رحمة الله في مسيرة فرنسيس الأخوية

 

رحمة الله في مسيرة فرنسيس الأخوية

 

رحمة الله في مسيرة فرنسيس الأخوية

 

بعد أن كشف الله عن رحمته لفرنسيس، استجاب لها وسار في طريق جديد ليُحقّق إرادة الله في حياته. في مسيرته هذه فَهِمَ أنّ أولى أولويات الإنسان هي الله الذي لا وجود لشيء من دونه، هو الهدف الذي على كلّ إنسان أن يصبو إليه.

بدأ فرنسيس مسيرته بمفرده، وحين تأثّر به رفاقه وتبعه بعضهم، أصبح مُلزمًا التكيّف بحياة الجماعة التي رسم لها نمطًا جديدًا للعيش الأخوي. هذا ما أشار إليه شيلانو بقوله: "كان أبونا الطوباويّ يمتلئ يومًا بعد يوم من نعمة الرّوح القدس ويصرف جهده بهمّة ومحبّة لتنشئة أبنائه الجُدد ويعلّمهم من خلال مبادئ جديدة أن يسيروا باستقامة وبقدَم ثابتة على طريق الفقر المقدّس والبساطة السَّعيدة" (السيرة الأولى ـ شيلانو 26).

نحن نعلم أنّ فرنسيس لم يكن ذا علم ومعرفة لاهوتيّة، فمن أينَ له هذه القدرة على التنشئة والتعليم لمبادئ جديدة؟

حتمًا، كما يقول شيلانو، إنّ لعمل الرّوح القدس دورًا أساسيًا في هذا، حيث تجاوب فرنسيس مع عمل الرّوح فيه فكان يمتلئ يومًا بعد يوم من نِعَمه. نرى دائمًا هذه الناحية في جوهر الروحانيّة الفرنسيسيّة، بقدر ما يغوص الإنسان في معرفة الله من خلال كلمته وأسراره وفي الصَّلاة، ينال موهبة المعرفة. هذا ما حقّقه القدّيس فأصبح منشِّئًا لإخوته باكتشافه جوهر الإنجيل، ألا وهو الفقر الذي ينعته شيلانو بالمقدّس والبساطة التي تمنح السّعادة الحقيقيّة.

من هنا نفهم الثمر الذي يعطيه الولاء الكامل للربّ الذي وعدَ بقوله: "طوبى لفقراء الرّوح، فإنّ لهم ملكوت السّموات" (متى 5: 3). تطبّقت على فرنسيس نعمة فهم الملكوت أي المسيح، فهو كحبّة الخردل التي تنمو (13: 31 ـ 32)، كالطفل الذي وضع نفسه ليكون الأكبر في ملكوت السموات (متى 18: 4). هكذا طلبَ القدّيس ملكوت الله فازداد كلّ شيء (متى 6: 33).

 

ما دور الرّحمة في هذه المسيرة؟

يكمل شيلانو كتابته عمّا جادت به الرّحمة على فرنسيس من مواهب بقوله: "وفي ذات يوم، وقد امتلأ إعجابًا ممّا جادت عليه رحمة الله من مواهب، تمنّى على الربّ أن يعرف مستقبل حياته وحياة إخوته. لهذه الغاية انعزل حسب عادته في مكان مُلائم للصَّلاة أقام هناك وقتًا طويلًا يبتهل بخوف ورعدة إلى سيّد الأرض كلّها ويستعيد بمرارة ذكرى السنوات التي بدّدها  في الشّرور ويُردّد: "اللهمَّ ارحمني  أنا الخاطئ". وما عتمَ أن شعر  في قرارة قلبه بفرحٍ لا يوصَف وبعذوبة لا تحدّ، وبدا كمَن استفاق إلى ذاته وزال عنه تلبّد في نفسه من قلق وظلام من جرّاء خوف الخطيئة، وأتاه إلهام باطنيّ يؤكّد له أنّ كلّ خطاياه قد غُفرت وأنّه يعيش في حالة النعمة. بعد ذلك شعر وكأنّه اختُطف بالرّوح وأحاط به نورٌ ساطع وسّع أفق أفكاره فتمكّن من مُشاهدة المستقبل بحريّة. ولمّا غاب عنه ذلك النّور وتلك العذوبة بدا وكأنّه إنسان آخر يتحلّى بروح جديدة" (السيرة الأولى ـ شيلانو 26). يُظهر هذا النص عدّة عوامل تتعلّق بأهميّة الرّحمة في المسيرة الفرنسيسيّة:

 

أوّلًا،ارتباط الرّحمة بجودة الله تجاه الخاطئ.

أقرّ فرنسيس بخطايا ماضيه، وكان لديه خوف من أنّه غير مُستحقّ رحمة الله التي جادت عليه بالمواهب. فهو في عدم استقرار بسبب ذلك الماضي الذي صار ألمًا بعدَ أن اكتشف حقيقة الله. لذلك أصرّ أن يستشفّ موقف الله من ماضيه، وأن يعرف مستقبل إخوته، وكأنّ المُستقبل يتعلّق بسيرة قداسته. فلجوءَه إلى الصّلاة هو من أجل التحقق من وسع آفاق الرّحمة الإلهيّة في حياته وفي مسار الحياة الجماعيّة.

ثانيًا، ردّد فرنسيس في صلاته عبارة إنجيليّة: "أللهمّ ارحمني أنا الخاطئ"، على غرار العشّار في الهيكَل، وعلى غرار بولس الرّسول الذي اضطّهد أتباع المسيح، فعانى من ألم الماضي السيّئ بعد توبته، وعمل جاهدًا على إتمام شوطه متحمّلًا المعاناة من أجل الرَّب. هذا ما عبّر عنه بولس في (2 قور 12: 9 ـ 10): "فقال لي: حسبُكَ نعمتي، فإنّ القدرة تبلغُ الكمال في الضعف فإنّي بالأحرى أفتخرُ راضيًا بحالات ضُعفي لتحلّ بي قدرةُ المسيح. فلذلك فإنّي راضٍ بحالات الضُّعف والإهانات والشّدائد والاضطهادات والمضايق في سبيل المسيح، لأنّي عندما أكون ضعيفـًا أكون قويًا". كلُّ تائبٍ يشعر بفرح حضور الله في حياته، يتمّ ذلك الفرح باكتشاف رحمة الله له. فعلى رغم البُعد والإهمال لمشيئة الله ولوجوده وللخطايا والضّياع، يفرح الله بعودة الإنسان إليه، ويبتهج الإنسان حين يشعر أنّ الله قد رحمه، وغفر خطاياه وأصبحت من الماضي المنسي.

عندما شعر فرنسيس بعمق محبّة الله له، تمكّن من مشاهدة المستقبل، وهذه علامة للتحرر الداخليّ، حيث أصبح إنسانًا آخَر.

إذًا تساعدنا رحمة الله على التحوّل وعلى أن نصبح خليقة جديدةً، فحيث الضّعف، هناك قدرةٌ لرحمة الله.

 

كان فرنسيس كلّما رغب في تعميق رحمة الله في حياته، يلجأ إلى الصَّلاة كسبيلٍ وحيدٍ للعلاقة معه. يُشدّد بونافنتورا على هذه الناحية في كتاباته، حيث يقول: "وذات يوم، بينما كان يُصلّي في عزلة وانفرادٍ، مُستغرقـًا في دُعاءٍ حارٍ وابتهالٍ عميق، وكان يبكي في حرقةٍ وحرارة، مُتذكرًا سنين حياته الماضية، وسائلًا الله أن يساعده ويغفر له، وأن تُمحى زلّاته التي ارتكبها في سالف أيّامه. عند ذلك، شعر بأنّ الله قد سمع دعاءه، وأحسَّ بأن فرح الرّوح القدس اجتاح كيانه وغمر نفسه، فأيقن أنّ الله قد غفر له كلّ ذنوبه، كأنّه قد اغتسل بماء طهور. وإذا به يغيب في عالم نوراني حيث تجلّت أمام ناظريه صورةٌ مشرقةٌ لمستقبل دعوته ومستقبل أتباعه" (السيرة المطوّلة ـ بونافنتورا 3، 6).

 

هذا، يُشير إلى عمل فرنسيس الدّائم على إزالة الغرور والكبرياء من حياته، والتمثّل بالتواضع الذي أظهره الله في تجسّده ومسيرة حياته العلنيّة.

إذ كان يرغب في أن يشبّه بالمعلّم، المسيح، في كلّ شيء، خاصةً في إحباط عمل الشيطان الذي يعمل في تعطيل مسيرته هو ورفاقه الحاضرة والمستقبليّة. عاش فرنسيس في قلق حيال هذا الموضوع، وأراد أن يلتمس رحمة الله بما يخصّ أخطاءَه الماضية، والتحقق من رضى الله على حياته الحاضرة والمستقبليّة، له ولرفاقه. فأجاب الله القدّيس عندما شعر بأنّ الربّ قد سمع نداءه، وأيضًا عندما شعر بفرح الرّوح القدس يغمر كيانه، وبأن الرَّبّ قد سمع نداءه، وأيضًا عندما شعر بفرح الرّوح القدس يغمر كيانه، وبأنّ خطاياه قد غُفرت فطهر. نستشفّ من هذا الحدث قدرة الرّحمة الإلهيَّة في حياة الخاطئ الذي يستسلم لإرادة الله بتوبة حقيقيّة، وأنّ الفرح الحقيقيّ لا يأتي من العالم، بل من الله برأفته للخاطئ. تكشف العلاقة مع الله، التي تتمّ في الصَّلاة، عن رضاه الذي يغمر الإنسان بعطفه وحنانه الأبويين. تلك هي حالة الله الذي لا يرفض توبة أبنائه، ويغمرهم  باليقين حيال الماضي، وبالرَّجاء للمستقبل.

 

لم يرضخ فرنسيس أمام التجارب الشيطانيّة، فكان يستطيع دائمًا التملّص منها بنعمة  إلهيّة. فكما جُرِّب المسيح طوال حياته العلنيّة حتى الصّليب، مُنتصرًا عليها، هكذا فرنسيس، بعد أن مُحّص كما يُمحَّص الذهب على النار، استطاع الانتصار على المكايد الشيطانيّة. في هذا الصدد، يُخبرنا شيلانو عن تجارب فظيعة بعد انتهاء القدّيس من الصّلاة، إذ انكبّت عليه الشياطين، وأخذت تضربه حتى تجعله بين حيٍّ ومَيت. وبعد أن استطاع التخلّص منهم، دعا رفيقه ليكون بقربه لأنّه كان  يرتجف كما لو أُصيب بالحمّى (راجع السيرة الثانية ـ شيلانو 119).

 

أمّا في السيرة الثانية ـ شيلانو 120، فيُكمل الكاتب ما حدث، بالكلمات التالية: "فأمضيا تلك الليلة مستيقظين، وأثناء ذلك، قال الأب لرفيقه: "إنّ الشياطين هم وكلاء الربّ، والله ذاته يوكل إليهم أمر معاقبة نقائصنا، وإنّها لدليل نعمة إلهيّة خاصّة، أن لا يترك الله في عبيده شيئًا بدون عقاب، ما دام  يحيا في هذه الدنيا. الحقّ  أقول  لك، إنني لا أذكر  أيّة خطيئة لم أكفّر عنها بالتوبة، برحمة من الله، لأنّ عطف الله الأبويّ كان يكشف  لي دائمًا  أثناء صلاتي  وتأمّلي ما هو مُحَبَّب لديه وما هو مكروه عنده. ولكن، ربّما أن يكون الربّ قد سمح لوكلائه بأن يُهاجمونني لأنّني لم أقدّم مثلًا صالحًا للآخرين عندما أُقيم  في قصور النبلاء".

من المستغرَب أن يجعل شيلانو، من الشياطين وكلاء الربّ، على لسان فرنسيس. هل الربّ يستعمل أو يستغلّ الشيطان لأهداف جيّدة؟ نحن نعلم أنّ الشيطان هو عدو الله والإنسان معًا، وحيث يكون الله، لا يستطيع الشيطان شيئًا. ولكن فرنسيس يريد القول إنّه، مُعاقبةً لنقائصنا، يسمح الله للشيطان بتجربة خائفيه، كي يتمكّنوا بانتصارهم عليه أن يُكفّروا عن خطاياهم الماضية ويستحقوه.

 

يذكّرنا هذا بحوار بين الله والشيطان حيال أيّوب الذي يمثّل كلّ منّا. إنّه جادٌ في حياته ويحترم الله بأعماله بدون معرفته عن قرب، ينعته الكاتب بالصفات التالية: "وكان هذا الرجلُ كاملًا مستقيمًا يتّقي الله ويُجانب الشّر" (أي 1: 1). كان أيّوب حريصًا على إرضاء الله، ولكن هذا لا يُرضي الشيطان الذي يحاول  دائمًا إبعاد البشر عنه.

 ولكن كيف تمّ الحوار وكيف دخل الشيطان في لعبته هذه؟ يقول النصّ: "واتّفق يومًا أن دخل بنو الله ليَمثُلوا أمام الربّ، ودخل الشيطان أيضًا بينهم. فقال الربّ للشيطان: "من أين أقبَلتَ؟" فأجاب الشيطان، قال للربّ: "من الطَّوافِ في الأرض والتردّد فيها". فقال الربّ للشيطان: "أمِلتَ بالكَ إلى عبدي أيوب؟ فإنّه ليس له مثيل في الأرض، إنّه رجلٌ كاملٌ مُستقيمٌ يتّقي الله، ويُجانب الشَّر".  فأجاب الشيطان الرّب قال: "أمجانًا يتّقي أيوب الله؟ ألم تكن سيّجتَ حولَه وحولَ بيته كلّ شيء له من كلّ جهّة، وقد باركتَ أعمال يدَيه، فانتشرت ماشيته في الأرض. ولكن ابسُط يدَكَ، وامسسْ كلّ ما له فترى ألّا يُجدِّف عليكَ في وجهك". فقال الربّ للشيطان: "ها إنّ كلّ شيء في يدكَ، ولكن إليه لا تمدُد يدكَ". وخرج الشيطان من أمام وجه الرّب" (أي 1: 6 ـ 12)

 

في هذا الحوار الصُوَري، نرى أنّ الشيطان يريدُ أن يحطِّم إيمان أيّوب بحجّة أنّ صدقه تجاه الربّ ليس سوى من أجل غاية، أي استغلال مجانية الله لخيراته له. غايةُ الشيطان هي هدم حياة الإنسان المُمثَّل بشخص أيّوب. أمّا غاية الله فيه امتحان إيمان الإنسان من أجل نموّه، واستحقاق الخلاص.

تمّت نهاية أيّوب بالانتصار على عدوّه وعلى الذين هزئوا منه. والعبرة من ذلك نجدها في نص الختام، حيث يقول الكاتب ما يلي: "وأعاد الربُّ لأيّوب مكانته، لأنّه صلّى لأجل أصدقائه. وزاد الله أيّوب ضعفَ ما كان له قبلًا" (أي 42: 10).

هذا ما حصل لفرنسيس، في صبره على غرار أيّوب، استحقّ أن ينال رحمة الله. في تأكيده أنّه كفّر عن جميع خطاياه بالتوبة، نفهم حِرصه على إرضاء الله الذي أعلن له عن ولائه الكامل. أيضًا نستطيع أن نرى الضمير الحي الذي تحلّى به القدّيس في علاقته مع الربّ، الذي كشف له اختلائه عن كلّ ما هو مُحبَّب لديه.

 يُلمِّح فرنسيس أن تجاربه في  تلك الليلة، هي بمثابة توعية لذاته، إذ كان يجدر به عدم  الموافقة على أن ينام في قصر، تلبيةً لدعوة الكردينال ليون في روما (السيرة الثانية ـ شيلانو 119).

 فكان ذلك بمثابة تنبيه لفرنسيس لإدراك مسؤوليته في عدم تشكيك الآخرين لوجوده في مكان فخم. لذا سمح الرّب أن يُجرَّب، لتوعيته على مسيرة فقره وتجرّده، وإعطاء المثَل للباقين. يسير بنا هذا التفكير إلى التماس فرنسيس رحمة الله الذي غمره بِنعَمه وحبّه.

 

 

                                                 الأب نضال أبو رجيلي الكبوشي