بقميص النّوم، إنّه كاهن، لن أتركهُ لهُم". ولم يعرف الرّاحة، إلّا بعد أن استرجعه، وضمّه إلى جمهور كهنته في ديرالصّليب. وقد كان يوصي بناته الرّاهبات دومًا: "إيّاكم رفض كاهن يقرع باب ديرنا، اذا لم تتيسّر له غرفة، أعطينه غرفتي، يا بناتي الكاهن هو المسيح على الأرض، يُلزم إحترامه وتكريمه". وبالفعل فقد ترك يومًا غرفته لكاهن فرنسيسكاني ونام هو في السكرستيا.

 

كان يوصي بهم باستمرار ويقول: "هؤلاء الكهنة أقعدهم العجز عن القيام بخدمته تعالى، لكنّهم لا يزالون، بالرّغم من شيخوختهم، نوّابه على الأرض، فمن يخدمهم يخدم الله، ومن يكرّمهم يكرّمه تعالى".  كما كان أبونا يعقوب، يقيم لهم كلّ سنة في عيد دخول المسيح إلى الهيكل في 2 شباط مأدبة تكريميّة ويشاركهم الطعام ليذّكرهم أنّهم، مثل سمعان الشيخ، أبصروا خلاص الرّبّ، وهم بانتظار عودته بسلام.

 

ويمكننا أن نرى أنّ مشروع أبونا يعقوب للكهنة العُجّز، أثار إهتمام جميع الطوائف من موارنة وسُريان وروم ملكيّين كاثوليك وغيرهم، حتّى أنّه اجتاز حدود وطنه لبنان ليشمل كلّ الكهنة، خدّام المسيح في الشّرق العربي، وكان يصرّح دومًا أنّه لا يُدخِل الطائفيّة في الحسبان: "إنّه كاهن وهذا يكفي".

 

وكان يردّد كثيرًا أمام سامعيه: "الكاهن الذي يكون قد خدم المسيح طوال حياته، لا يجوز أن يُترك ويُهمل في آخرته". ومن أجلهم أيضًا كان دار يسوع الملك على إحدى تلال نهر الكلب، المطلّة على البحر، والمدعوّة "خرائب الملوك" والذي رفع عليها تمثال جبّار ليسوع الملك. وإليه نقل الكهنة العجزة من مستشفى دير الصّليب إلى جوار قلب يسوع وقال: "من أقرب إلى قلب يسوع على الأرض، من الكاهن الذي يلده كلّ يوم. فلا عجب إن جعلنا هذا المزار مأوى للإكليروس دون سواهم، من خوارنة ورهبان وراهبات. الجميع يجدون في هذا المأوى سلوانًا لضعفهم والتسهيلات اللازمة لمرحلة حياتهم الأخيرة. فيقضون أجَلَهم مخدومين بأيدي راهبات الصّليب، عنوان المحبّة والتضحية، وكلّ هذا مجانًا لمجد الملك الأعظم".

 

القدّاس أيضًا كان بالنسبة إلى أبونا يعقوب "شمس العالم، متى طلعت الشّمس خطفت النجوم. أمحوا الشمس ماذا يصير؟. القدّاس ذبيحة جسد ودمّ المسيح يقدّمها يسوع بيد الكاهن لأبيه الأزليّ، تحت شكلّي الخبز والخمر. لا تختلف عن ذبيحة الصّليب إلّا بالنوع، ففي القدّاس، المسيح لا يتألّم ولا يموت حقـًا بل بطريقة سريّة، أي تزول حياته السريّة بزوال أعراض الخبز والخمر".  

 

كان أبونا يعقوب يُظهر وكأنّ الأرض لم يعد لها وجود بمجرّد إرتدائه الثياب الكهنوتيّة استعدادًا لإقامة الذبيحة المقدّسة. عندئذٍ كانت تنعكس في عينيه صورة المذبح بكلِّ ما فيه من قدرة وفداء ومجد.

 

كتبت إحدى معاوناته: "أتى يومًا الى كنيستنا للإحتفال بالقدّاس فأرسلتني الأخت المسؤولة لأستوضحه عن مسألة. وجدته قد انتهى من لبس ثوبه وهو ينتظر دقة السّاعة. إقتربتُ منه وعرضتُ عليه رغبة الأخت، فلم يجب، بل لم يلتفت. كرّرتُ طلبي فبقي جامدًا.

 

أعدتُ الكرّة مرّة ثالثة وظلّ موقفه هو هو، فلم يبقَ لي إلّا الإنسحاب. بعد القدّاس دعاني الأب يعقوب وقال لي بصوت حازم وهادئ: "إعرفي جيّداً يا أختي أنّ الأب يعقوب بعدما يلبس البدلة الكهنوتيّة، لا يعود له وجود، الكاهن وحده يبقى. فلذا لا يجوز أن تأتي لتطلبي منه أي شيء". هو الذي لم يرفض لأحد سماع اعترافه حتى ولو أخّره ذلك عن موعد مهمّ، لم يقبل أبدًا من يطلبه لكرسيّ الإعتراف بعدما يكون لبس البدلة المقدّسة، حتى ولو كان السّائل من أصحاب المقامات العالية". تميّز قدّاسه بالخشوعيّ، مع شيء من البطء. وفي رياضاته يوصي الكهنة بإتقان قدّاسهم ويقول لهم: "ما بالك تُسرِع؟ هل تخاف أن يهبط سقف الكنيسة عليك؟".

 

إهتمّ أبونا يعقوب بالإنسان في كلّ الوطن، سيرًا على الأقدام زار الرَّعايا، واعظًا، متحدّثًا مبشّرًا. نظّمَ المناولات الأولى وأعدّها، وكان ينظّم في هذا الشّأن الإحتفالات الكبرى وكثيرًا ما يردّد "إزرعوا برشانًا تحصدوا قدِّيسين".

 

كما اهتمّ أيضًا بالرَّهبنة الثالثة للعلمانيِّين، فكان مُرشدهم، وهم فرع من رهبنة مار فرنسيس يضمّ رجالاً ونساءً طموحهم حياة الإنجيل والفضائل دون أن يتركوا العالم، وقد تمتّع أبونا يعقوب بنوع من الجاذبية جعله يستقطب النفوس المتعطّشة إلى الكمال، فنظّم أخويّات منتشرة في المدن والجبال، وقد بلغ عدد المنتسبين إليها عشرة آلاف، يزورهم ويشجّعهم فكانوا خميرة مخفيّة في المجتمع لتنفخ فيه روح الإنجيل وكان يقول: "لو سألتم ما أعظم الحركات الدينيّة الموجودة في الكنيسة؟ الجواب واضح: الرهبانيّة الثالثة. ومن هو أعظم الآباء القدِّيسين الذين غرسوا في بستان الكنيسة أكبر أخويّاتها، فأصبحت فرحها وفخرها؟ الجواب: مار فرنسيس". "الثالثيّ هو جندي، سلاحه الصّليب لمحاربة العالم، لا بالهرب إلى الأديرة، بل في الميدان... يمكنني أن أعيش كراهب بدون أن أترك العالم... الثالثيّ في العالم كالنفس في الجسد، ليمنعه من الفساد".

 

لم يبدّل تعيينه مديرًا لمدارس الرّهبنة الكبوشيّة شيئاً، هو الرّسول المتجوّل، فرفعها من15 مدرسة إلى 164 مدرسة ريفيّة تتلمذ فيها قرابة عشرة آلاف ولدًا، محور المدرسة كاهن الرّعيّة يساعده أبونا يعقوب ماليًا، خاصّة بحسنات القدّاسات ويشرف على البرامج والمستوى والإنضباط، محتفظًا لنفسه أحيانًا كثيرة برياضة القربانة الأولى.

 

تكبّد أبونا يعقوب صعوبات عدّة خلال تنقلاته بين المدارس ماشياً في الجبال والوديان، في البرد وتحت الثلوج قاطعًا المسالك الوعرة، معرّضًا لقطّاع الطرق وللتعدّيات ومحاولات الإغتيال، لكنّه كان يضع دائمًا ثقته بربّه ويتابع بثبات وعناد. وكان أسلوبه التربويّ ينحصر بنقاط ثلاث: يلزمنا ثلاث طاولات: طاولة عليها الخبز ويعدّه الوالد وأخرى عليها الكتاب ويعدّه المعلم وثالثة عليها القربان ويعدّه الكاهن، أي أنّ التربية المتكاملة تقوم على مشاركة العائلة والمدرسة والكنيسة.

 

كان أبونا يعقوب الواعظ المتجوّل الذي ما إن تسلّم من رهبنته شهادة "واعظ رسوليّ" حتّى راح ينشر كلمة الله غارفـًا كنوزها من الكتاب المقدّس، ويتأمّل بها قبل إلقائها. فكان يلبّي بفرح وسرعة نداءات كهنة الرعايا الذين يستقدموه لإلقاء مواعظ الريّاضات متّكلين خاصّة على ما يحيطه من قداسة ليجدّدوا روح الدين بين أبنائهم. أسلوبه بسيط، كثيرًا ما يتكلّم بالعاميّة، مستعملاً الحكم والأمثلة الشعبيّة وخلاصة خبرته الشخصيّة. وصل صيته إلى خارج لبنان، فطلبته الكنائس لإلقاء المواعظ في فلسطين وشرق الأردن وسوريا والعراق وصولاً إلى مرسين في تركيا.

 

وتشجيعاً له قدّم له الرؤساء فرصة العمر لزيارة فرنسا ومرسيليا، لورد ليون وغيرها، إيطاليا: أسيزي وجبل ألفرنا حيث طُبعت جراحات المسيح في جسم فرنسيس، وانتهت جولته بركعة أمام البابا القدِّيس بيوس العاشر الذي زوّده بركة خاصّة.

 

منّ الله على أبونا يعقوب بصحّة جيّدة صلبة، ما عدا ألم في معدته إعتراه منذ صباه ولازمه بقيّة العمر. ولم تُطلّ عوارض المرض إلّا مع بداية عامه السّبعين. وفي إحدى الرّسائل يقول: "لا يزال رأسي سليماً لكنّني مملوء بالعاهات: قلّة النّوم والماء الأزرق في عينيّ والبروستات والأكزيما... كلّ هذه البلايا جعلت مني مستشفىً متجولاً. أقول متجوّلاً لأنّي لا أزال أسير على رجليّ وأتمِّم عملي على أحسن وجه ممكن".

 

أحبّ أبونا يعقوب الصّليب وأراد أن يرفعه على كافّة التلال في لبنان لكنّ حبّه أيضًا كان لأمّه مريم العذراء التي بفضلها نجا من كثيرٍ من محاولات الإغتيال ومن حوادث الموت. ويروي أنّه بعد رسامته الكهنوتية، في 1 تشرين 1901، اتّجه نحو بلدته غزيرلإقامة قدّاسه الأوّل. وصل ليلاً إلى المعاملتين واستأجر عربة خيل تنقل الرّكاب إلى غزير. وإذا بالعربة تنقلب عند أحد المنعطفات نحو محفار الرمل. فقتل العربجي والرّكاب ونفقت الأحصنة وبقي الكاهن المسكين عالقاً بين الدواليب يستغيث: "يا مريم! يا مريم!". ظنّه المسعفون مدنيًا ينادي امرأته فأسكتوه: ماذا تفيدك امرأتك في مثل هذه السّاعة! أُنقذ ووعد أن يُكرس للرّبّ كلّ دقيقة باقية من حياته. كما اكتسب من أُمّه شمس حبَّ صلاة المسبحة الورديّة. فالمسبحة رافقته في كلّ أسفاره وكانت أمّه تقول له: "عندما تشتدّ عليك الصِّعاب صلّي المسبحة".

 

وبعد وفاتها تركت له مسبحتها، فكان يصلّي بها حين الصعوبات والشّدائد. رجل الصّلاة أبونا يعقوب كان أيضًا رجل القربان بامتياز، فكان يغتنم فرصة عيد القربان لإقامة التطوافات والزيّاحات، كما كان يشدّد على زيارة المسيح في القربان، ويتأسّف ويتحسّر على فتور الناس تجاه القربان: "أكبر جرم عصرنا، الإبتعاد عن القربان... بدون القربان كنيستنا فارغة، باردة، حزينة، من أحبّ الآخر، مكث معه. من أحبّ الآخر غذّاه. من أحبّ الآخر مات لأجله. هل نحبّ نحن؟".

 

أبونا يعقوب رسول الصّليب أنهى حياته بين بناته الرّاهبات اللواتي أولاهنّ كلّ إهتمامه منذ تأسيسهنّ. ومع نظره الشّحيح وصحتّه التي بدأت تتراجع وهو شيخ هرم إبن ثمانين سنة كان يحاول دومًا أن يبقى رسولاً قدِّيسًا.

 

 

موقع أبونا يعقوب