في إثر تلاميذ مار مارون الشُهداء

 

 

 

 

في إثر تلاميذ مار مارون الشُهداء

 

 

 

 

في إثر تلاميذ مار مارون الشُهداء

الثلاثمئة والخمسين

 

تُبهِرُني المسيحيَةُ بِشُهدائِها وتَستَوقِفُني كنيسَتي الانطاكيّة السريانيّة المارونيّة في الحادي والثلاثين من شهرِ تمّوز بعيدِ رُهبانِها الشُهداء الثلاثمئة والخمسين تلاميذ مار مارون. وشهادَةُ الكنيسة هيَ على مرِّ الزمن شهادةٌ للمسيح، تُظهِرُ لجميع الناس حقيقة ابن الله الذي تجسَّدَ وصار إنسانًا مثلنا وعاشَ بيننا، تألَّمَ وصُلِبَ وماتَ من أجلنا ثُمَّ قامَ ليُخَلِّصنا ويهبنا الحياة الأبديّة. وكلُّنا مدعوُّون لهذه الشهادة إنّما بطرقٍ مُختلفة.

 

فهناكَ شهادة الحياة التي فيها نشهدُ للمسيح بسيرتنا وكلامنا في العائلة والمجتمع والوطن. وهُناكَ الشهادة في التعليم عملاً بوصيَّة السيد: "أن اِذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم". (متى28/ 19). وتبقى شهادة الدَّم أعظم وأسمى شهادة في قبولِ العذاب والموت من أجل المسيح، اِذ يُعطي المسيحيّ معنًى لحياته وموته، اِنَّهُ يُشارك بذلك في شُرب الكأس المريرة التي قبلها يسوع من أجل خلاصنا، فيتعذَّب ويموت ليحيا مع المسيح القائم من الموت ليُخلِّص العالم. ولا تُفهَمُ شهادة الدّم إذا كانت في سبيلِ خلاصِ نفسٍ ودخول الحياة الأبديّة، بل هيَ شهادةٌ أي تأكيدٌ واِظهارٌ واِثباتٌ لشهادة ذاكَ الذي "صار إنسانًا لكي يصير الانسان الله". (من القدّيس إيريناوس).


وتلكَ القافلة من الرُّهبان تلاميذ مارون، شهدت بكُّلِ ما أوتيت بأنَّ يسوع لبس طبيعتنا البشريّة كاملةً يومَ تجسَّدَ وصارَ إنسانًا، فكانَ الإله والإنسانَ معًا. وسيرةُ حياة أولئك الرُّهبان واستشهادهم لغنيَّةٌ حقًّا من الناحية التاريخيّة والثقافيّة والدينيّة.


فيومَ انطلقَ الرُّسل ينقلونَ "البُشرى السّارة" إلى مُختلف أقاصي الأرض، كان لأنطاكيا النصيب الأكبر، فهيَ عاصمة الإقليم الشَّرقيّ في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة اِذ كانت تُدعى "بتاج الشّرق الجميل"، وفيها أسَّسَ رئيس الرّسل بطرس كُرسيه وفيها "دُعيَ التلاميذ ولأوّل مرَّة مسيحيِّين" (رسل 11/ 26). وقد انتشرت المسيحيَّة في جوار أنطاكيا في بلاد ما بين النهرين وفي رحاب الفُرات الأعلى ورافدية البليخ والخابور.


إنطلقَ دين المسيح فترسَّخَ وانتشرَ تدريجيًّا في تلك الأصقاع حتّى بلغَ أوجه في القرن الرّابع في مجال البشارة ونطاق العبادة. فشعَّت المدارس نورًا يُرشِدُ النشء ويدحضُ الأوثان، وفاحت القفارُ طُهرًا يُقَدِّسُ الرهبان وغصَّت المغاور بالنُسَّاك.


فظهرَ مار أفرام السُّريانيّ (300- 373) ينشر تعاليم الإنجيل ويُنَظِّم الأناشيد والأشعار والصلوات مُحاربًا بها الوثنيَّة والبدع والهرطقات.
وكتبَ أفراهاط الحكيم الفارسي وبالاي ويعقوب السّروجيّ وغيرهم العديد من المقالات والكتابات.

 

وابتكرَ مار مارون طريقةَ نُسكٍ جديدة "النسك في العراء" فاختفى في مجاهل القورشيّة الواقعة الى الشمال الشّرقي من أنطاكية، حتى لاقى ربّه سنة 410.
ورُغمَ انقطاعه عن العالم، لحق به العالم، ففاحَ طيب فضائله مُعطِّرًا الأجواء، وتهافتَ إليه الناس يخترقون عزلته، مُسترشدين ومصلّين. ويقتفي بعضهم إثره في التنسُّك الفرديّ، ويؤثر البعض الآخر الترهّب الجماعيّ في الأديار، ومن كانَ له عائلة كانَ يسكن معها في جوار الأديار، فكانت نواة الكنيسة السّريانيّة المارونيّة.


وكانَ لابُدَّ لهذا النشاط التعليمي أن يؤدِّي إلى الجدل النظريّ في المُعتَقَد، إنطلاقًا من مفهوم هذا الحبر أو ذاك الأسقف لخصائص المسيح، وكانت ذروته في القرن الخامس. وما كانَ لهذا الجدل أن يكبر سوى حُبًّا وتعلُّقًا بالمسيح.


نادى نسطوريوس بطريرك القسطنطينيّة (428) أنَّ في المسيح شخصين مُختلفين، الإله والإنسان. فكانت النسطوريّة في بلاد فارس والعراق وقيلَ لأتباعها (الأشوريون). ناوأتها المونوفيزيّة في أنحاء آسيا الغربية على يد أوطيخا(378- 455) مؤكِّدًا أنَّ في المسيح طبيعة واحدة هي الإلهيّة. فدعمها بطريرك أنطاكيا ساويروس(460- 538) ثُمَّ ناضلَ في سبيلها يعقوب البرادعي(+578) مطران الرها وبلاد الشام، حتّى أخذَ بها الغساسنة، فقيلَ لأتباعها اليعاقبة. وتكاثرت النظريات والمذاهب المتفرّقة، والمسيحيّون يتبارون فيما بينهم خصامًا عنيفًا وحربًا عوانًا طالَ الأباطرة أنفسهم. وتلاميذ مار مارون في أديارهم ومناسكهم بمنأى عن تلكَ المُشاحنات، يوالونَ الاهتمام بالرعايا ويُحافظونَ على وديعة الإيمان التي تلقوها من أبيهم مارون. فأصبحوا عرضة للاضطهاد يُصيبهم من مختلف الفرقاء.

 

ظلّوا على إيمانهم بوحدانيّة أقنوم المسيح في طبيعته الإلهيّة والإنسانيّة، غير مُكترثين بما تُقرِّر المجامع المسكونيّة أو المؤتمرات المُضادة، وجاءَ المجمع الخلقيدونيّ سنة 451 يُثَبِّت إيمانهم هذا، فازدادَ السُّريان المونوفيزيونَ تَصَلُّبًا ونقمةً على من لا يُجاريهم بعقيدتهم.


وأصحابُ العيد الرّهبان الشهداء الثلاثمئة والخمسين تلاميذ مار مارون كانوا يقطنون أديار سوريا الشماليّة قرب لبنان الشمالي وكانوا شديدي التمسُّك بالمُعتَقَد الكاثوليكيّ وفقًا لتعليم المجمع المسكوني الرّابع الخلقيدونيّ(سنة451) القائل بأنَّ في المسيح طبيعتين إلهيّة وإنسانيّة.


قامَ عليهم ساويرا بِمُساعدة الملك أنسطاس، الذي كانَ نصَّبَهُ بطريركًا على أنطاكيا فقتلَ منهم ثلاثمئةٍ وخمسينَ راهبًا في السنة 517. فرفعَ إخوانهم الأحياء عريضةُ إلى الحبر الرُّومانيّ البابا هُرميسدا(514- 523)، يُبيِّنونَ له كيفيّة استشهاد إخوانهم هؤلاء. وما ألحقه بهم من الأضرار البطريرك ساويرا ورفيقه بطرس القصَّار وأتباعهما. فأجابهم البابا برسالةٍ مؤرَّخَةٍ في السنة التالية، أي سنة 518، فيها يُعزِّيهم ويحُثَّهُم على أن يُقاوموا الاضطهاد بشجاعة. وقد أثبتَ المؤرخون، وأخصّهم تاوفانوس وتاوفيلوس الرّهاوي المارونيّ، حقيقة اضطهاد ساويرا للكاثوليك ولا سيّما الرّهبان، وقتله عدداً وافرًا منهم، مُشيرين بذلكَ الى هؤلاء الرُّهبان الشهداء الثلاثمئة والخمسين.


تلكَ كانت مسيرتنا في التعرُّف على باكورة شُهداء الكنيسة المارونيّة، ومهما قيلَ عن الظروف والأوضاع التاريخيّة التي استُشهِدوا خلالها، فإنَّهُ يَصُّحُ فيهِم ما كَتَبَهُ الموارنة من "كُنوزٍ" في القرنين الحادي عشر والثاني عشر في "البيت غازو المارونيّ" ألحان للشهداء (تعريب الأباتي يوحنّا تابت): "وُهِبَت المرجانةُ (أي يسوع المسيح) للشَّعب الأحمَق، فأضاعها وخَسِرها؛ وخَرَجَ الشُهداءُ في طَلَبِها، فَرأَوها مُعَلَّقَةً على الخَشَبة. حَنوا أعناقَهُم وسجَدوا لها وتاجروا بها فاغتَنوا بها. المجدُ للموهبةِ التي وُهِبَت للذينَ يَستَحِقونها". صلاتُهُم معنا.

 


                                           انطوان افرام سلامه