القديس يوسف معلّم في الحبّ

 

 

القديس يوسف معلّم في الحبّ

 

يقدّم إنجيل القدّيس متّى (متى 18/1-25) في خمس أو ستّ آياتٍ، أخطر مأساة حبّ عاشها بشرٌ يومًا. في الواقع لو لم نَعتَد قراءة الإنجيل، ولم تُصبح قراءته تردادًا كأنَها صيغةٌ اعتدنا على تكرارها مدّةً طويلة، سيُدهشنا في أن نَجدَ، في هذا النَّص من الكتاب المقدّس ، صيغةً مقتضبةً ومؤّثرةً لمأساة حبً كبيرٍ بين يوسف ويسوع ، وبين يوسف ومريم. أظنّ أنّه ما من كاتب مسرحيّ، وما من راوٍ استطاع التفّوق على هذه الدراما أو حتّى تحدّاها جمالاً، لأنّها تحملُ ميزةً فريدةً لمسيرةِ الحياةِ البشرّيةِ.

 

من الطبيعي أنّ الإنجيليّ، على غرار نصَ الآلام، كان متحفّظاً إلى درجة أنّه علينا أن نقرأ، بين الأسطر، مأساةً هائلةً.

 

كان يوسف ومريم مخطوبَين، ذلك يعني عند اليهود، التزاماً نهائياً. هذا الإلتزام هامٌّ إلى درجة أنّه، حين تُخطىء المخطوبة أو تخون خطّيبها، ترجم بعلّة الزنى.  أمّا مريم فكانت تنتظر مولودًا، هو يسوع. وقد حملت في أحشائها، الحياة اللامتناهية، والتي يبقى سرُّها مختبئاً في إيمانها، مخفيّاً  على يوسف، الذي يجهل ما يحدث تماماً. في هذه اللحظة بالذات، تنتهي مرحلة الزواج فيأخذ المخطوب خطّيبته إلى بيته، على حسب التقاليد.

 

في نهاية هذا المسار اكتشف أمرًا لم يكن ليفهمه. فكيف يفسّر ما حدث؟

 

هو يعرف أنّها بريئةٌ! وقد شعر بذلك واقتنع به بكلّ جوارحه! لكن من المحتمل أنّ شخصًا آخر جاء واستولى على هذا الكنز ليدنّس هيكل الله. فكيف له أن يدرك ذلك؟ بإمكانه  أن يستجوبها أو أن يتحقّق من الأمر، أو أن يبحث عن معلومات إضافية. فكلّ سؤالٍ يطرحه، قد يشكّل دليلاً على قلَةِ ثقته بها، أو قد يجرح نفسًا مرهفةً للغاية، أو قد يشكّل خرقًا لهذا الحبّ الفريدِ الذي باركته عين الله .

 

فماذا يفعل؟

 

عليه فوق كلّ شيء أن يحفظ كرامتها ولا يدنّس شرفها! لذلك فضّل التزام الصمت وهو خيارٌ بطوليّ. لن يطرح أيّ سؤالٍ... بل سيعيدها سرًّا إلى عائلتها لئلا يشهّر بها. ومريم تشهد على كلّ هذه المأساة. تعيشها مرّتين: في داخلها مرّة، ومن أجل يوسف مرّةً ثانية. هي تعرف هذه التساؤلات في داخله، وتفهم إنذهاله وألمه، وتعرف أيضًا ما الذي يغلق شفتيه ويمنعه عن الكلام.

 

هي قادرةٌ على أن تتكلّم، لكنّها لا تريد! لأنّ ما تحقّق فيها سرٌّ إلهيٌّ. إنّ الله هو من وضعها  في هذه الدرب الإستثنائيّة، وهو سيعتني بهذا السرّ الذي لا يخصّها وحدها. عليها أن تتخلّى واضعة ذلك بين يديّ الربّ.

 

في هذا الجوّ الذي تعيشه، تجدها بأمسّ الحاجة إلى حماية يوسف. فإذا ما انفصلت عنه، ستُعتبر في نظر الناس زانية. لكن بما أنّ اللّه نفسه اختارها، وضعت نفسها بين يديه، فقيرةً في ذاتها، لا توجّه أنظارها إلّا نحوه، ومع كلّ الآلام هذه، آلامها وآلام يوسف، ومع تخليتها التي قد تشهِّر بها، لاذت إلى الصمت العميق اللاّمتناهي.

 

هنا تكمن المأساة الكبرى التي عاناها هذان الكائنان اللّذان عليهما أن يتّحدا بحبّ مميّز. هما قادران على ذلك: هو، داخل صمته الذي يصلبه، وهي، في تفهّمها الذي يمزّقها. وهذا ما يضفي على المأساة بُعدًا إنسانيَا  فريدًا لامتناهيًا.

 

صمت شخصين متواجهين، صمتٌ لامتناهٍ صمتُ شخصين يقرآن أفكار بعضهما البعض، صمت شخصين يدور كلَ منهما في كيانِ الآخر، يمزّق كلَ منهما الآخر، ولا أحد يعرف كيف الخلاص من ذلك سوى الله. هذا الرّد سيأتي حين يخلد يوسف إلى النوم، في ظلّ هذا القرار الذي يحمل صليبًا مريعًا، قرار الإنفصال عن هذه الإنسانة التي يجمعه بها حبّ فريدٌ ، فهو يحترمها إلى أقصى الحدود، لكنّ سرّها يشكّل أكثر الألغاز إيلامًا.

 

وهنا يأتي الحلم المُحرّر، وتذكره الليتورجيا، منسابًا مع النغم الغريغوريّ، الذي يضفي عليه جمالاً يتمثّل بالأداء البهيّ الرائع: "يا يوسف ابن داوود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، فالمولود منها إنّما هو من الرّوح القدس".

 

فلهذا سيقوم من نومه ويأخذها إلى بيته. سيجدان نفسيهما، بعد تخطّي محنة الفقر هذه، قد تخلّى كلٌّ منهما عن ذاته للآخر، في الله ومن أجله، واتّحدا إلى الأبد، اتّحدا خصوصًا في هذا الطفل المعجزة الذي يُكَرس بتوليّتهما معًا، ومعًا يربّيانه ويحميانه.

 

وفي النهاية سيكّرس يوسف نفسه. سيتكرّس بأشدّ اللحظات تأثّرًا، وهكذا ستكون النهاية الكبرى لهذه المأساة، التي يجسّد الإنجيليّ هولها، في ثلاثة أو أربعة أسطر. سيتمّ هذا التكريس في هيكل أورشليم، حيث ستقول مريم ليسوع، الذي فقداه وبحثا عنه بخوفٍ شديدٍ طوال ثلاثة أيّامٍ: "أنا وأبوكَ كنّا نبحث عنكَ متوجِّعَين!".

 

هذا أعظم تكريس: "أنا وأبوك". في الواقع كان أبًا له على طريقته الخاصّة: أبًا في سرّ الفقر، أبًا في التضحية، وهو أبٌ بكلّ كيانه المكّرس والمطبوع، مع بتوليّة مريم، للأمومة التي أصبح يسوع ثمرتها.

 

كان هذا كافيًا. أصبح يوسف مكرّسًا، ولن يضطرّ إلى مشاهدة ما سيأتي من أحداثٍ. مات بصمتِ إيمانه دون أن يرى شيئاً. لن يشهد على حياة الرّب العلنيّة، ولن يكون شاهدًا على عجائبه. ولن يكون واقفًا عند أقدام الصليب، ولن يرى قيامته من بين الأموات. فقد مات بعد التكريس الذي أبداه حبّ مريم له إلى أعلى المراكز: "انا وأبوك". وسيرقد بإيمانه النورانيّ دون أن يرى أيّ ظلام. سيرقد تحت شعاع هذا الحضور، ليكرّس الهدف، الذي أضحى آخر فعل حبّ تحت أنظار يسوع ومريم.

 

نرى عادةً، في يوسُفَ، الأبَ العميلَ، وكما تقول اللغةُ اللاتينيةُ القديمةُ بشكل مثير للضَّحك: "هو الأب الظنّي للطفل يسوع"، يصوِّرونه رجلاً عجوزاً ساذجاً، يحمل بين يديه زنبقةً يُغطِّيها الغُبار. هذا كُلُّهُ بعيدٌ كلَّ البُعد عن الحقيقة! فيوسف حيٌّ! إنه إنسانيٌّ! عظيمٌ! وكم هي قويةٌ نبضاتُ قلبهِ التي نشعُر بها! يا لهذا الإنجيليّ الذي استطاعَ أن يُدخِلنا في قلبِ أسرارِ الحبِّ الإبتهاجيّ، كان أكبَرَ حبٍّ عاشهُ رجلٌ وامرأةٌ يوماً بالبتوليَّةِ.

 

هذا هو الثالوثُ البشريُّ في كمالِ مثاليَّتهِ: يسوع ومريم ويوسف. وهنا يكون الحبّ المُفرِح مثالياً إلى أقصى الحدودِ، وذلك يعودُ بالذاتِ، إلى أنّهُ تجاوزَ هاويَةَ الموتِ، لأنّه قتلَ في نفسِهِ كلَّ روح تملّك.

 

هو متجذّرٌ في سرّ الفقرِ الروحيِّ الإلهيّ، وهذا هو البُعدُ الذي يُكوِّنُ الحُبَّ بين الرجلِ والمرأةِ. بُعدُ التضحية، بُعدُ نكرانِ الذاتِ، بُعدُ تجاوزِ الذاتِ اللامتناهي بحيثُ يُحقّق كلَّ شخصٍ من خلال الآخر عظمةَ البشريَّة في أوجّ  قِمَّتها. إذ أنَّ كلّ شخص يُحقّق أفضَلَ ما عندَه في سبيلِ الآخر. وهكذا نفهمُ مرّةً اُخرى، بل نتأثّرُ جداً، كيف أنَّ الإنجيلَ يُشدِّدنا ويقوّينا: الإنجيل لا يدمِّر، ولا يترك الواقع  مُهمَلاً، بل يُكرّس كلَّ شيءٍ، ويكشفُ كلَّ شيءٍ، ويُحقّقُ كلَّ شيءٍ. هو يعطي كلَّ العواطفِ وكلَّ الدَعواتِ بُعداً لامتناهياً، لا يحدّه عقلٌ، ولا يتوقّعُ أبعاده.

 

كان يوسف حارسًا للبتول، وكما تقول صلاة رائعة، مذكورة في كتاب الصلوات اليوميّة، سيعلّمنا أن نحبّ، أن نحبّ في حالتنا البشريّة، مع كلّ ما تحمله العاطفة الحقيقيّة من كيانٍ إلهيّ.  

 

تذكّروا هذه الكلمة  المثيرة للإستغراب، قالها بولس الرسول في  الفصل الأوّل من الرسالة إلى أهل رومة، حين ذكر كلّ شرور الوثنييّن، في هذه السلسلة المظلمة التي تذكر فيها كلّ الجرائم التي لا يمكن تخيّلها، وكلّ الانتهاكات التي تتعارض مع الطبيعة بأفدح الأشكال، وذلك حين رمانا في العالم الوثني وحوله، اختتم بهذه العبارة الصغيرة: "لا ودّ لهم ولا رحمة "، لأنّهم في عجزٍعن الحبّ!

 

في مقطع إنجيل القدّيس متّى، الذي نحن بصدد تأمّله عن يوسف، نستنتج ملاحظة لها اختلاف جوهريّ: كم يستطيع القدّيسون أنّ يحبّوا! فهم بالذات يرتفعون إلى أعلى قمم المحبّة، ويولون العواطف الإنسانيّة كامل قيمتها، وكامل أبعادها وكامل شفافيتها وكلّ وحدتها.

 

لنتصوّر القدّيس إيرونيموس، والقدّيسة باولا والقدّيس يوحنا الذهبّي الفم وأولمبيا والقدّيس بندكتس والقدّيسة سكولستيكا والقدّيس فرنسيس والقدّيسة كلارا والقدّيسة تيريزيا والقدّيس يوحنّا الصليب والقدّيس جان أود والقدّيسة ماريا دو فالي والقدّيس فرنسيس دو سال والقدّيسة جان دو شانتال... كم اعتدنا أن نرى أنّ في أصل أكبر الأعمال الكنسيّة تبادلاً روحيّا  بين نفس الرّجل ونفس المرأة اللذين التقيا وتبادلا سرّ اللّه معًا.

 

أن تكون مسيحيّا لا يعني ألاّ تحبّ، بل أن تحبّ كما أحبّ الله ، أن تحبّ بشكلٍ لا متناهٍ، أن تحبّ حبّا حقيقيّا، أن تقدّم ذاتك للآخر، وأن تحبّ لتحمل الآخر إلى ملء ذاته، إلى مستوى قلب الله. وهنا يمكننا النظر في فصل الصداقات التي اعتبرت استثنائيّة. تبدو هذه الكلمة مضحكة، دعوني أقول مضحكة لأنّ الصداقة  ليست مساحة عامّة، فالصداقة علاقة فريدة، وحيدة وصامتة.

 

وأرى جيّدا ما يمكن أن نفهمه من ذلك وسأعود لأفسّر هذه النقطة. من الواضح أنّ لكم قلبًا على غرار الجميع، وآمل بألاّ تكونوا بلا ودّ ورحمة، وإلاّ انطبقت عبارة القدّيس بولس الرسول عليكم. لكن من المستحيل أن يدينكم أنتم في هذه الآية.

 

من الطبيعيّ أن تحملوا العواطف التي ستجدونها في جماعتكم . وما لم تجدوها فيها، ستجدونها خارجها وهذا حقّ طبيعيّ لكم. لكن من الطبيعيّ بل من المفضّل أن تجدوها داخل جماعتكم.

 

ومن الرائع أنّ نفسين تقيّتين ومكرّستين تحملان تناغمًا على جميع المستويات، وتفهم كلّ واحدة الأخرى حالا، وتشعر كلّ منهما أنّها داخل الأخرى. فكيف يشعر الله بإهانة من هذا اللقاء، الذي هو أساسه وجوهره، وهو صلة الوصل فيه؟

 

بل على العكس من ذلك، هذا طبيعيّ وجوهريّ، ومن المستحيل أن يتغيّر الوضع. من الطبيعيّ أن تكون الطريق التي تؤدّي إلى الله في ملئها الصداقة البشريّة. ففي هذه الصداقة بذاتها التي تُعقَد حتمًا برعاية عين الله وقلبه، في هذه الصداقة سيظهر وجه الله وفيها نستشعر نبضات قلبه.

 

لذا من الأفضل أن يكون ملء هذا اللقاء داخل جماعتكم، أو خارجها إذا ما كان ذلك مستحيلا .أمّا المحظور فيعبّر عنه هذا المصطلح: "الصداقات الإستثنائيّة ممنوعة" ويقصد أمرًا صائبًا لأنّه إذا جمعتكم علاقة صداقة بشخصٍ، فيجب ألاّ تضرّ وحدة الجماعة، وعليها ألاّ تستعبد أحدًا وألاّ تعيق التبادل الأخويّ، الذي عليه أن يسود أعضاء الجماعة كلّهم، وألاّ تُعنى بالمظاهر لتتوسّع، وألاّ تغرق بالثرثرة في زاوية من الزوايا، بل عليها أن تسبّح الله من أجل كلّ واحد ومن أجل الكلّ.

 

وهذا يتطلّب رقّةً لا متناهية، وهذا هو الطريق الصحيح لأيّ صداقة. إذا جمعتك علاقة صداقة عميقة وفريدة بشخص آخر، تجدر الإشارة إلى أنّها حقَا صداقة عميقة وفريدة في أنّك تصبح مستعدّا، وبدون تردّد، للتخلّي عن صداقة هذا الشخص، ما إن يبرز شخص ثالث، شخص آخر يحتاج إليك، فلو تردّدت، أو أردت أن يكون الشخص ملكًا لك، هذا يدلّ على أنّ محبّتك ليست بكامل كرمها وشفافيتها وعطائها.

 

لذا علينا أن نتحلّى بعواطفنا في ظلّ الفقر الروحيّ الإلهيّ الكلّي. على هذه العواطف ألاّ تصبح ملكيّة. فعندما نعطي ذاتنا لشخص بحميميّة إلهيّة كاملة نصبح أكثر انفتاحًا على نفس أخرى، حتّى ولو بدا وجهها الظاهر غير ودود لنا، وحتّى ولو لم نشعر بأيّ عاطفة تجاهها.

 

وحين نتمتّع بهذه الليونة والطواعيّة بشكل كافٍ، نغني الشخص الذي نحبّه بحميميّة بشكلٍ أكبر وبفرادة أعظم، لأنّنا سننمو وننمو وتصبح لنا قيمة تزداد تقديرًا واحترامًا، وتكبر قدرتنا على إيصال حضور الله وهو قلب كلّ حنان إلى المحبوب ومن خلاله، إلى العالم أجمع.

 

ومن هنا سيساعدنا القدّيس يوسف على أن نفهم ذلك لأنّه أحبّ وأحبّ بشكل لا مثيل له ولا يمكن مقارنته. وقد أحبّ حبّا إبتهاجيا  يصبح كأكبر نجم في سماء الأبديّة الواسعة. فقد أحبّ حتّى آخر رمق، حتّى الاستسلام، حتّى الخضوع والسجود، حتّى الاحترام الذي أغلق شفتيه في صمت يشكّل أكبر نشيد لحبّه.

 

إلى من يمكننا اللجوء إذا ما احتجنا إلى مرشد في الحبّ البشريّ، ما لم نلجأ إلى هذا الرّجل الأعظم، إلى عملاق الصمت الذي استحقّ أن تدعوه مريم أبًا  ليسوع المسيح، في تكريس هو أجمل هالة أحاطت به، وتعزّز فيه هذه الأبوّة الفريدة التي تُحدِثُ أثرها فينا جميعًا: "أنا وأبوك كنّا نبحث عنك متوجّعين"؟

 

غزير، لبنان، خلال الرياضة الروحية الأولى للراهبات الفرنسيسكانيات -

لون - لوسونيه بين  20 و27 تموز 1959.

الأب موريس زونديل.