شربل إنسان سكران بالله

 

شربل إنسان سكران بالله

 

 

حكايةُ شربل؟ إنّه إنسانٌ لَهَتْ أصابِعُه بكأْسٍ أتْرَعَتْها الملائكةُ مِن خمرَةِ الأزل، فسَكِرَ وطالَ سُهْدُهُ سبعين عامًا....

 

 

تلامِذَةُ المدرسَةِ الرّعائيّة، مدرسةِ "السّنديانة"، هم، في الوقتِ نفسِه، خُدّامُ كنيسة، وعملةٌ فلاّحون، ورُعاة.

 

 

كان على يوسُف (وهو اسم القدّيس شربل قبل أن دخلَ الرهبانية)، علاوَةً على تمَرُّسِه بأشغالِ الحقلِ، أنْ يَروحَ يرعَى بقراتِه وأغنامَهُ عَبْرَ حُقولِ "الجُرْدِ" وسُفُوحِ الرّوابي.

 

 

بقاعكفرا هي أحدُ المشارف العُليا، تتسامى كعنقودِ سُندُسيٍّ على طبَقٍ مِن لازَوَرْد. ألجمالُ، مِن حولِها، فردوسيُّ المباهِج، يسمُو برُوحِ الفَتى الشفّافةِ إلى عتباتِ مُبدِعِ الكون. طالما داعبَتْ روحُه الينابيعَ الرّقراقة تترنَّمُ على الحَصَى البيضاء، وآختِ الزُّهورَ تُرَصِّعُ خُضرَةَ الحُقولِ بسِحرِ الألوان، ورَهفَت لتسبحةِ الأطيار، وعندَلةِ النّسيمِ في أشجارِ السّنديان والغار، وألِفَتِ اللّفتَةَ السُّميا مع قِمَمِ "ضهرِ القضيبِ" الشّامخةِ فوقَ "أرزِ الربّ"، حيثُ تلتمِعُ الثُّلُوجُ حُلمَ بهاءٍ في نورِ الشّمس.

 

 

هنا، كما في لبنانَ جميعًا، تتعاقَبُ الفصُولُ ولا تتداخَل. ليس أفتَنَ للعَين وأبهجَ للنّفسِ مِنَ التأمّلِ برَوعةِ الألوان، تتفجَّرُ وتتبدّلُ عبرَ الفصولِ وساعاتِ النهار.

 

 

على ثُلوجِ القِمَم، والقُرى المُتوّجةِ بالقرميد الأحمر، وغابةِ الأرز، والوادي المقدّس، والبحرِ البعيد، اللامتناهي الآفاق، تشرُدُ العينُ كما في حُلْمٍ أخّاذٍ، شفّافٍ، ساحرٍ، أبعدَ من مَدى الحُلْم. مِن كلّ صَوبٍ تتجلّى الطّبيعةُ كأنّها مدُوفَةٌ بأقواسِ سحابٍ ما لتلاوينها عَدّ، فيرقُّ فيها الجمادُ ويصفو كأنّه ذوبٌ مِن الجمالِ ترشفُه الرّوح ولا تَرتَوي.

 

 

في هذا الإطارِ الجبليّ، البعيدِ عنْ مسالِكِ النّاس، بينَ التّغنّي والتّعجُّب، راحَ يوسُف يقودُ قطيعَه الصّغير. كان يَشعُرُ، في هذه العُزلةِ وهذا السُّكونِ، بالحُضورِ الإلهيّ، وبأنّ بدائعَ الطّبيعةِ تشدُو، حقًّا، بمجدِ الله... هنا يُحِسُّ بحُريّةٍ أوفَر، وبارتياحٍ أعمَق، وتختلِجُ نفسُه الفتيّة، تلقائيًّا، كأنّهما تُرَجِّعُ ارتعاشَ الصّمت. كلُّ ما حولَهُ خاشِعٌ يُصلّي، صلاةً لا يستطيعُ التفوُّه بمثلِها إلاّ السُّكارى برَحيقِ حُبِّ اللهِ في غبطةِ الوُجُد.

كذلِك، في حضرةِ الله، كانت أُمُّه تُصلّي، كان عَمُّه وإخوتُه وأهلُ قريتِه جميعًا يُصلّون...

هكذا راحَ يوسُف، عبرَ مباهِجَ الطّبيعة، يُصغي إلى سيمفونيّات إلهيّة، تُشيدُ بحضورِ اللهِ في كلّ همْسةٍ وزهرةٍ ومجرّة، وفي كلّ رملةٍ على شاطئ الوجود...

 

 

 

 

ألحياةُ بالله! ذلك مطمحُ حبيسِ عنّايا، كما اتّضحَ. عندَ بُلُوغِه إلى هذه الظّهيرة التي يرتَعِشُ لها كلّ شيء، عندما تشرَّبَه النّورُ واندَغَمَ فيه، أيّ عجَبٍ بعد، إذا ما راحَ بدْرًا ينْشُرُ على الملأ ضياءَ وجهِ المسيح.

ألقدّيس أُغنيّةُ حُبٍّ بين السّماء والأرض. حياتُه قربانُ الزمانِ للأبد، صُراخُ الأعماقِ في مسَامِعِ الذُّرى. تضحيّاتُ شربل وآلامُه مِن أجلِ العالَمِ سِلسِلةُ تعويضٍ وشفاعةٍ لا سيّما قداديسه المُجدِّدةِ تضحية الجُلجُلة.

كان شربل، على جبلِه، يحمِلُ هُمُومَ وطنه، الكبيرة. لم يتجرَّدْ عن دُنياه إلاّ ليَستمطِرَ عليها بركات السّماء. ألقداسةُ تطلُبُ السّعادةَ والخُلُودَ لجميع الأشياء.

 

 

 

مُواطِنُوه كانوا، بلا شكّ، يُثيرُون عميق اهتِمامِه، لا سيّما في تلك الحقبةِ السّوداءِ مِن حُكْمِ الأتْراك. ذِكرَى وفاةِ والدِه الفاجِعة تَحُزُّ في نفسِه. يُؤْلِمُه القضاءُ على كثيرين لم يَكُنْ لهم مَن يَحميهم مِنَ السُّخْرَةِ والتّجنيدِ في جيوش الأتراكِ والمَصريّين الذين يتنازعون الجبل. على أنّه كان يُكْبِرُ، أيضًا، شجاعة أولئكِ الأبطال اللبنانيّين الذين ناضلوا من أجل تحرير الوطن، أمثالِ يوسُف بَك كرم، ويوسُف الشّنتيري وأحمد داغر، وسواهم... كم شهد، منذ صباهُ، من كوارث تَحِلُّ بوطنه وشعبه المُسالِم: ففي عام 1840، كان شربل ابن اثنتَي عشرة سنة، عندما أشعَلَ الأتراكُ المنسحبون إلى المتْنِ بعد مُعاهدةِ لُنْدُن، نارَ الفِتنةِ بين الدُّروزِ والنّصارى، فتوالت بينهم المُشاحناتُ في جوٍّ مُتوتّرٍ مَحموم. شرارةٌ وتنشبُ فيه نارُ حربٍ أهليّةٍ ذميمة.

 

 

عام 1858، كان شربل، وهو طالِبٌ في دير كفيفان، قد بلغ الثلاثين حينما اشتعلت ثورةُ القُرويّين في كسروان ضدّ المشايخ المُتّهمين بالتّعاون مع الأتراك الظّالمين.

 

 

لا بُدّ لمأساةِ عام 1860 المُؤلمة أن تكون قد نفذَتْ أصداؤها حِصْنَ الدّير... كان شربل قد رُسِمَ كاهنًا، وهو في الثانية والثلاثين. يومَ ذاك، هجَمَ المُسلمون والدُّرُز، بالتآمر مع الأتراك، على قرى المسيحيّة في الشُّوف والمتن، وزحله، ينهبون ويُحرقون ويُفظّعون. حتّى إنّ الأديار لم تسلم من أذى هياجانهم كدير سيّدة مشموشة، ودير مار الياس الكحلونيّة، ودير مار موسى الدّوّار، ودير مار أنطونيوس في زحله. تسعة عشر راهبًا ذُبحُوا... وأربعة عشر ألف مسيحيٍّ استُشهِدوا...

 

 

 

 

ألوف النّاجين القادمين من السّاحل ومن القرى البعيدة كانوا يهرعون إلى عنّايا جياعًا، وسلبى، وأحيانًا جرحَى، يصفون مشاهِدَ راعبة: منازلُ تُدمَّر، وأشجارٌ مُثمرةٌ تُقطع، وقُطعانٌ تُنحَر، وبُيُوت دُودِ الحرير تُهدَم. والأفظعُ من هذا كلّه، ديرُ القمرِ تغرقُ في الدمّ، والكنائسُ تُنهبُ وتُحرق. وكم من جرائمَ أُخرَى نكراءَ يأبى القلمُ تسْطيرَها... والمجاعةُ، فوق هذه الفظائع جميعًا، راحَتْ تنْشُر أجنحتَها السّوداء على موطن شربل...

 

 

كانت أخبارُ هذه الكوارثِ تَحُزُّ في عظامِه، لكنّه لم يُبرح يُضاعِفُ إماتاتِه وصلواتِه، مُستمدًّا رحمة السّماء: "أللّهُمّ ارحَمْ شعبك، ولا تدفع ميراثك إلى العار، وإلى هُزءِ الأُمم".

هذه اللّوحاتُ الدّاميةُ كانت تُجرِّحُ ذكراه.كما أدمَى عينَيه حدثٌ مُؤلِمٌ في أسبابِه وأهدافِه، بُطوليٌّ في مَراحِلِه الدّامية استهدف الرّهبانيّة بالذّات. كان ذلك في عام 1874، سنةً قبل دُخُولِ شربل المحبسة:

شربلُ وأربعون من إخوته، رُهبانُ عنّايا، على مائدةِ الطّعام مساءً، وإذا براهبٍ من قُزحيّا يدخُلُ عليهم، مُرهقًا مِن تَعَب. كان قد مَشى طُولَ النّهارِ عبرَ الأودية والجبال. قبلَ أن يأخُذَ مكانهُ بينهُم على المائدة، أبلغَ الرّئيسَ نِداءَ استغاثةٍ من إخوتِه رُهبان قُزحيّا. كان الحاكِمُ التُّركيّ، رُسْتُم باشا، قد استجلبَ عشرين راهبًا منهم بِتُهمةِ العُصيان على رُؤسائهم وأجبَرَهُمْ على المُثُولِ أمامَه في إهدِن.

لدى استجوابهم، أغلظ لهم الباشا الكلام وتهدَّدهم، فامتعضوا وصمدوا بوجهه حتى الضّرْب دفاعًا عن كرامتهم. فأمر بعدئذٍ باعتقالهم وسوقهم مخفُورِين إلى سجن بيتِ الدّين عن طريقِ السّاحل.

هبّتْ لِنَجْدَتِهم جَمْهَرَةٌ من رُهبانِ أدْيِرَةِ جُبَيل والبَتْرُون ونَصَبُوا كَمينًا عِندَ جِسْرِ المَدْفُون كي يَنْقِذُوهُم مِن أيدي المُغْتَصِب. بَطَشوا بالجُنُودِ خُفَرائِهم بَطْشًا، واسْتَعَادُوا مُعظَمَ الأَسرى سالِمين. إنّما البَعْضُ قضَوا في السِّجنِ ضَحِيّةَ العُنْفِ والسّياسةِ الخرْقاء.

 

 

 

أمّا الآنَ فيستطيعُ شربلُ في مَحبَسَتِه تقديمَ القرابينَ عن أمْواتِ شَعْبِه وأحيائهم: يقرّبُ ذبيحَةَ القُدّاسِ الخلاصيّ. على الصّليبِ، طَلَبَ يسُوعُ الغُفْرانَ لِصَالِبيه. كذلِكَ شربلُ يَلتمِسُ الغُفْرانَ لِجَلاّدي بَني أُمِّه. إنّهُ كاهنٌ مُنتقَى مِنَ النّاس، كَي لا يَبْرَحَ وَسيطًا بين اللهِ والنّاس، يُسَرُّ إنْ فَرِحُوا، ويَغْتَمُّ إنْ حَزِنُوا. لقد جاءَ المحبسةَ لِتَوثيقِ علاقتِه باللهِ تَوثيقًا يَجْعَلُهُ مَسيحًا آخَرَ يَحْمِلُ آثامَ البَشَرِ ويَحمِي الأرضَ مِنْ غَضَبِ السَّماء.

 

 

 

 

 

كما الحَرْبَةُ تَرُدُّ الصَّاعِقةَ المُدَمِّرَة، كذلِك غدا شربل، على ذُرْوَةِ الصَّومَعَةِ، حَرْبَةً رُوحيّة، وأمْنًا وحِمًى مَنِيعا.

 

 

الحَبِيسُ في قُدّاسِه الأخير. نَحْنُ في السّادسَ عَشَرَ مِن كانونَ الأوّل، عامَ 1898، السّاعةَ الحاديةَ عشْرَة. شربل، بأعوامِهِ السّبعين، جاثٍ في الكنيسةِ منذُ ساعات. ها هو يَنْهَضُ مُرْتَعِشًا مِنْ صَقيع. رِيحُ الكَوانين تَعْصِفُ، والهواءُ يَقْذِفُ الزّمْهَرِيرَ مِنْ نافِذَةِ المَحْبَسَةِ وبابَيْهَا الخاوِيَيْن. أعضاءُ الحبيسِ تَرْتَجِفُ حَتّى العِظام؛ يَهِمُّ بارْتِداءِ حُلَّةِ القُدّاسِ، غارِقًا في صلاتِهِ العَقليّة.

 

إلى المَذْبَحِ يَصْعَدُ كما المسيحُ إلى الجُلجُلة. عَقْلُهُ وقلبُهُ وحواسُّهُ، كُلُّ كِيانِهِ يَغْمُرُهُ شُعورٌ أحد: أَلفداءُ بالصّليب، أَلفداءُ الذي يُسْهِمُ فيه بِسِرِّ القُدّاس. في مَدى عَينَيهِ وَمِلْءَ رُوحِهِ فِكرَةٌ أنْضَجَتْها أرْبَعون سنةً في الكهنُوت: ذبيحَةُ الجُلْجُلَةِ تتجدَّدُ، تَسْتَمِرُّ، تتمَدَّدُ في ذَبيحَةِ القُدَّاس، فتَشمَلُ جميعَ أعضاءِ الكنيسةِ في كُلِّ زَمانٍ ومكان.

 

 

 

 

سيَشترِكُ، مَرَّةً أُخرَى، اشتِراكًا فعَّالاً، حَيًّا، في عَمَلِ المَسيحِ الفِدائيّ. يَصْعَدُ بقلبٍ مضطرِمٍ لكي يمُوتَ سِرّيًّا - وفِعْلِيًّا هذِه المَرّة - معَ المسيحِ القُربان. عندَ التّقديس، يُمسِكُ خُبْزَ التّقْدِمَةِ بصُعُوبَةٍ لِشِدَّةِ الصَّقيعِ يَنْهَشُ جِسْمَهُ. وَفجأةً يَشْعُرُ بِجَسَدِهِ يتجمَّدُ حتّى مَفْرِقِ الرُّوحِ والعِظام. لاحَظَ رفيقُهُ، الأبُ مَكاريُوس، عَجْزَه عَنْ إكمالِ قُدّاسِه، فأعانَهُ على تَرْكِ المَذْبَحِ ليرتاحَ قليلاً. إنّها السَّقطَةُ الأُولى على طريقِ الجُلْجُلة. بعدها بقليل، يَعُودُ الحَبيسُ إلى المَذْبَحِ ويُتابِعُ القُدّاس. يَلفُظُ الكلامَ الجَوهريَّ وهو يتلو: يا أبَا الحَقّ... لكِنَّ الدَّاءَ يَعْتَريه مُجدّدًا بِقُوّةٍ فَيُعجِزُهُ عَنِ المُتابَعَة. لَبَثَ كأنّه مُسَمَّرٌ في جُمُودِهِ، مُعَلّقًا عينَيهِ بأسرارِ الفادي. تقدَّمَ الأبُ مكاريوس مُحاوِلاً نَزْعَ الكأْسِ والقُربانِ مِنْ يَدَيه، فتكَمّشَتا بهما. "تْرِكلي الكاس، عْطيني القربان"، قالَ الأب مكاريوس.

 

 

بَذَلَ جَهْدَهُ لأخذِهِما وإنْزالِه عَن المَذبَحِ واقتيادِه إلى قلاّيَتِه. هذه سَقْطةٌ أخرى تحت الصّليب: لقد أُصيبَ الحَبيسُ بالفالِج.

 

ها هو، طيلة ثمانية أيّام، يُقاسي آلامَ الاحتضار هادئًا، ساكنًا، على الرّغمِ مِنَ الأوجاع. لكأنّه احتِضارُ يسوعَ على الصّليب: أُحضِرَ له حَساءٌ مُعَدٌّ "بسَمن" لِتقْوِيَتِه؛ ما إنْ شَمَّ رائِحَةَ هذه المادَّةِ التي حَرَمَ نَفْسَهُ منها طُولَ حياتِهِ الرُّهبانيّة، حتّى رَدَّ القَصْعَةَ بلُطْفٍ: أرادَ أنْ يَظلَّ أمينًا لِقانُونِهِ حتّى الموت.

 

في نزاعِهِ، لم يَبْرَحْ، ما دامَ قادِرًا على تحريكِ شَفَتَيْهِ ولِسانِه، يُتابِعُ قُدّاسَه. "أمّا الرُّوحُ فمُسْتَعِدٌّ، وأمّا الجَسَدُ فضعيف" (مرقس 14/ 38). إنّه يُرَدِّدُ الصّلاة التي لم يَستَطِعْ أنْ يُكَمِّلَها في القُدّاس: "يا أبا الحقّ، هوذا ابنُك ذبيحةٌ تُرضيك..." عن أيّةِ ذبيحةٍ يُعَبِّرُ الكلام؟ ذبيحةُ المسيحِ واحدة، هي ذبيحةُ يسوعَ مائتًا على الصّليب...

 

آلامُ البشرِ عَبْرَ جميعِ الأجيال لا معنى لها إلاّ باتّحادِها بهذه الذّبيحة. ساعةَ يَحْتَضِرُ الحبيسُ المُطيعُ، الفقيرُ، العَفيفُ، في عُمْقِ حُبِّهِ لِلمسيحِ المَصلوب، شائلاً بالدُّنيا حِقبًا وأصقاعًا، نُهُوضًا صَوبَ الآب، تَتَّحِدُ الذَّبيحتانِ في فِعْلِ حُبٍّ واحِدٍ يُهيبُ بالخليقةِ، أرضًا وسماء، إلى نشيدٍ كَوْنيٍّ يتعالى مُسْتَجيرًا بالذي لا قبْلَهُ قبل، ولا بَعْدَهُ بعد: "هوذا التّقدمة، هذا ابنُكَ الحبيب، يا أبا الحقّ...".

 

 

 

مع هذه الكلماتِ مُضافًا إليها اسمُ يسوعَ ومريمَ ويوسُف، وبطرُسَ وبولُس، شفيعَي مَحْبَسَةِ عنّايا، طارَتْ رُوحُ شربل، حُرَّةً، طليقةً، عائدةً إلى ديارِ الآبِ كعودَةِ قطْرَةِ النَّدى إلى الخضمّ الأوسَع. كان ذلك، عَشيّةَ عيدِ الميلاد، في الرّابعِ والعشرينَ مِن كانون الأوّل، عام 1898.

عَن ضيافِ نهرِ الزّمان، تعالَتْ نغمَةٌ فريدة. إنضمَّتْ إلى نشيدِ الملائكةِ يهتفون: "ألمجدُ للهِ في الأعالي" ويُبشِّرونَ: "لقدْ وُلِدَ لكم مُخلِّص...".

 

نشيدُ نِصْفِ اللّيلِ في أعماقِه، ليلُ الكوانين، ليلُ العواصِفِ والثُّلُوج، راحَ مُتعاليًا يتباهى بقولٍ: إنَّ في ظُلْمَتِي سِرًّا أعمَقَ مِمّا يَظُنُّ النّهار، سِرًّا سيتجلّى يومًا على الأشهادِ فتَلْهَجُ بعظائمِه الدُّنيا.

 

وانْبَرى التاريخُ يُسَطِّرُ وجْهَ شبهٍ جديدًا بين طِفْلِ المِذْوَدِ وحبيسِ عنّايا: سيكونُ لِكِلَيْهِما ميلادُهُ في اليومِ بالذّات: ميلادُ يسُوعَ على الأرضِ وميلادُ شربلَ في السّماء.

 

ميتَةٌ رائعةٌ على تواضُعِها، سماويّةٌ على جُلجُلَتِها، يَغارُ منها الملائكةُ لو كانوا يَمُوتُون...

 

 

 

 

من كتاب "شربل إنسان سكران بالله" للأب بولس ضاهر