أضواء على روحانية القديس شربل

 

 

 

أضواء على روحانية القديس شربل

 

 

 

 

 

أضواء على روحانيّة القدّيس شربل

 

من الصور التي يركّز القدّيس شربل تفكيره عليها، صورة للسيّد المسيح، وردت مرارًا وتكرارًا في أسفار العهد الجديد، هي صورة النّور الذي ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالم. أحبّ أن يسير حياته كلّها، في ضوء هذا النّور الصّافي ويمتلىء منه، وينقّي أفكاره وعواطفه وأعماله. وما برح يسمع في أعماق ضميره صدى صوت المعلّم يقول: "أنا نور العالم...أنا النّور الحقيقيّ الذي يضيء في الظلام".

 

عرف بالاختبار الشَّخصيّ أن يسوع هو نور بمعنى أسمى وأعمق من الشَّبه القائم بين النّور الذي يبهر الأنظار وذاك الذي تستنير به النفوس، فاسترعت انتباهه، لدى تبحّره في نصوص العهد الجديد والليتورجيّا المارونيّة، تلك الصلة المتينة بين يسوع  نور العالم، والإنسان الذي يدعوه الكتاب المقدّس ليسير في ضوئه وينعم بدفئه ويهتدي بهديه.

 

إنّها الصّورة المفضلة لدى المخلّص والمحبَّبة إلى قلبه، تناولتها طقوس الكنيسة وأدخلتها في صلواتها وتوقف عندها آباء الكنيسة يستفسرون مدلولاتها ومعانيها، فرأى فيها علماء اللاهوت "وظيفة" من وظائف الفداء. وأدرك القدّيس شربل أنّ من اتّصل بهذا النّور وتمرّس به، أصبح إبنًا للنّور، بل نورًا في ذاته: "أنتم أبناء النّور... أنتم نور العالم". ولشدّة  توقه إلى هذا النّور السّماوي، إنهمرت عليه بغزارة أشعته الباهرة، فغدا بدوره منارة هدى وإشعاع نور.

وكما بهر تجلّي المعلّم الإلهيّ، على الجبل، بعض رسله، فأشعّ وجهه كالشّمس وتلألأت ثيابه كالنور، هكذا كانت حياة شربل، على جبل عنايا، انبهارًا مستمرًا بالأنوار المنهمرة عليه من شخص يسوع المسيح فآثر الصّمت على الكلام والتأمّل على الإفصاح عمّا يشعر به ويعتمل فيه.

ما كان هذا التجلي في حياته، عملاً خارقـًا وحسب، بل دعوة له ولكلّ إنسان إلى ولوج النور، كما كان حافزًا للرّسل إلى فهم شخصيّة السيّد المسيح وإدراك معنى مصير الإنسان على وجه الدنيا. فالإنسان، مدعو لأنّ يسير على دروب النّور حتّى يبلغ الصباح الأبديّ الذي لا يغزو أنواره أفول.

 

في ضوء يسوع، يكتسب كلّ ما فينا وحولنا معناه الأصيل ووجهته الحقيقية، عندما أظهر يسوع لنا من هو بالنسبة إلينا، عرفنا في الوقت عينه، من نحن بالنسبة إليه. حيث يشعّ  نور المسيح يزول كلّ غموض ويتبدّد كلّ التباس. عرف القدّيس شربل أن الاختبار الإنسانيّ للنّور يأخذ هنا أهميّته. فكّر بمرارة المحرومين رؤية جمال الشمس وبشقاء المكفوفين، كما فكّر بالفرح البريء الذي يلتمع في نظر الطفل المندهش بأنوار الصباح. وما غاب عن باله النقيض البغيض الآتي من الظلمة. فالظلمة تمالئ الشرّ،  كما علّم بولس الرّسول، لأنّها المكان المفضّل لكلّ ما لا يجرؤ على الظهور. إنّها مكمن الخطر علينا وعلى مساعينا لأنّ "من يسير في الظلام يتعثر".

 

إنطلاقـًا من هذه الاعتبارات واستنادًا إلى تلميحات أخرى وردت على لسان الـرّبّ ورسله القدّيسين، تأمّل شربل ملّيًا بصفاء المسيح ونقائه وشفافيّة شخصيّته، إنّه "النّور الحقيقي" الذي يلتقي فيه ويندمج به  الحقّ والخير والجمال.

 

كلّما دنونا من يسوع، ازداد النور على دروبنا يشعّ منه علينا ومنّا على سائر الاشياء والمخلوقات . وكلّما تمرّسنا به غدونا نورًا بدورنا وبات لزامًا علينا أن ينتشر هذا النور على الآخرين: "لا يوقد سراج ويوضع تحت إناء بل على منارة". هكذا نصبح شهودًا للنور، أي الحقيقة، وأعداء للظلمة أي لكلّ ما يرتدي رمزها من كذب وغشّ وضلال.

وينكشف نور المسيح في النهاية على أنّه المحبّة الأخوية الكاملة التي لا حدّ لها ولا حاجز يقف بوجهها:"من أحبّ أخاه فهو ثابت في النور ولا عثار فيه. أمّا من أبغض أخاه، فهو في الظلمة يسلك ولا يدري أين يتجه، لأن الظلمة قد أعمت عينيه".

 

فالدرس العميق الذي أعطاه القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى هو الشرح الأوفى لحقيقة المسيح-النور الذي كان من مواضيع تأملات البار شربل دون أي ادعاء علمي  دون أن يفقد قبسًا من جمالاته.

 

عرف بالاختبار الشخصي أن هذا النور السماوي هو الوسيلة الأجدى التي شاء بها ربّنا أن يطلعنا على مضامين سرّه العجيب وأدق مقتضياته الخلاصيّة وأسمى مواعيد دعوتنا الإلهيّة  .

 

ولفرط ما  تكدّس من هذا النور السماوي في حياته، انفجرت أشعّته  الباهرة فوق ضريحه، بعد وفاته، وغمرت بوهجها وصفائها دير عنايا، فأصبح منارة هدى كلّ ساعٍ إلى الله ولكلّ تائق إلى السير على دروب النور .

 

                                                                                 المطران جورج أبي صابر