حياة القديسة اليزابيت للثالوث

 

 

حياة الطوباوية اليزابيت للثالوث

 

 

 

حياة إليزابيت للثالوث فصل ربيع فقط، مداه ستة وعشرون عامًا. لكنَّ هذا الربيع كان كافيًا لأن تنموَ وتتفتّحَ وتصبحَ عملاقة. ربيعٌ جمع الصيف والخريف والشتاء في بوتقة النّور والحبّ والحياة. ألغت الصيف والخريف والشتاء حيث جعلت حياتها ارتماءً جسديًّا ونفسيًّا في الحبّ، فأزهرت الحرارة في الأماكن التي تنقَّلت فيها صيفًا، وشعَّ الخريف الذي أغمضت عينيها فيه وطُوِّبت، وذاب ثلج الشتاء حيث أعلنت أنَّ هناك ما يشبه مطاردة إلهيّة على نفسها، حين تنظر إلى الوراء.

 

حياتها:


وُلِدَت إليزابيت كاتيز Catez في معسكر أفور Avor القريب من بلدة بورج Bourges الفرنسية في 18 تموز سنة 1880 من جوزيف كاتيز وماري رولان Rolland. وفي 22 تموز، عيد القدّيسة مريم المجدليّة، مُنحت سرّ العماد المقدّس في كنيسة المُعسكَر.

 

توفيّ السيد جوزيف كاتيز في 2 تشرين الأول 1887 إثر نوبات قلبيّة متكرِّرة، وبموته ترك فراغاً هائلاً في الأسرة ونقصاً في موارد معيشتهما. بعد ذلك اضطرت الوالدة إلى ترك المنزل الكبير وانتقلت مع ابنتيها إلى شارع Prieur-de-la-Côte-d’or لتقطن في بيت في الطابق الثاني قريب من دير الكرمل. إنّ نفس اليزابيت كانت تصبو إلى آفاق لا متناهية وما كادت تبلغ ربيعها الثامن حتى أفضت إلى كاهن كنيسة القدّيس هيلاريوس، الأب أنغلز Angles، برغبتها في الترهّب. كتبت إليزابيت في إحدى رسائلها: “أشعر به في داخلي، هذا هو بالذات ما يحقِّقُ كلّ غبطتي. لقد وضعَ في قلبي عطشًا إلى اللامتناهي وحاجة هائلة إلى الحبّ، هو وحده يستطيع أنْ يُشبِعَها…” (الرسالة 169).


في تشرين الأول من العام 1888 سجّلتها والدتها في المعهد الموسيقي لتتعلّم العزف على البيانو. كانت إليزابيت تمضي في البيت ساعات طويلة في العزف على البيانو الذي كان هوايتها المفضلة، ممّا سرقَ منها وقت الدراسة الأكاديميّة. لكنّ الأوقات الطويلة التي أمضتها أمام البيانو صقلت فيها حسّ الإصغاء الروحيّ العميق وحبّ الجمال والتناسق.

 

 

مناولتها:
إحتفلت إليزابيت بمناولتها الأولى في 19 نيسان سنة 1891. كان يوم لقاءها الاوّل بيسوع في سرّ الإفخارستيا اليوم الذي اشتاقت إليه شوقاً شديداً. ولدى خروجها من كنيسة القدِّيس ميخائيل، حيثُ جرى الإحتفال، قالت لرفيقتها ماري: “لستُ جائعة، لأنَّ يسوع قد غذّاني”. وفي مساء ذلك اليوم، قامت متوشِّحة بثوبها الناصع البياض بزيارة إلى الأمّ ماري ليسوع رئيسة دير الكرمل التي سُرَّت بها وشرحت لها معنى اسمها “بيت الله” وتأثرت اليزابيت تأثراً عميقاً بهذا المعنى وشعرت بأنّه يحمل دعوة خاصّة. أجل لقد شعرت في هذا الصباح أنّ الله حقاً يسكن في نفسها. في 8 حزيران سنة 1891 تلقت اليزابيت سرّ التثبيت في كنيسة السيّدة العذراء. في 25 تموز 1893، في عمر الثالثة عشرة، أحرزت اليزابيت كاتيز تفوّقاً في الموسيقى، إذ حصلت على الجائزة الأولى في العزف على البيانو من المعهد الموسيقيّ في ديجون.

 

النداء الأول:
حينما بلغت إليزابيت الرّابعة عشرة من عمرها، شعرت بذاتها في أحد الأيّام بعد التناول شعوراً قوياً يدفعها الى تقديم حياتها للربّ وإلى القيام بنذر البتوليّة الدائمة. لم تمضِ مدّة طويلة حتى اتضحت لديها فكرة الحياة الرهبانيّة التي كانت تحلم بها منذ ربيعها السّابع وأخذت كلمة “الكرمل” تتردّد دوماً وتتبلور في أعماق نفسها.

 

شخصيّة إليزابيت:
وصفت إليزابيت نفسها بهذه الكلمات: إنّي سمراء ويُقال أنَّ طول قامتي لا يتناسب مع عمري، لي عينان سوداوان براقتان، وحاجباي الكثيفان يولياني مظهراً من الصرامة، أما بقيّة شخصيتي فغير ذات شأن. أمّا من مزاياها الإنسانية الداخليّة، فقد كانت إليزابيت شخصًا مُرهفًا، حسّاسًا، فرحًا، وكانت جذّابة لدرجة أنّ كلّ من عرفها أكّد على جاذبيتها الخاصة. إنَّ رسائلها تعكس حسًا مميّزا ووفاءً كبيرًا لأصدقائها، فعلاقتها الحميمة مع الله، وانجذابها نحو الكرمل، والصراع الذي عاشته قبل دخولها إلى الدير لم يمنعوها من الإنخراط في شبكة الحياة الإجتماعيّة، والاهتمام بشؤون أصدقائها حتى الصغيرة منها. حتى بعد دخولها الدير، كتبت تقول: “أنا لا أنسى أحدًا؛ إنّ القلب يتوسَّع في الكرمل ويعرف كيف يزداد حبًّا” (الرسالة 88).

 

حضور المسيح في حياتها:
إنّ حضور يسوع كان يرافق إليزابيت منذ صِغرها وها إنّ الحنين إلى يسوع، وإلى الكرمل، وإلى السماء يملأ قلب هذه المراهقة. وفي السابعة عشرة اكتشفت هذه المحبَّة التي كانت تُشعل فيها رغبة شديدة في تقدمة ذاتها إلى الله. وقد كتبت: ”إنّ قلبي دوماً معه ليس إلى الموت بل إلى التألّم طويلاً التألم لأجل الله وبذل الحياة له، بالصلاة من أجل الخطأة المساكين”.

 

معارضة الوالدة:
كانت والدة إليزابيت قد شعرت بما يدور في خاطر ابنتها الكبرى وفي رغبتها الشديدة في حياة الكرمل، في حين كانت إليزابيت تتردّد إلى الدير كلّما تسنى لها الأمر. وبعد ممانعة طويلة وافقت الوالدة على دخول ابنتها إلى الكرمل ولكن ليس قبل بلوغها الواحد والعشرين من العمر. كانت إليزابيت تبوح بحبّها الجارف للمسيح في مناجاتها له: ”أجل يا يسوع إني أغار على محبَّتك وأنا أحبك إلى حدّ أظن أحياناً أنّي سأموت بهذا الحبّ، فحياتي كلّها تكون تعويضاً، أنا مستعدّة لكي احتمل كلَّ ألم”.

 

 

الدخول الى دير الكرمل:
تمكنت اليزابيت في 2/8/1901 من الدخول الى دير الكرمل في ديجون وكان هذا الدير قد تأسس على يد الأخت حنّة ليسوع سنة 1605، وهي إحدى رفيقات القدِّيسة تريزا ليسوع والإبنة الروحيّة الُمفضّلة للقدّيس يوحنا الصّليب. كانت إليزابيت، وهي ما تزال في العالم شديدة الإعجاب بالقدِّيسة تريزا ليسوع، وزاد تعلُّقها بالأمّ الُمصلِحَة الكبيرة بعد دخولها الكرمل، فعكفت على قراءة كتاباتها والاضطلاع على الحياة التأمليّة.

كما إنها كانت معجبة جداً بتريز الطفل يسوع التي أحدثت حياتها وكتاباتها ضجة كبيرة في الأوساط المسيحيَّة فور وفاتها. ولمّا دخلت إليزابيت إلى الكرمل، شرعت تحيا في حضور الله، وانطلقت مثل الأمّ المصلحة نحو أكبر مغامرة وهي البحث عن المُطلق واللّامتناهي.

 

في 8 كانون الأول سنة 1901، يوم اتّشاحها بالثوب الرهبانيّ، كتبت إليزابيت: ”هو يوم عيد العذراء المحبول بها بلا دنس ستوشِّحني مريم بثوب الكرمل العزيز”. وفي الكرمل تبحث اليزابيت عن الله من خلال كلِّ شيء في الصّمت وفي عزلة حياة المشاهدة التي تحياها: “الكرمليّة نفسٌ مبذولة، ذبيحة لمجد الله، مع مسيحها هي مصلوبة لكن جلجتها، آه كم هي منوَّرَة! بنظرها إلى الذبيحة الإلهيّة انبثقَ نور في نفسها، وبفهمها رسالتها الفائقة، صرخ قلبها المجروح: هاءنذا!”.

وترى إليزابيت في مريم العذراء التعبير الأمثل والأكمل عن دعوتها الشخصيّة وذلك في على ضوء اختبارها، اختبار الألم، والتسليم، والحبّ، والرّغبة في مشابهة المسيح. تفضّل إليزابيت أن ترى في مريم امرأة الصّمت والاختلاء، وهي تسبحة المجد الكاملة للثالوث الأقدس، وهي عذراء التجسّد التي تسجد للكلمة الساكن في أحشائها: “أنْ نُحِب هو أنْ نقتدي بمريَم وهي تمجِّد عظمة الرب في حين أنّ روحها المُبتهجة كانت تُرتّل نشيدها للرب، هدفكِ أيتها العذراء الأمينة كان الإمّحاء لأنّ يسوع، الشعاع الأزليّ يحتجب في الإتضاع، إنّه دائمًا بالتواضع روحكِ تعظمه” (قصيدة 94).

 

إنّ تأمل إليزابيت الدائم بالكتاب المقدّس وبشكلٍ خاص في كتابات القدّيس بولس جعلاها تكتشف دعوتها الخاصة في أنْ تكون “تسبحة مجد” للثالوث الأقدس. كتبت إليزابيت للأب شفينيار Chevignard: “هل تتفضّل… أنّ تكرِّسني لقوّة محبّته لكي أكون حقيقةً “المسبِّحة بمجده”. قرأتُ ذلكَ عند القدِّيس بولس وفهمت أنّها كانت دعوتي منذ المنفى في انتظار الفردوس الأبديّ” (الرسالة 250).

في اختيارها بأن تكون “تسبحة مجد” للثالوث، أرادت إليزابيت أن تعبّر عن رغبتها في أن تكون بكليّتها لحن مجد أمام عرش الربّ وهي التي تركت الموسيقى تصقل حسَّها الداخليّ، فباتت تعبّر أحيانًا عن اكتشافاتها الروحيّة بلغة موسيقيّة: “تسبحة المجد، هي نفسٌ تحبّ الصمت، وتكون مثل كنّارةٍ تحت لمسة الرّوح القدس السريّة لكي تُخرِج منها نغمات إلهيّة؛ وتعرف أنّ الألم وترٌ يُصدِر أصواتًا أكثر جمالاً؛ فتحبّ أنْ ترى هذا “الوتر” في آلتها لكي تحرّك بمزيدٍ من العذوبة قلبَ إلهها” (السماء في الإيمان).

 

في 21 تشرين الثاني 1904 كتبت إليزابيت صلاتها الشهيرة إلى الثالوث الأقدس الذي كانت تسمّيه ” يا كل ما لي، يا غبطتي”. في هذه الصلاة، التي كتبتها دفعة واحدة، جدَّدت إليزابيت تكريسها الكامل وعطاءها الكامل للثالوث: “إلهي، يا ثالوثي الذي أعبده، ساعدني على نسيان ذاتي كليًّا لأستقرَّ فيك في سكون وهدوء، كما لو كانت نفسي منذ الآن في الأبديّة! يا من لا يخضع للتغيّر، لا تدع شيئًا يعكّرُ سلامي أو يُخرجني منك. بل فلتَحْمِلْني كلُّ دقيقة بعيدًا جدًّا في أعماق سرّك…”. فالثالوث بالنسبة لإليزابيت: هو مسكننا، بيتنا الخاص بنا، البيت الأبويّ الذي يجب علينا ألاّ نخرج منه أبدًا (السماء في الإيمان، اليوم الأوّل).

 

ولكن ما إن مرّت أربع سنوات على دخولها الدير، حتى ظهرت عليها علامات داء عُضال نتيجة لإصابتها بتدرّن من مرض إديسون غير قابل الشفاء آنذاك وبلغت حداً من الضعف حتى أنّها لم تكن تستطيع الوقوف على رجليها. أخذ المرض ينخر عودها شيئاً فشيئاً حتى ذوى ويبس. وفي سنة 1905 خففت لها الرّئيسة بعض النقاط من القانون، وفي منتصف آب أُعفيت من مهمّة البوابة الُمساعِدَة واضطرت إلى الإخلاد للرّاحة.

 

إنَّ إليزابيت الآن على يقين من أنَّها ستموت قريباً، وهي سعيدة بأن ترى الله، وفي وسط آلامها كانت تتذكَّر آلام المخلّص: كلّ يوم: أتمثَّلُ به في موته. ذاك هو ما يُلاحقني، ما يعطي القوّة لنفسي في آلامي. لو تعرف أيّ فعل هدم أشعره في كلّ كياني؛ إنّه درب الجلجلة قد انفتحَ، وأنا سعيدةٌ في تسلّقه كما العروس عن يمين المصلوب الإلهيّ…” (الرسالة 294).

قبل نهاية شهر آذار سنة 1906 اشتدت وطأة المرض على اليزابيت فأُدخلت الى غرفة المرضى وبقيت فيها ثمانية أشهر ونصف الشهر وأضحت تغذيتها تزاد ضعفاً يوم فيوم وفي مساء الثامن من نيسان أصيبت بإغماءة مفاجئة ممّا زاد من خطورة حالتها الصحيّة الواهية.

 

الأسبوع المقدس:
مرّ الأسبوع المقدّس من ذلك العام صعباً جداً على اليزابيت ولا سيّما الجمعة العظيمة حيث بلغ منها الضعف أقصى حدِّه. أمَّا في السبت المقدَّس فقد طرأ عليها بعض التحسُّن إلاَّ أنَّ الراهِبَات لم تتوهَّمن حول إمكانية شفائها إلاَّ بأعجوبة، وشرعن يلتمِسْنَهَا من الله القدير وجاءَتها نوبة أخرى في 13 أيَّار أوشكت أن تقضي عليها.

 

إلى النّور … والحبّ… والحياة


وفي 30 تشرين الأول 1906 ضمّت إليزابيت إلى قلبها الصّليب الذي أُعطي لها عند إبرازها النذور. وفي اليوم التالي اقتبلت سرّ المرضى للمرة الثانية. وتناولت القربان للمرّة الأخيرة في الأول من تشرين الثاني وهو عيد جميع القدِّيسين. وفي 9 تشرين الثاني استدُعيت الرّاهبات عند سريرها، واستطاعت الأخوات الحاضرات التقاط هذه الكلمات الأخيرة التي فاهت بها على الأرض وهي: “إنّي ذاهبة إلى النّور إلى الحبّ إلى الحياة”، وطارت نفسها إلى الأخدار السماويّة وكانت نحو الساعة السادسة والربع صباحاً.


تركت لنا إليزابيت إرثًا روحيًّا مكتوبًا تمّ جمعه وتوثيقه بعد وفاتها، وهو يتضمّن:


• أربع أبحاث روحيّة: السماء في الإيمان، عظمة دعوتنا، الرياضة الأخيرة، استرسلي في الحب.
• الرسائل.
• اليوميّات.
• كتابات شخصيّة.
• القصائد.


دعوى تطويبها:
افتُتِحت دعوى تطويبها منذ سنة 1930 في ابرشية ديجون
فُتح قبرها في 10 تشرين الأول سنة 1930 لإجراء الفحوص الأولى على جثمانها
أعلنها البابا يوحنَّا بولس الثاني طوباوية في 25 تشرين الثاني 1984.

 

قالَ الطوبَاوي البابا يوحنَّا بولس الثاني في عظته يوم التطويب: “إنَّ إليزابيت تُعطي إنسانيتنا التائهة التي لم تعُد تعرف كيف تجد الله أو التي تشوِّه صورته، والتي تبحث عن كلمة لتؤسس عليها رجاءها، إنّها تعطيها الشهادة بالإنفتاح الكامل على كلمة الله التي استوعبتها حتى أصبحت غذاءً لتفكيرها ولصلاتها، وحتى وجدت فيها كل أسباب الحياة وتكريس الذات تسبحةً لمجد الله”.

 

عقد البابا فرنسيس في 20 حزيران 2016 كونسيستوارًا عاديًا أعلن فيها قداسة الطوباوية إليزابيث للثالوث مع ستة طوباويين غيرها.

ورفعها إلى مذابح القداسة في 16 تشرين الأول 2016.

 

 

الأب نوهرا صفير الكرملي