روحانية الأخ إسطفان نعمة (1889 - 1938)

                                                                                  روحانية الأخ إسطفان نعمة                                                                                   

 

 

روحانيّة الأخ إسطفان نعمة

 

عاش الأخ إسطفان، في أديار الرّهبانيّة، وعمل مع إخوته الرُّهبان ومع الأجراء العاملين بصمت. كان الجميع يحبّه ويحترمه، وكان مشهورًا بعدله واستقامته، وفق شهادة الجميع. عاش حياة مستترة مع المسيح، لم يعرف البطالة ولا الدّالّة مع الأجراء العاملين. فكان وقت إقامته في الحارات مع الأجراء، يسمح لهم بالسّهر والتسلية لكن بصوت منخفض، بينما هو يقوم بإصلاح معدّات الفلاحة أو ما شابه، وينفرد بعدها في قلايته للصّلاة والرّقاد.

 

كانت الزيارة الرّسولية المنشأة سنة 1907 والتي بقيت مفتوحة لغاية سنة 1952، بحسب أوامر الكرسيّ الرّسوليّ، تشدّد على حفظ الحياة المشتركة والمساواة بين الرُّهبان، والحفاظ على روح الفقر، والاهتمام بالمرضى، وتجنّب البطالة وعدم مخالطة العاملين.

 

 إنّ تشديد الزيارة الرّسولية على هذه المواضيع متأتٍّ من التراخي الحاصل بين العديد من الرّهبان، فجرت العادة، خلافًا  لقانون الرُّهبانيّة، أن يضع بعض الرّهبان طعامًا في قلاليهم، فيأكلون عند الجوع، أو يقتنون بعض الأشياء أو الملابس الإضافية خوفًا من إهمال الرؤساء لتقديم ما يلزم من الكِسوة أو التدفئة.

 

وكان البعض من الكهنة يحتفظون بحسنة قدّاسهم أو بإحسانات تقدّمت عن يدهم أو بإكراميّات لقاء خدمات تعليميّة أو لقاء رياضات روحيّة ألقوها في الرَّعايا أو غير ذلك. كما كان بعض الرّهبان يقتنون بعض الأموال خفية عن رؤسائهم. بهدف الطبابة في حال وقوعهم في مرض وغير ذلك من الأمور الضروريّة لتأمين معيشتهم. لجأ الرّهبان إلى مثل هذه الممارسات المخالفة نظرًا لتقصير الرُّؤساء في واجباتهم.

حاولت الزيارة الرسوليّة أيضًا العمل إلى جانب الرئيس العامّ والمدبّرين لإتمام الإصلاح الذي باشره الكرسيّ الرّسوليّ منذ سنة 1895، لتطبيق مستلزمات الفقر والحياة المُشتركة. وفي هذه الحقبة أيضًا حاولت الرّهبانيّة منذ سنة 1911، تطوير قانونها وفرائضها بحسب متطلّبات العصر، فانتهت هذه المحاولة بإصدار الرّسوم الرُّهبانيّة سنة 1938، السنة التي فيها فارق الأخ إسطفان الحياة.

عايش الأخ إسطفان كلّ هذه الأمور، بخفر وصمت وفطنة، لم يتذمّر من الواقع الحياتيّ، ولا من الاختبارات الفاشلة التي رآها ولمسها عن قرب، بل رأى واقع الحياة من منظار مختلف، فهو تلميذ ماهر لإغناطيوس التنوريّ كما أنّه ثمرة مباركة في كرم الرهبانيّة خلال مرحلتها الإصلاحيّة الإنتقاليّة، وهو من الأشخاص الذين سعوا أن يطبّقوا بجهد وصدق ما تعلّموه وما كانت تصبو إليه التوجيهات الإصلاحيّة، فأثمرت جهودهم وتحقـَّق موضوع إيمانهم ورجائهم ألا وهو العيش مع المسيح والموت من أجله.

 

 

اهتمام الأخ إسطفان بالدّعوات الرهبانيّة والكهنوتيّة

 

لقد تعرَّفنا على دعوتين رهبانيتين اهتمّ بهما الأخ إسطفان نعمة، دعوة الأخت مارينا إبنة شقيقه، وهي راهبة في دير مار يوسف جربتا، فهذه كانت تردّد على الأخ إسطفان الذي كان في دير سيّدة المعونات في جبيل وتقول: "أنّه حبّب إليها الرّهبانيّة بحكمته وسداد رأيه الصّائب". والأخ شربل نعمة. فهذا استدعاه الأخ إسطفان ليُقيم معه في كفرصيّادا ويساعده في عمل الحقل، إذ كان عمره يقارب الخامسة عشرة.

 

تربّى شربل على يد إسطفان فترة من الزّمن وعمل معه في جنائن كفرصيّادا، وعندما أبدى رغبة في اعتناق الحياة الرّهبانيّة مانعه الأخ إسطفان. وفي سنة 1938 طلب الأخ إسطفان من شربل العودة إلى بيت ذويه نظرًا للتشكيلات الجديدة في الرّهبانية، إنّما بعد انتقال الأخ إسطفان إلى كفيفان انتقل معه شربل أيضًا. وبعد وفاته بسنة ونيّف دخل شربل الرّهبانية وترهّب وعاش على خطى معلّمه إسطفان.

كذلك اهتمّ الأخ إسطفان بدعوة إبن شقيقه، الخوري بولس نعمه يقول هذا الأخير: "قد حبّب (الأخ إسطفان) إليَّ روح التقوى وشوّقني إلى الكهنوت وأعطاني المثل الصّالح...

 

 

من الكلمات المنقولة عن الأخ إسطفان

في الليلة السّابقة لسيامته الكهنوتيّة قال الأب يوسف كيروز للأخ إسطفان: يا معلّمي أخ إسطفان، بقي لي هذه الليلة أخ. فقال الأخ إسطفان: وهل تظنّ أن القسوس يأخذون السّماء قبل الإخوة؟ أنا سأسبقك إلى السّماء.

 

علاقة الأخ إسطفان بالأرض

يجدر القول أنّ مداخيل الرّهبانيّة كانت من منتجاتها الزراعيّة. فالأرض هي المصدر الأساسيّ لمعيشة الرُّهبان، فالاهتمام بها كان من الضروريّات الأساسيّة.

ودرجت العادة أن يكون عمل الأرض من شأن الإخوة العاملين، لذلك أصابت البطالة العديد من الكهنة، الذين كانوا يفضّلون خدمة الرعايا والتعليم في المدارس والتفرّغ إلى تأليف الكتب.

هذا الواقع خلق صراعًا في صفوف الإخوة. ولكن إذا أخذنا المسألة من وجهها الآخر، نجد أنّ الأرض هي مدرسة قداسة ومصدر روحانيّة.

 

فصلاة الرّهبان لا تخلو من إنشاد آيات بيبليّة وآيات إنجيليّة تتمحور حول الزّرع والحصاد، وحول الكرمة والأشجار المثمرة، كما تشبَّه السنة المبنيّة على إثني عشر شهرًا بالرّسل الإثنيّ عشر، وتمجّد الله الخالق الذي سلّط الإنسان على الأرض وما فيها من نبات وحيوان، إلخ.

فعندما يبذر الرّاهب حبّات القمح في الأرض يتذكّر بأنّ  "الحبّة التي تقع في الأرض، إن لم تمت تبقى مفردة". وبين الزرع والحصاد يتذكّر الأمثال التي أعطاها يسوع للجموع والتعاليم التي ألقاها حول مجيء إبن الإنسان. وباهتمامه بالكرمة وبأغصانها وقطف ثمارها وعصرها وتقدمتها فيما بعد على المذبح، يحقـِّق الرّاهب ما علّمه يسوع وعاشه. وكلّما قلّم أشجار الزّيتون يتذكّر قول بولس الرّسول حول الزيتونة في رسالته إلى الرّومانيِّين، إلخ...

إنّ العمل الذي قام به الأخ إسطفان كان له بمثابة مصدر روحانيّة، ومصدر إيمان ورجاء لأنّ الزارع والسّاقي يكمّلان عمل الربّ الذي يُنبت. فالأرض لا تعرف الرّاحة ولا البطالة، كذلك الذي يعمل فيها. يتعب الرّاهب العامل، ويُتعِب معه الأرض، فيرتزق بتعبهما الدير كلّه ويعيش الرّهبان من سخاء عرق جبين الرّاهب ومن جنى كرم الأرض.

إنّ صورة الأخ إسطفان هي صورة مثاليّة لصور رهبان إخوة عديدين عاشوا حياة مستترة مع المسيح، وتعلّموا الإنجيل من خلال عملهم، واستمدّوا روحانيتهم من هذا العمل. ويكفي أن نورد ما يردّده اليوم رهبان الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة بقولهم وتأكيدهم: "قامت الرّهبانية بفضل سواعد الإخوة، وهم مثّلوا الاستمراريّة في الأديار، إنّهم الأمّ الحنون، وركيزة أديارنا واستمراريتها". ونظرًا لندرة الإخوة العاملين اليوم في الرّهبانية أردف أحد الرّهبان قائلًا: "إنّ جسد الرهبانيّة يتشوّه إذا فقد رأسه ورجليه: فرأسه الحبساء، ورجلاه الإخوة العاملون."

 

 

فضائل الأخ إسطفان : بحسب بعض معاصريه

 كان الأخ إسطفان يردّد دائمًا هذه الجملة: "الله يراني"، فيقوم بأعماله وصلاته كأنّه دائمًا في حضرة الله. كان متواضعًا، قليل الكلام. شهد العديد عن الأخ إسطفان بأنّه كان يعمل بفرح، وكان الجميع يحبّه. وقد شهد السيّد نعيم خليفة من دريا (في 17 تشرين الأول سنة 2001، وهو بعمر 85 سنة) الذي كان يعمل طاهيًا في دير كفيفان، بأن الأخ إسطفان كان متقشّفـًا في طعامه ولا يتناول إلّا اليسير من الأطعمة المحضّرة، وكان يضع في صحنه قليلًا من الأرزّ المطبوخ ويضيف إليه بعض الماء ويأكل، فمرّة سألته لماذا تفعل هذا يا أخ إسطفان؟ فأجاب: "يا بني شو بدكن فيّ هيدي إماتة، أنا فرحان بما أفعله".

 

كان الأخ إسطفان ملتزمًا بصلواته اليوميّة، فإذا كان في الدير يصلّي مع الرُّهبان وإذا كان في الحقل، عند قرع الجرس، يتوقّف عن عمله ويركع ويصلّي، وكان يردّد دائمًا ترنيمة لقلب يسوع: "يا قلب الفادي، كلّ العباد..."

 

يروي لنا الشّهود أنّ الأخ إسطفان لم يسبّب حزنًا لأحد، بل كان محبوبًا من الجميع، كلّ الذين عملوا معه شهدوا عنه بأنّه كان راهبًا محقـًا، عادلًا، شفوقـًا ومحبًا للمساواة، ويُعطي كلَّ صاحب حقّ حقـَّه، لذلك كان العاملون معه يحترمونه كثيرًا. فإذا أخطأ يومًا، يستغفر ويقرّ بخطئه، فلم يكن يميّز في التراتبيّة والمكانة الاجتماعيّة بين راهب وعلمانيّ، فالذي يُخطئ يقرّ بخطئه أكان راهبًا أم علمانيًا. في مدّة إقامته في دير ميفوق كان يخدم تلامذة مدرسة الدّير على المائدة، ولم ينبس بكلمة مقاطعة على الإطلاق.

 

كان حنونًا، يحاول أن يؤمّن جوّ الرّاحة والفرح للعاملين معه. وفي كفيفان، كان يعمل في الأرض مع المبتدئين كواحد منهم. وفي دير سيّدة المعونات كان يعاونه الإخوة الدّارسون في بساتين كفرصيّادا.

تعلّم الأخ إسطفان ألاّ يضيّع وقته أبدًا، وكان يعيش طبقًا للمقولة الرّهبانيّة: "يكون الرّاهب إمّا مصليًّا وإمّا عاملًا، فكان في طريقه إلى الحقل، يحمل دائمًا معه مسامير، ففي حال انكسر شيء من آلات العمل يقوم بإصلاحها من فوره.

 

 وقد أخبر نعيم خليفة بأنّه في فصل الشتاء، كان هو والعمّال الآخرون يسهرون مع الأخ إسطفان، هم يشعلون المدفأة ويتسلّون، أمّا هو فيقوم بإصلاح صُمد الفلاحة أو ما شابه... بمعنى أنّ الأخ إسطفان لم يحافظ على الوقت كقيمة رهبانيّة تبعده عن البطالة، إنّما حافظ على مقتنيات الدّير واهتمّ بأن تكون كلّ المعدات الزراعيّة التي يستعملها جيّدة الاستعمال. وما كتبه رئيس دير كفيفان، الأب أنطونيوس نعمة اللحفدي، عن الأخ إسطفان في الروزنامة بعد وفاته، إنّما هو شهادة كافية لأمانة الأخ إسطفان لرهبانيّته ولنذوره: "كان أخًا عاملًا نشيطًا غيورًا على مصلحة الدير... وكان يتعاطى الأشغال الخارجيّة في الحقل، فطنًا بالأعمال اليدويّة، محافظًا على واجباته ونذوراته، قائمًا بما عُهد إليه أحسن قيام.

 

قبل تنقيبنا في سجلات الدّخل والصّرف الخاصّة بالأديار لم نكن على علم أنّ الأخ إسطفان كان يعاني من مرض مزمن معيّن أو أوجاع. لا بل كان الجميع يخبرنا عنه بأنّه كان يتمتّع بصحّة جيّدة وبنية جسديّة قويّة. لذلك تساءلنا بعد أن اكتشفنا كميّة المصاريف المتعدّدة المدفوعة على تطبيبه هل كان الأخ إسطفان يتحمّل أوجاعه ويشكر الله على ما أنعم عليه، ويثابر على أعماله في جنائن الأديار دون الالتفات إلى ضعف الجسد؟ أم أنّ الأمراض التي عانى منها لم تكن ذات أهميّة بالغة فلا يجدر الاهتمام بها والتوقف عندها؟

 

 

ختامًا يمكن القول أنّ صحّة الأخ إسطفان هي مدعاة للتساؤل والفضول، كما فضائله والتزامه الدائم بالمسيح. فلم يعد الأخ إسطفان الرّاهب المستتر، بل أصبح مدعاة فضول وتساؤل لكلِّ باحث ومدقّق عنه وعن تفاصيل حياته.

 

 

الأب  إيلي قزّي