رسالة القدّيس يوسف

 

 

رسالة القدّيس يوسف

 

 

 

رسالة القدّيس يوسف

 

مقدمة

إنّ مخطّط الفداء لم يأتِ بالوحي، فجأةً ولمرّة واحدة، في سرّ التجسُّد. فميلاد الكلمة-الله، الذي وَلَدَته الأم البتول في العالم، لم يكن ليلفُت الأنظار، ويُذهل العقول، لو أنّ الله لم يُهيّئ لهذا الحدث بفعّاليةٍ كبيرة، شكّلت الإطار الأخلاقيَ العميق. فقد كان بامكان الله أن يصل إلى مبتغاه بطرقٍ فائقة التصوُّر، إنّما "بحكمتِه اللامتناهية اختار الطريق الأسهلَ والأجمل، بدلَ أن يفرِضَ ذاتَهُ بقوّةِ قدرته. هذا ما يتطلّبُه مخطَّطُه بشأنِ تجسُّد ابنهِ الوحيد... فحين كشَفَ عن بتوليّة مريم، أظهرَ مسبقًا، عظمة الرَّبِّ يسوع. فماذا ينبغي فعلُه للوصولِ إلى هذه الأهدافِ الثلاثة: حماية وجود يسوع، والسمعة الصافية لأمِّه، والدعم الامل لكلٍّ منهما؟ علينا إيجاد حجابٍ يحمي زواجًا طاهرًا مقدَّسًا، ومِنْ ثَمَّ اتحادُ زَوْجٍ بتولٍ بأمّ عذراء".

في هذه الحالة تبدو لنا رسالة القدّيس يوسُف، في موضوع التجسُّدِ، جوهريّةً لضرورة ولادةِ الربّ المسيح وعيشه حياةً خَفيَّةً على ما أرادتُه العناية الإلهيّة، دونما مساومةٍ في ما يخصُّ الشرفُ والكرامة الإنسانيّة.

 ففي زواجِهِ من البتول، حافظَ أوّلًا على بتوليّةٍ مُخصِبةٍ لأمّ الله، وأصبح ثانيًا حارسًا لطفولة المُخلِّص، وحمى أخيرًا سرّ التجسّد. تلك هي الأهدافُ الثلاثة لرسالة القديّس يوسُف.

 

 

رسالةٌ تجاه بتوليَّةِ مريم

إن الهدفَ الأوّل من رسالةِ القدّيسِ يوسُف هو الحفاظ على بتوليّة مريم بالإرتباط بعقدٍ حقيقي مع التي ستُصبح أُمًّا لله. فهناك عقدُ زواجٍ صحيحٍ بين مريم ويوسُف البار، لأنَّ النصّ الإنجيليَّ يؤكد ذلك بوضوح، وما من مجالٍ للشك بذلك. فالقدّيس توما الأكويني يُشير إلى الملاءمةِ التامّة لهذا الزواج، وهذا ما حمى شرف الإبن والأمّ معًا. فإنْ كان هذا الشّرفُ في يوسُف عضدًا ضدّ أي شكٍ حاصل.

لم يكن نذر البتولية عند مريم، أو عند يوسُف، عائقًا أمام صلاحيّةِ أو حتى شرعيَّةِ زواجهما. فاللاهوتيّون يشرحون ذلك في تعليمهم بالقول: "إنّ عيش الزواج لا يتوقّف على صدق النوايا الأوليّة عند العروسين، ولا يدخل في غائيّة العقد". فالطابع السماويّ، لزواج القدّيس يوسُف والقدّيسة العذراء، يُظهِر أنَّ الهدفَ، من إعطاءِ ذواتِهما لبعضهما البعض، هو المحافظةُ على بتوليَّتيهما.

حتّى الآن، نجد أنَّ خُصوصيّة الزَّواج، بما فيها الطفل، ثمرة اتحاد الرجلِ بالمرأة، لم يكن مخالفًا بشيءٍ في هذا الإرتباط. فبعد إبرام العقدِ والإتفاق، ضمن هذا الحبّ الزوجي الملتزم والنقي، في زواج يوسُفَ ومريم، يشرح بوسوييه (Bossuet) بأنَّ: "هذا الطفل المبارك، أتى بطريقةٍ أو باُخرى، من الإتحاد البتولي لهذين العروسين... أفَلَم نقُل بأنّ بتوليَّةَ مريم هي التي جذَبَتْ الرَّبَّ يسوع من السماء؟... أفلا نستطيع أن نقول بأن طهارتها هي التي أعتطها الخصوبة؟ فإن كانت طهارتُها هي التي أخصبَتها، فلا أخافُ من أن أؤكّد بأن يوسُف، يشكِّلُ بحدّ ذاته، معجزةً كبيرة. ذلك لأنّه إنْ كانت هذه الطهارة الملائكيّة مُلكُ مريم الإلهية، فهي إذًا الملجأُ للبار يوسُف".

وهكذا نفهم، في زواجٍ مقدّسٍ وشريف، لماذا أخفى يوسُف السرَّ عن أعين الناس، ذلك من أجل المحافظة على بتوليّة مريم وأمومتها الإلهيّة.فانجيل متّى يستنتج أيضًا بأنَّ يوسُف لم يُتمم عقد هذا الإرتباط البتوليّ إلّا بعد أن اكتشف حَبَل خطّيبته.

ملاحظة: إن الخطوبة اليهوديّة في أيّام القديس يوسُف، كانت تُعطي الحق الكامل للزوج على خطّيبته، حتى قبل عقد الزواج، فإن المخطوبة مُجبرة على السَّكن في بيت عريسها.

هذه التقاليد تشرحُ لنا تمامًا ما يقصِده متّى 1/ 18. فالآيات التي تُتّبَع لا تسمح بأن نستنتج بأن يوسُف يتّهم مريم بالخطيئة.

فمن دون شك، إن يوسُف لم يكن قد اُعلِمَ بعدُ بسرّ التجسّد، لكن لقناعتِه بطهارةِ مريم، تملّكَتهُ القناعة أنَّ هنالك أمرًا فائقَ الطبيعة، وعلى الرُّغم من الحسابات البشريّة التي سيطرتْ على قراره، فقد اتّخذ الحلّ الصارم بأن لا يُشهِّر بها علانيّةً، بل أن يُخليها تاركًا لله أمرَ الإعتناء بتسوية الأمر.

هذا التوضيح ليس بالتفسير العاديّ، إنّما يأخُذ بالإعتبار ما تَعنيه هذه الآية "كان رجلًا بارًا".

 

 

رسالة تجاه الطفل يسوع

إنّ طفولة يسوع هي الوديعة الثانية الموكلة إلى أمانة يوسف. لكن على أي أساسٍ وَثِقَ به يسوع؟

علينا أن نتذكّر أنّ تربية الطفل هي الهدف الأساسي للزواج. ففي ما يخصّ حالة زواج القديس يوسف والقديسة العذراء، فإنّ الطفل يسوع يشكّل ثمرة هذا الإتحاد البتوليّ لمريم، التي هي بمثابة المستودع الحاضن، لكنّها تعيش في عهدة القديس يوسف. هذا الإتحاد، يبقى ضمن مخطّط الله، وهو موجّهٌ نحو تنشئة الله - الإنسان.

ليس كافيًا أن نسمي القدّيس يوسف أبًا شرعيًا أو أبًا بالتبني أو معيلًا للطفل يسوع، فهذه التسميات التي نجدُها في كتابات العديد من آباء الكنيسة، لا تُعطينا إلّا حقيقةً ناقصة.

إنّ كلَّ ما يختصُّ بالخدمة الأبويّة قام به يوسف تجاه الطفل يسوع، أمّا في ما يخص العمل الخاص بزواج رجلٍ من امرأة فلم يقم به. هذه هي العقيدة التي أوضحها القدّيس يوحنا فم الذهب. فشروحات بوسوييه نجدها مُختصرة في ما قبل عند القديس توما الاكويني، حين يشرح كيف أنّه، بتدبيرٍ خاص من العناية الإلهيّة، جاء الطفل يسوع، ثمرةً لارتباط يوسف ومريم: "فالطفل ليس ثمرةً جيّدةً لزواجٍ ناجحٍ، فقط لأنه ولد بواسطة التزواج، إنّما هذا الزواج كان من أجل غايتين هما ميلاد الطفل وتربيته".

وهكذا فإن يسوع هو ثمرةُ هذه الحياة المشتركة بين يوسف ومريم. لكن لا مشاركةً في الولادة بل في التربية.

في الواقع إن طفلًا مولودًا من زانية، أو طفلًا بالتبنّي لا نسمّيه ثمرة زواج والديه، لأنه في هذه الحالة لا يُطلبُ من الزوجين الإهتمام بتربية الأطفال، بينما بالنسبة إلى زواج يوف ومريم، بشأن ولادة وتربية يسوع، فالأمر أتى من عند الله.

فكما أّنّ ابوّة بوسف مميّزة وتنطلقُ، خارجًا عن كلّ تصنيفٍ مُحتمل، فمن غير المعقول أن نعطيها اسمًا مناسبًا يخصُّها. والكردينال بيلو يؤكد أنّه من السهل جدًّا أن نعرف الأسماء التي تتناسب مع هذه الأبوة.

أمّا كورناي دولابيار فيصف يوسف بأنّه: "أبٌ بفاعليّة عقد الزواج". فالإسم الخاص الذي يُعبِّر عن الرابط الذي يجمع يوسف بيسوع، يتخطّى مفاهيمنا. وتسمِّيه الليتورجيا نائب الأبوّة.

 

رسالة تجاه سرّ التجسّد

إنّ على سرِّ التجسّد أن يبقى محجوبًا عن الناس خلال حياة يسوع الخفية. إنّما، من أجلِ حمايةِ بتوليّةِ مريم، وتربية الطفل الإلهي، فمن المفترض أن يُعلنَ هذا السرّ إلى الإنسان المختار من قبَل الله كي يكون عروسًا لمريم، ويُتَمِّم الحقوق كواجبات الأبوّة تجاه يسوع.

فدعوة يوسف، تأتي على عكسِ دعوة الرُّسُل، هم كالنور يَكشفونَ الطريق أمام يسوع، وهو كالحجاب ليسترَه. يوسف كان هذا الحجاب، حتى في وجه الشيطان، حسب رأي الشهيد أعناطيوس، وقد أشار إلى ذلك وردده القدّيس إيرونيمس.

بما أنّ المسح، الله - الإنسان، كان عليه أن يعيش حياةً مُتخَفِّية لزمن محدَّد، فيوسف، المسؤول عن هذه الحياة الخفيّة المُرافق والحافظ للسرّ الذي يختبئ وراءَه حدث تجسّدِ ابن الله، كان عليه أن يتوارى عن مسرح الوجود العلني في هذا العالم، قبل أن تكشفَ كلمةُ السماء، لابن زكريا في البرية، عن ظهور المسيح الموعود به واعتلانه.

 

هكذا وفي خضمّ العتمة التي لفّت حياة يوسف، أكمل رسالتًه السامية، ثمَّ أسلم روحه لله قبل أن يَعاَلنَ يسوع أمام العالم إنسانًا وإلهًا معًا. وهكذا رُفعَ الحجاب الذي أخفى سرّ التجسّد لفترةٍ، فصار بوسع البشر، رويدًا رويدًا، أن يعتادوا على إدراك سرِّ المسيح دونَ الحاجةِ إلى وجود أبٍ بحسب الجسد.

 

 قاموس اللاهوت الكاثوليكي 1908