القدّيس يعقوبُ القورُشيّ تلميذ مار مارون

                                                                                                                                                                                  

                   

القدّيس يعقوبُ القورُشيّ تلميذ مار مارون 

                                                                                                                                    

القدّيس يعقوبُ القورُشيّ الناسِك تلميذ مار مارون

 

 

       تلقّن يعقوبُ تعليماً سَماويّاً بالكُلّيـَّةِ على يَدِ الرَّجُلِ القدِّيسِ والمُمتازِ مارون الذي كان يُحبُّهُ جِدًّا. ولكِنّهُ فاقَ مُعلّمَهُ بِعِظـَمِ تقشُّفاتِهِ وأعمالِه. مارونُ اكتفى ببقايا هيكلٍ بيتًا، وبِجلودِ الماعِزِ ثوبًا يقيه المَطرَ والثلج. أمَّا يَعقوب، فرفَضَ كُلَّ شيء: ألبيتَ والسَّقفَ والكوخَ، مُتَّخِذًا مِن السَّماءِ غطاءً وحيدًا له، مُعرِّضًا ذاتَهُ على الدّوامِ لقساوَةِ الطقس، تارَةً تُبلّلهُ مياهُ الشتاء، وطورًا الثلجُ والجليد، وأحيانًا يَشويهِ لهيبُ الشّمسِ المُحرق. ويَحتَمِلُ كُلَّ هذا بجَلدٍ بالغ، كما لو كان يُقاسي هذهِ الآلامَ في جسدٍ غيرِ جسَدِه. ويجتَهِدُ في التّغلبِ على ضَعفِ الطبيعَةِ بقوَّةِ الرُّوح.

 

 

ومع أنّهُ لابِسٌ جِسمًا فانيًا  ومُرَوَّضًا، يعيشُ كما لو كان غيرَ قابلٍ الآلام، ويَسعى، بالرُّغمِ مِن وُجودِ الجسد، إلى العيشِ كما لو كان بدونِ جسد، هاتِفًا مع القدِّيس بولس: "فإنّا، وإنْ كُنّا نسلكُ في الجسد، لا نُحارِبُ بحسَبِ الجسد، لأنَّ أسلِحة حربِنا ليسَتْ بجسديَّة، بل هيَ قادِرةٌ  باللهِ على هدْمِ الحُصون. فنهدِمُ الآراءَ وكُلَّ عُلوٍّ يرتَفِعُ ضِدَّ الله، ونَسبي كُلَّ ضميرٍ إلى طاعَةِ المسيح" (2كور 10/ 3-6).

       شيَّدَ المؤمِنون لهذا القدِّيسِ معبدًا كبيرًا جِدًّا في البلدَةِ الأكثرِ قُربًا مِن الجبلِ حيث يُقيم. وأنا شيَّدتُ لهُ ضريحًا في كنيسَةِ الرُّسُلِ في قورُش. ولمّا وقفَ على ذلك، استحلفني مرَّاتٍ كثيرةٍ أن يُدفن فوق الجبل. أجبتُهُ: طالما احتقرتَ إلى أقصى حدٍّ ما يتعلّقُ بهذه الحياة، فلا يجِبُ أن تَهتَمَّ لدفنِكَ. وبما أنَّهُ كان يتوقُ إلى ذلك بقوَّة، لمْ يشأِ الإصرار، وأوعزْتُ بأنْ يُنقَلَ المَدفنُ الذي صنَعتُهُ لهُ في الكنيسَةِ إلى الجبل، وأحَطتُهُ بمعبَدٍ صغيرٍ كي لا تتأذ َّى الحجارَةُ مِن الهواء. ولمّا رأى القدِّيسُ أنَّ المعبَدَ مَسقوفٌ، قالَ لي: لن أقبَلَ أبدًا بأنْ يُقال: هذا مدفنُ يعقوب. ولكن أتمنَّى أنْ يُدعى: "معبَدَ الشُّهداءِ الظافرين"، وأنْ أوضَعَ بِجوارِهِمِ في نعشٍ آخر كضيفٍ حقيرٍ لديهم. وجَمَعَ، مِن أنحاءٍ عديدَة، ذخائِرَ جُملةِ أنبياءَ وجُملةِ رُسُلٍ وعددٍ كبيرٍ مِن الشّهداء، ووضعها في المَدفنِ الذي كُنتُ أعدَدْتُهُ، مُعتبِرًا ذاتَهُ سعيدًا للغايَةِ بأنْ يكون لهُ محلٌّ معَ هذا العدَدِ من القدِّيسين، ويقومَ معهُم يومًا للتّمَتُّعِ بِرُفقتِهمِ برؤيَةِ الله. وهذا يدُلُّ على مبلغِ تواضُعِهِ وكُفرِهِ بِذاتِهِ.

 

تِوادُريطـُس القورشيّ (+ بين 458 و466).

(التاريخ الرّهباني، 82)