أضواء على روحانية القدّيسة رفقا

أضواء على روحانية القدّيسة رفقا

 

أضواء على روحانيّة القدّيسة رفقا

1 ـ طفولة رفقا

وُلدت بطرسيّة في 29 حزيران سنة 1832 في حملايا، في عيد القدِّيسين بطرس وبولس؛ وفي سنتها السّابعة، فقدت أمّها رفقا. وعن فترة الطفولة هذه، تقول رفقا لرئيستها الأمّ أورسلا ضومط باقتضاب كلّي: "إنّ اسمي العالميّ بطرسيّة من قرية حملايا التابعة لبكفيا. وقد ماتت والدتي وأنا بعمر سبع سنين" (شبلي ، ص 11). فلا وثائق لدينا ثابتة سوى ما كتبه الخوري منصورعوّاد، سنة 1952، في كتابه القـيّم "بركة عن قبر القدِّيس شربل". وربما  كان من باب التصوّر والافتراض.

 

ولكنّنا جميعًا نعرف حرص أمّهاتنا وآبائنا الشّديد على تربية أولادهم التربية المسيحيَّة الصَّالحة، في جوّ البيت وصلاة العائلة مجتمعة كلّ مساء أمام صورة العائلة المقدّسة، وفي جوّ الرعيّة مجتمعة للقدّاس كلّ أحد وعيد وفي مناسبات خاصَّة حول المذبح المقدّس.

يقول الخوري منصور واصفـًا هذا الجوّ الخاص للصَّلاة:

"ما بلغت بطرسيّة السنة الثالثة من عمرها حتى ابتدأت والدتها تعلّمها أن ترسم إشارة الصَّليب على وجهها وتلقـِّـنها ـ ببالٍ طويل وبعاطفة حنان والديّ وبتقوى راسخة، الصَّلاة الرَّبيَّة والسَّلام الملائكيّ، وتعوّدها الرُّكوع أمام صورة العذراء لتصلّي معها؛ وكانت هي تركع أيضًا أمام العذراء عندما تنتهي من شغلها البيتيّ مساءً، فكانت، بذلك، أفضل قدوة لطفلتها كوالدة ومربيّة ومعلّمة.

لمّا بلغت بطرسيّة السّابعة من عمرها، كانت قد حفظت غيبًا قانون الإيمان وأفعال الفضائل الإلهيّة ووصايا  الله العشر ووصايا الكنيسة، فكانت الأفعال التقويّة أوّل ما تمرّنت عليه ذاكرتها.

ونهار الأحد والعيد، كانت والدتها تصطحبها معها إلى الكنيسة، وتجثو أمام القربان الأقدس أثناء القدّاس كأنّها تمثال من رخام، فتجثو بطرسيّة بقرب أمّها. وعندما تقرع الوالدة صدرها بشدّة، كانت تقتدي الطفلة بها قارعة صدرها في بادئ الأمر بيديها الإثنتين، ثمّ ـ فيما بعد ـ تعوّدت أن تقرع صدرها بمجمّع كفّ يدها اليمين فقط" (عوّاد، ص 493 ـ 494).

 

هذه هي الفكرة الأولى لقد تعلّمت رفقا من والديها في حملايا ومنذ أوّل طفولتها، روح الصّلاة وعبادة الله.

 

 

الخوري يوسف الجميّل

محطّة ثانية في حياة بطرسيّة تتمثّل بفقدانها لأمّها وباسترشادها الروحيّ على يد الخوري يوسف الجميّل، مؤسّس جمعيّة المريمات بالتعاون مع الآباء اليسوعيِّين.

قال الخوري منصور عوّاد: "أمَّا بطرسيَّة، فما كانت ميّالة إلى العالم، وكانت تذهب أكثر الآحاد والأعياد إلى كنيسة سيِّدة النجاة في بكفيا، وتعترف عند مرشدها، رجل الله المرحوم الخوري يوسف الجميّل، وتسمع عدّة قداديس وتتناول القربان المقدّس.

وكانت تفتح قلبها لمرشدها، وتطلعه على عواطفها وأميالها، وتسأله أن يرشدها إلى ما فيه خلاص نفسها وضمان مستقبلها الرُّوحيّ، مصرِّحة له أنّها يتيمة، محرومة من حنان والدتها  ومن نصائحها. فكان الخوري الصَّالح يغذّي نفسها  بإرشاداته الرُّوحيَّة ونصائحه التقوّية، ويهيّئها لقبول الدّعوة الإلهيَّة، مؤكّدًا لها أنّ سيِّدة النجاة هي التي تُنجّيها من شرور الحياة، وهي أمّها الحقيقـيّة...

فكانت بطرسيّة تعود من القدّاس إلى بيت أبيها، ممتلئة من الأمل، تفكّر دائمًا في الله وفي مريم العذراء" (عوّاد، ص  499 ـ 500).

قال الخوري منصور عوّاد كلامًا رائعًا عن الخوري يوسف الجميّل يحسن بنا أن نذكره هنا لنعيَ أهميّة الاسترشاد أو التتلمذ الرُّوحيّ في حياة بطرسيّة، وهي لم تزل بَعْدُ في العالم:

"كان الخوري يوسف الجميّل مزدانًا بمواهب الرُّوح القدس، لِما كان عليه من فضائل طبيعية وكهنوتيّة سامية راسخة، ومن تجرّد تامّ عن حُطام الدنيا، ومن محبّة الله وغيرة على خلاص النفوس.

فرأى في بطرسيّة نفسًا مختارة بطهارتها الملائكيّة وبإيمانها الحيّ، ورجائها الوطيد، وبمحبّتها لله، وبتعبّدها للعذراء المجيدة وبانقيادها التّام للإرشاد الروحيّ، بنقاوة ضميرها.

وكان شديد الإعجاب بنفور بطرسيّة من العالم، وبميلها إلى الحياة الرُّوحيّة، وقد اتّخذ من كلّ ذلك أدلّة على أنّ الله يدعوها إلى الحياة الرُّهبانيّة، حياة التضحية والفضيلة، وخاصّة حياة الطهارة. فكان يسمّيها "زنبقة حملايا" (عوّاد، ص 502).

 

وهذه هي الفكرة الثانية لقد تتلمذت رفقا على يد مرشدها الخوري الفاضل يوسف الجميّل، فنشأت وترسّخت في حياتها الروحيّة على روح الصّلاة.

 

 

3 ـ المحنة والصّلاة

نستمع الآن إلى ما تقوله بطرسيّة عن خلاف عائليّ حصل بسببها ـ وكان عمرها أربع عشرة سنة ـ وعن التجائها إلى حماية سيّدة النجاة:

"في ذات يوم، لمّا كنتُ مالئة الجرّة من العين وعائدة إلى البيت، سمعتُ امرأة والدي وخالتي تتشاجران وتتبادلان الكلام الجارح بسببي، وكلّ منهما تريد أن تزوّجني على هواها، فتأثّرتُ وحزنتُ لهذا الخصام الحاصل لأجلي؛ فجلستُ ناحية وأنا حزينة وكئيبة، وطلبتُ من الله أن يخلّصني من هذا المأزق. فخطر للحال ببالي الانضمام إلى سلك الرُّهبانيَّة...

ولمّا دخلتُ الكنيسة، شعرتُ بفرح وسرور باطنيّ. ولمّا التفتُّ إلى صورة السيّدة، سمعتُ صوتًا صادرًا منها يدوي في ضميري قائلًا: "إنّك تترهّبين"! أمّا أنا، فقد تعجّبتُ من استجابة الرَّئيسة لطلبي بدون أن تسألني شيئًا؛ ونسبتُ ذلك إلى صورة سيّدة النجاة التي رأيتها في الكنيسة" (شبلي، ص 12 ـ 13؛ عوّاد، ص 505 ـ 506).

 

وهذه هي الفكرة الثالثة لقد اختبرت رفقا في ظرف دقيق وصعب من حياتها، في شبابها، قوّة الصّلاة إلى العذارء، أمام صورة سيّدة النجاة.

 

 

4 ـ شهادة نسرين أرملة فارس عقل

قضت بطرسيّة ـ الأخت أغاثا إبنة نصر الزّغبي ـ سبع سنوات في بلدة معاد، عند أنطون عيسى، تعلّم الفتيات القراءة والكتابة والحساب والتّعليم المسيحيّ. ومن معاد بالذات، نسمع إحدى تلميذاتها نسرين عقل تُدلي بشهادتها عن روحانيّة بطرسيّة واهتمامها بالليتورجيّا:

"كانت تعلّمنا في معاد، وكانت تقيّة فاضلة تُعطي المَثَل الصَّالح للجميع. وبقيتُ تلميذة ً لها مدّة سبع سنين. وتُعلِّمُنا التعليم المسيحيّ، وتُحضِّرنا لكلّ الصَّلوات والرّتب والزّياحات الكنائسيّة. تركع نَصْب أمامنا بصورة دائمة، وتحثُنا كثيرًا أن نكون محتشمين في الكنيسة... وكانت دائمًا تقول لنا: إفهموا جيّدًا أنّ المسيح ينزل على المذبح لمّا يقول الكاهن كلام التقديس. فعندئذٍ، إحنوا رؤوسكم وتأمّلوا في الإله المحجوب تحت ظواهر الخبز والخمر؛ وتحرّضنا على الاعتراف والمناولة، وتمرنّنا على الاستعداد اللّائق لمناولة القربان بحرارة... كانت تعلِّمنا بمثلها الملائكيّ أكثر ممّا تُعلِّمنا بكلامها...

لمّا خرجتْ من معاد لكي تدخل في الرَّهبنة البلديّة، بكى الجميع وتأثّروا لفراقها، وخسروا بذهابها خسارة كبيرة" (عوّاد، ص 518 ـ 519).

 

وهذه هي الفكرة الرابعة لقد أحسنت رفقا، بدورها، تربية تلميذاتها على ممارسة الصّلاة الدائمة، وعلى الاستعداد اللّائق للاحتفال بالقدّاس، وتناول القربان الأقدس بحرارة.

 

 

5 ـ المحنة والرؤيا والصّلاة

... وعندما تنامت أخبار الأزمة التي عصفت بالمريمات إلى بطرسيّة، وهي بعد في معاد، دخل القلق إلى قلبها. وفي حديثها إلى رئيستها الأمّ أورسلا، تقول حرفيـًّا:

"لمّا عرفتُ بعودة بعض الرّاهبات إلى العالم، حُرْتُ في أمري، واستولتْ عليّ الهواجس والبلابل، فولجتُ كنيسة مار جرجس في معاد، وبدأت أصلّي باكية، متنهّدة، طالبة من الله أن يهديَني طريقـًا أمينًا.

 ومن فرط ما بكيتُ سطا عليَّ النعاس، فأسندتُ رأسي بيدي، وغَفيتُ. وبينما أنا في هذا الاستغراق، شعرتُ بيدٍ غير منظورة تَمَسُّني في كتفي، وسمعتُ صوتًا غير معروف مّصْدَرُه يقول لي: "بتترهَّبي"! فانتبهتُ عندئذٍ، وتطلعّتُ في الكنيسة وحولَها في الخارج، فلم أنظر أحدًا..." (شبلي ص 14 ؛ عوّاد ، ص  521 ـ 522).

"وفي مساء اليوم الذي حَدَّثتُه (أنطون عيسى) فيه بهذا الحديث، رأيتُ في الحلم ثلاثة رجال: الأوّل راهب ذو لحية بيضاء، وبيده عكّاز؛ والثاني: لابس لباس الجنود؛ والثالث شيخ مسنّ. فتقدّم إليّ الرَّاهب ولكزني بعُكّازه قائلًا لي: "ترهبّي برهبنة البلديّة". ومشى بضع خطوات، وعاد فلكزني بعكّازه مرّة ثانية، وقال: "ترهّبي برهبنة البلديّة". فاستفقتُ عندئذٍ من النوم وأنا مبتهجة مسرورة... فقال لي (أنطون عيسى) إنّ الرَّاهب هو مار أنطونيوس قزحيا ؛ والجنديّ هو مار جرجس المشيّدة على اسمه كنيسة معاد... ولمّا دخلتّ الدير (مار سمعان ـ أيطو)، ووقعتْ عيناي على صورة القدّيس سمعان، عرفتُه أنّه هو ذلك الشيخ المُسِنُّ الذي ظهر لي في الحلم (شبلي ، ص 15 ـ 16 ؛ عوّاد ، ص 522 ـ 526).

 

وهذه هي الفكرة الخامسة  لقد اختبرتْ رفقا في ظرف أدقّ وأصعب من الأوّل في حياتها، وفي عمق تكريسها الرّهبانيّ، أنّ للصلاة فاعليّة كبرى في الحصول على الجواب الواضح من الله والحلّ الصّحيح في كلّ مشكلة مهما كَبُرَتْ!

 

 

6 ـ طلب الألم

قرّرتْ بطرسيّة الدّخول إلى دير الرَّاهبات المتوحّدات في الرُّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، ولبست ثوب الابتداء في 12 تموز سنة 1871 في دير مار سمعان القرن ـ أيطو، ونذرت فيه النذور الرُّهبانيّة في 25 آب سنة 1872، واتّخذت إسم أمّها رفقا اسمًا لها.

أمّا حكايتها مع الألم ـ وإن ذكر البعض بأنّ جذورها تمتدّ إلى ما بين 1876 و 1878 ـ فهي بدأت "رسميًّا، إن صحّ التّعبير، يوم أحد الورديّة الكبير في الأوّل من شهر تشرين الأوّل سنة 1885، وقد ذكرت رفقا ذلك في كلامها إلى رئيستها الأمّ أورسلا ضومط. ومن المفيد التذكير بأنّ الإطار العامّ لهذا الطلب كانت الصّلاة في كنيسة مار سمعان يوم أحد الورديَّة.

قالت رفقا: "في أحد الأيّام، أحبّتْ راهبات مار سمعان أن يتنزّهن في جوار الدير، وكان يوم أحد الورديّة. فأمّا أنا، فلم أذهب معهنّ. وقبل أن يذهبن، تقدّمت إليّ كلّ راهبة وقالت لي: صلّي لأجلي، يا أختي. هذه تطلب سبعة أبيات، وهذه خمسة، إلخ... فدخلتُ الكنيسة، وبدأتُ الصَّلاة. فرأيتُ نفسي أنّ صحّتي جيّدة، وأنّي ما مرضتُ في حياتي كلّها. طلبتُ من ربّي قائلة: يا ربّي! لماذا أنتَ متباعد عنّي ومُتَخَلٍّ عنّي لا تفتقدني بمرض؟ ألعلّك ناسيني؟ وعند الرّقاد، شعرتُ بوجع مؤلم للغاية في رأسي، وكان الألم يمتدّ فوق عيني إلى أن انتهيتُ إلى هذه الحال كما ترينني: عمياء وكسيحة. وبما أنّي أنا التي طلبتُ المرض لنفسي بإرادتي وحرّيتي، فلا يحقّ لي أن أتشكّى أو أتذمّر" (شبلي، ص 16؛ عوّاد، ص 542 ـ 543).

 

وهذه هي الفكرة السادسة لقد عاشت رفقا روح الصلاة بأمانة تامة، إلى حدّ أنّها راحت تصلّي وتشكو من بعد يفصلها عن ربّها، فما عادت ترضى أن تبقى في صحّة جيّدة وهي ترى ربّها مصلوبًا معذّبًا! فصلّتْ وطلبتِ المشاركة في آلامه، فاستجابها!

 

 

7 ـ شهادة الأخت مريم من مراح الزيّات الصّلاة أساس الألم.

وردت هذه الشّهادة في الجلسة السّابعة، 4 آب ، سنة 1926:

"رأينا أنّها كانت تفضّل الله على كلّ شيء. ولأجله كانت تحتمل أوجاعها، وقد صرفتُ معها في هذا الدير (مار يوسف) نحوًا من خمس عشرة سنة، فما شعرتُ أنّ قلبَها تعلّق يومًا بأحد إلّا بالله. فيسوع ومريم ومار يوسف كانوا موضوع حبّها  حتّى لفظت روحَها ذاكرة هذه الأسماء؛ ولو لم تكن متعلّقة بالله وحده، لما كانت احتملت كلّ هذه الآلام وفي كلّ هذه المدّة بهذا الصبر الذي لم يُعرف له مثيل. وفي آلامها، كانت تردّد اسم الله واسم المصلوب (عوّاد ،ص 581).

 

وهذه هي الفكرة السّابعة بمقدار ما صلَّت رفقا وتعلّقت بربّها، بمقدار ذلك استطاعت أن تعبر تلك الجلجلة الرَّهيبة التي أذوت جمالها، وذهبت بشبابها، وحوّلتها إلى "شبه إنسانة" لا صورة لها ولا بهاء، على مثال معلّمها الفادي الإلهيّ.

 

 

8 ـ من أقوال رفقا وصلواتها

ـ بعد مجيئها إلى الكنيسة صباح عيد القربان الأقدس، بطريقة عجيبة: "أرجوكِ يا أمّي، أن تتركيني في الكنيسة أصلّي، لأنّني لا أقدر على المجيء إليها في كلّ حين، ولا تُرسلي مَن يأخذني إلّا بطلب منّي، إذا شئت" (شبلي، ص 23).

ـ "فلتكن مشيئتك كما في السّماء، كذلك على الأرض".

ـ "أشكر الله. مع آلام المسيح".

ـ "مع جرح كتفك، يا يسوع".

ـ "لستُ خائفة من الموت، بل إنّي منتظرته من زمان. الله يُحبّبني بالموت".

ـ (في نزاعها الأخير) ماذا تطلبين؟ "أن يُقرأ لي في كتاب "أمجاد مريم" وكتاب "الاستعداد للموت"".

ـ (شهادة رئيستها الأمّ أورسلا ضوط):

"طلبتْ أن نتلو لها، بصوت عالٍ، طلبة مار يوسف البتول وثلث مسبحة الورديّة.

ولمّا بزغ الفجر (الأخير في حياتها)، طلبتْ أن تتناول القربان المقدّس، قائلة:

"دعوني آخذ زوّادتي معي".

ـ ولمّا بدأت بالنزاع، أخذت تقول:

"يا يسوع ومريم ومار يوسف، إنّي أهبكم قلبي ونفسي: تسلّموا روحي".

 

وهذه هي الفكرة الثامنة الصّلاة الدائمة هي "كاللازمة" في حياة رفقا، تُتوّجها بتناولها القربان الأقدس بتواتر، وبالشّوق الدّأئم روحيًا إليه بالتناول الروحيّ على مدى ساعات النهار.

 

 

9 ـ انخطاف رفقا

بالرّغم من آلامها المبرّحة، عاشت القدّيسة رفقا اختبارًا سماويًا مميّزًا، هو ـ بالحقيقة ـ استباق لذلك المجد الأبديّ الذي كانت مُعدَّة لأن تنعم به يومًا. ولقد ورد ذلك حين سألتها رئيستها يومًا أين كنتِ في هذه الغيبة؟

فأجابت: "كنتُ برفقة أناس، فوصلنا إلى دار وسيعة جميلة، مزدانة بالزهور، يلمع في سقفها نور كنتُ أراه من حين إلى حين. وفي هذه الدار، أحواض ماء بديعة الصّنع، والنّاس يزدحمون في الدّخول إليها؛ وكنتُ أنا مِن جملة الدّاخلين إلى هذه الدار؛ ويا ليتكِ تدركين ما كان سروري وابتهاجي بتلك المشاهد الغريبة.

لا أستطيع أن أصف لكِ ما رأيتُ، ولا أن أعبّر عن اللّذة التي شعرتُ بها بتلك المشاهد، ويلذني التفكير فيها دائمًا. فما لي إلّا ما قاله القدّيس بولس الرّسول. رأيتُ ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر" (شبلي، ص 24 ـ 25).

 

وهذه هي الفكرة التاسعة لقد اختبرتْ رفقا في صلاتها، لا تخطّي آلامها المريرة فحسب، بل الفرح والسّعادة والغبطة مع الله، في رؤيا سعيدة، أشبه بالسَّماء، وفي رُفقة  أناس كثيرين من المخلَّصين. فهذا الانخطاف هو تدرّج تصاعديّ وخلاصة حياة عاشتها رفقا، فأوصلتها إلى هذه الرُّؤيا  السّماويّة الخلّابة على خطى النسّاك الكبار والمتصوّفين...

 

 

10 ـ صلاة رفقا الطقسيّة

قال شبلي: "كانت الأخت رفقا تحضر الصّلوات القانونيّة العموميّة كلّها، وتشارك الرَّاهبات في تلاوتها على الخورس، لأنّها كانت تعرفها غيبًا، لا بل تسبقهنّ جميعًا إلى الكنيسة، وتقضي فيها السّاعات الطويلة بعد خروجهنّ، متامّلة، مصلّية. وظلّت مثابرة على هذه الخطّة إلى أن أصيبت بالكسح فوق العمى. وكان إيمانها بالله شديدًا، ورجاؤها به وطيدًا، وحبّها له عظيمًا، تصلّي صلواتها بحرارة وعبادة وخشوع، وتتناول القربان الأقدس كلّ يوم، وتتلو عن ظهر قلبها الصّلوات التي اعتادت أن تتلوها في الكتب الروحيّة قبل أن تفقد بصرها. وبالنتيجة، كانت مصلّية، متأمّلة دائمًا.

 

وبما أنّها حافظة عن ظهر قلبها صلوات الفرض اليوميّ السّريانيّ في الشحيم، كانت تدرِّسُها للرّاهبات الحديثات والمبتدئات، وهي لا تملّ ولا تضجر من تعليمهنّ. وكانت عالمة ببعض أخبار الكتاب المقدّس، فتحدّثهنّ بها وتقصّ على مسامعهنّ سِيَر القدّيسين، وأقوال السيّد المسيح في الإنجيل، ولا تخاطبهنّ إلّا بما هو روحيّ بحت. وكانت ماهرة في معرفة الحياة الرُّوحيّة. وإذا درتْ أنّ راهبة حزينة أو ضَجِرة، أسرعت إلى تسليتها وتعزيتها بكلامها الرُّوحيّ العذب" (شبلي ص 32 ، 33).

 

وهذه هي الفكرة العاشرة إنّ الصّلوات الخورسيّة التقليديّة السّريانيّة المارونيّة ـ وقد تُرجم بعضها في التجديد الليتورجيّ الذي قمنا به في معهد الليتورجيا ومعهد العلوم الموسيقيّة في جامعة الروح القدس ـ هي أغلى وأغنى تراث روحيّ حفظه لنا الآباء القدّيسون، وهي تبقى مدرسة صلاة وقداسة حقيقيّة لنا كما كانت لرفقا، ولكلّ جماعة رهبانيّة مارونيّة، بل لكلّ شعبنا المارونيّ، على مدى الأجيال.

 

11ـ شهادة بعض الرّاهبات في رفقا

 

ـ الأخت هيلانة صفير الجبيليّة من راهبات القلبين الأقدسين:

"إنّ الأخت رفقا كانت ميّالة، من طبعها، إلى الخلوة. تحبُّ الاعتزال عن الناس. وهذه الرّغبة حملتها على الانضمام إلى الرّاهبات المُحصّنات" (شبلي، ص 36).

ـ الأخت حنّة علوان من أيطو:

"كانت الأخت رفقا تصوم شهر أيّار كلّه، ويومًا أو يومين من كلّ أسبوع إكرامًا لسيّدتنا مريم العذارء" (شبلي ، ص 36).

ـ الأخت لوكندة الجعيتاني الأهدنيّة:

"قبل أن أُصيبتْ بالعمى، كانت تصلّي مع الرّاهبات الصّلوات القانونيّة على الخورس في مواقيتها. ولم تزل محفوظة إلى الآن في دير القرن عكّازتها التي كانت تستند إليها في القراءة بحسب العادة، وتُعرف باسمها: "عكازة الأخت رفقا" (شبلي ص 36).

ـ الأخت عبدة الأحد سعادة الشبطينيّة:

إنّ الأخت رفقا كانت تصوم كلّ سبوت السنة إلى الظهر على سبيل العبادة لمريم العذراء. وفوق الواجبات المفروضة من القانون الرّهبانيّ، كانت تصلّي كلّ يوم مسبحة الورديّة بصوت عالٍ في الكنيسة مع إحدى الرّاهبات، وذلك من عيد الميلاد إلى دخول المسيح إلى الهيكل، إكرامًا لتقدمة العذراء ابنها لله في الهيكل...

كانت متعبّدة، بنوع خاص، للقدّيس يوسف البتول، تُصلّي له كلّ يوم، وتضاعف صلواتها وعبادتها يوم الأربعاء من كلّ أسبوع، وتصوم فيه إلى الظهر عندما تقدر على الصّوم" (شبلي، ص 37).

ـ الأمّ يوسفية من راهبات القلبين الأقدسين:

"كانت ... شغوفة أشدّ الشغف بالقربان الأقدس، تتناوله ثلاث مرّات في الأسبوع، وكانت تودّ أن تقتبله يوميًّا إذا سُمِحَ لها؛ وتقوم معظم النهار جاثية في الكنيسة، مصلّية، متأمّلة، وكانت رقيقة الأخلاق والطبع، محبوبة من جميع الرّاهبات" (شبلي ، ص 35).

 

 

وهذه هي الفكرة الحادية عشرة و الأخيرة هذه الشّهادات كلّها تركّز وتُجمع على روح الصّلاة الدّائمة في حياة القدّيسة رفقا، وعلى حبّها الشّديد والفريد للقربان الأقدس.

 

 

الخلاصة

هذه اللّوحة عن الصّلاة في حياة القدّيسة رفقا هي جزء من كلّ وبداية الطريق الموصل إلى القداسة. لقد حاولنا إعطاء القارئ والسّامع صورة عن هذا البعد الأساسيّ في روحانيّة رفقا. ففي كلّ مراحل حياتها، وبشهادة أخواتها وتلميذاتها، حياة صلاة دائمة وعيش مع الربّ دونما انقطاع.

جسّدت رفقا المثال الأعلى للحياة الرُّهبانيّة المعبَّر عنها بهذه العبارة الإنجيليّة: "صلّوا ولا تملّوا". فهي لم تملّ الصّلاة، ولم تتوقـّـف عنها. بالعكس، شكلّت هذه الأخيرة المرجعيّة لها وقت الصّعاب وأمام القرارات المصيريّة، كما رافقتها في محطّات آلامها المبرّحة التي لا تُطاق ولا يتصوّرها عقل بشريّ.

 

 

الصّلاة أنسنتْ رفقا وقدّستها، كما أنسنها الألم وقدّسها.

 

الصّلاة عَبَرَتْ برفقا ـ وهي بَعْدُ في هذه الفانية ـ إلى العالم الآخر، من خلال ذلك الانخطاف العجيب الذي حدّثت رئيستها الأمّ أورسلا عنه.

 

الصّلاة المتعدّدة الوجوه والألوان، الشَّخصيّة منها والليتورجيّة، القربانيّة والمريميّة والمتعلّقة بمار يوسف، كما التأملّ والخلوة، جعلت من رفقا نموذجًا حيًا يُقتدى به. فهي نهلتْ من الصَّلاة النّور في عماها، والقوّة في إعاقتها، وتذوّق السّماء وهي بعد على الأرض وقد أعلنها قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني: "شفيعة السّاجدين للقربان الأقدس".

 

ألا كانت رفقا المصليّة التي تنعم اليوم بمجد القدّيسين، مثالًا لنا، فنسير على خُطاها في حزننا وفرحنا، وأمام قراراتنا الحياتيّة الصعبة، فتصبح ـ بذلك ـ شفيعة كلّ نفس وكلّ عائلة وكلّ دير، وشفيعة كنيستنا اللبنانيّة والمارونيّة والكنيسة الجامعة. على ما قال قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني، يوم تطويبها في 17 تشرين الثاني ، سنة 1985:

 

"كانت الطوباويّة رفقا من حملايا "ملح الأرض ونور العالم": وهذه رسالة كلّ تلاميذ المسيح. فمن بعد أن أخذتِ الكثير من التراثات الكنسيّة والرّهبانيّة الغنيّة، أعطت الطوباويّة الجديدة، لوطنها ولكنيستها، المذاق السريّ للوجود المُشبع كليًّا من روح المسيح الفادي. فهي "كالنّور على قمّة الجبل". ويمكننا أن نقول فيها هذه الآية الجميلة من المزمور 92: "الصدّيق كالنخل يُزهر، ومثل أرز لبنان ينمي".

                                               

                                            الأباتي يوحنا تابت