رحمة الله في حياة القديس فرنسيس الأسيزي

 

 

 

 

رحمة الله في حياة القدّيس فرنسيس الأسيزي

 

لا حدود للرَّحمة الإلهيَّة في المفهوم المسيحيّ. أحبّ الله الإنسان بقوّته وضعفه، ولم يتراجع عن محبّته له رغم شقائه. نجد في الإنجيل هذا الحبّ الذي تنشأ الرَّحمة منه، وقد أظهره المسيح في معاشرته الخطأة والضالين والمُبعدين. إنّ مسيرة الله مع البشر هي إذًا مسيرة حبّ وغفران. هكذا نستطيع أن نفهم قول القدِّيس فرنسيس في هذا الصدّد:

"فلنُحبَّ ، جميعنا، ...الذي خلقنا، وافتدانا، الذي سيخلّصنا برأفته وحدَها، والذي صنع ويصنع لنا كلّ خير، نحن البائسين والأشقياء، المُتعفّنين والنتنين، ناكري الجميل والأشرار" (القانون الأوّل 23، 8).

بعد أن تحقّق فرنسيس بخبرة ذاتية وحياتيّة من رحمة الله له، أراد أن يُعمِّم هذه الخبرة في قانونه ليفهمها ويعيشها سائر إخوته الحاليين والمُستقبليين. ولأنّ هذه الخبرة الرُّوحية هي من الثوابت الأساسيَّة للخلاص، فقد عمّمها لتكون تحت أنظار الجميع، فلا يتباطأ أحد في اكتشافها وعيشها.

تُظهر الرَّحمة جوهر الله وتنعتُه بها، لكونها تنقذنا من الموت الروحيّ والأبديّ.

 إنّ تركيز فرنسيس على كلمة "برأفته وحدها"، المذكورة أعلاه، تُخلّصنا، يعني أنّ رحمة الله هي من ذاته.

الله في نظر القدّيس هو الخير بحدّ ذاته. فهو لا يُقابل الخاطئين بالشرّ، بل ينتظر عودتهم وتوبتهم.

عَمَل الله للخير لا يتوقّف؛ حدّد فرنسيس ذلك مُستعملًا صيغة الماضي والحاضر لـ"عمل للخير" بالعبارة التالية:

 "والذي صَنَع ويصنع لنا كلّ خير"؛ ممّا يعني أنّ عمل الله بالرأفة والرحمة استمرّ ويستمرّ. لأنّ لا بداية ولا نهاية لله، فنسطيع القول أنّ لا بداية ولا نهاية للرَّحمة أيضًا.

 إنّ خبرة فرنسيس لهذه الرحمة جعلته يحثنا "نحن الضعفاء والأشقياء، المتعفّنين والنتنين، ناكري الجميل، والأشرار" أن لا نرغب في شيء آخر سوى الله لذي تفوق رحمته أي رحمة بشريّة إذا وُجدت. فالمسيح يدعونا إلى عمل الرَّحمة: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم" (لو 6: 36)، وأيضًا: "طوبى للرّحماء، فإنّهم يُرحمون" (مت 5: 7). والدخول في مشروع الله الخلاصي يتطلّب العمل الدؤوب على الذات لتنمية المسامحة والغفران للآخر. أدخل المسيح ضرورة الرَّحمة في صلاة "الأبانا" التي ترد في (مت 6: 12 ولو 11: 4): "وأعفنا  من خطايانا، فإنّنا نعفي نحن أيضًا كلّ من لنا عليه، ولا تتركنا نتعرّض للتجربة".

المغفرة والمسامحة سهلة على الله لأنّ الرّحمة تنبع منه، ولكنّها تبدو من أصعب الأمور تطبيقًا في علاقة البشر بعضهم مع بعض. لذا علّمها المسيح في طلبات "الأبانا" كي يحصل عليها الإنسان كنعمة من الآب، لأنّه لا يستطيع بقواه الذاتيّة التوصل إلى ذلك. أصبحت المسامحة هبة من الله، ينالها الإنسان من خلال علاقته به. أضاف متى على ذلك؛ ملمّحًا إلى ضرورة المغفرة للآخرين كشرط أساسيّ للخلاص بقوله: "فإن تغفروا للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماويّ، وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبوكم زلاتكم" (مت 6: 14 ـ 15).

دعوة فرنسيس لإخوته أن يحبّوا الله الذي سيخلّصنا برأفته وحدها، مصدرها كلمة الله التي أصغى القدِّيس إليها وردّدها على شفتيه وفي صلاته وأثناء عمله ورسالته، وأصبحت  حيّة في داخله وقلبه ومسيرته الروحيّة.

ففي الآية التالية (القانون الأول 23، 9) لا ينفكّ فرنسيس عن مدح الله بصفاته التي تُظهر رحمته:

"فلا نرغبنّ، إذًا، في شيء آخر... سوى خالقنا، وفادينا، ومخلّصنا... الذي هو ملء الصلاح... الذي هو وحده صالح، ورؤوف، ووديع، وعذب وحلو... الذي هو وحده عطوف وبريء وطاهر، الذي منه، وبه وفيه، كلّ صفح، وكلّ مجدٍ، لكلّ التائبين والأبرار، وكلّ الطوباويّين الذين ينعمون، معًا، في السّماوات".

 

نجد في هذه الصفات المتكرّرة أحيانًا في كتابات هذا القدِّيس، بالإضافة إلى حبّه وعشقه لله، معرفة حقيقيّة له. لهذا رغب في أن يعرفها الآخرون نظرًا لاشتعالها في داخله.

 أحبّ فرنسيس الله من خلال حبّه الفقراء وسائر البشر والمخلوقات؛ وأظهر ذلك بعلامات حسيّة ترجمها على صعيد الواقع بعلاقتها الأخويّة مع المستضعفين، حيث اعتبر ذاته واحدًا منهم. لهذا نفهم وعيه لرحمة الله له ولغيره وما لهذه الرّحمة من مفعول خلاصيّ.

أثار فرنسيس في تعليقه على "الأبانا" ضرورة الرّحمة الإلهيّة للإنسان، الذي يُصبح في طبيعة الحال، لا مُلزَمًا عيشها لنيل الخلاص. فكتب شارحًا: "واغفر لنا ذنوبنا: برحمتك التي لا توصف، بفضل آلام ابنك الحبيب، وباستحقاقات الكليّة الطوبى العذراء مريم، وشفاعتها، وجميع مختاريك. كما نحن نغفر، لمن أساء إلينا: وما لا نغفره كليًا، لكي نحبّ أعداءنا، حقًا، من أجلك، ولكي نشفع لديك، بتقوى، من أجلهم، غير مجازين شرًا بشرّ، ولكي نجتهد حتى نكون، بك، مُفيدين في كلّ شيء (تعليق على الأبانا 7 ـ 8).

لا يوجد في نظر فرنسيس كلام قادر على وصف رحمة الآب لوسع آفاقها. لأنّ الإنسان على رغم شرّه وإساءته، يحبّه الله ويغفر له عند توبته. نرى في الرّحمة جوهر الله الذي لا يبغض الإنسان لخطيئته، بل يعمل على خلاصه.

 بالنسبة إلى فرنسيس، حقّق الله رحمته للبشر أولاً وآخرًا بآلام ابنه، ومن ثمّ باستحقاقات مريم أمّه وشفاعتها، ولاحقًا بشفاعة المختارين.

يدعونا القدّيس إذًا من خلال شرحه للأبانا، إلى التعمق في هذه النقاط الثلاث، التي تتمحور حول الخلاص الذي تحقق بواسطة رحمة الله، وذلك بآلام ابنه، ومن ثمّ بدور مريم التي شاركت بفعل أمومتها بطريقة فعّالة بالخلاص، وأيضًا بواسطة المختارين الذين استجابوا لدعوة الله وسعوا إلى الكمال وتقدّسوا وأصبحوا بفعل ذلك قادرين على الشفاعة. إضافة إلى هذا، يعوّل فرنسيس على دورنا في الغفران لأعدائنا، على رغم صعوبة ذلك، لنكون مفيدين لخلاصنا وخلاصهم.

 

                                                              الأب نضال أبو رجيلي