نعمة الله الحرديني التلميذ والمعلّم

 

نعمة الله الحرديني التلميذ والمعلّم

 

نعمة الله الحرديني التلميذ والمعلّم

 

لا شكّ أنّ وجه الطوباوي نعمة الله الذي يشعّ بيننا وفينا، يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، منذ إعلانه طوباويًّا في 10 أيّار سنة 1998، يتحلّى بألوان عديدة زاهية، متنوّعة ومتكاملة، وهو يختصر - في آخر المطاف - إختبارًا روحيًّا ورهبانيًّا وكنسيًّا عميقـًا. ألوجه هو خلاصة الشخص البشريّ، وعند القدّيسين وفي منطقهم، يتحوّل إلى أيقونة حيّة يرى المؤمنون، من خلال تقاسيمها وخصوصيّاتها، وجه الربّ الحاضر في الكنيسة على مدى الأجيال وعبر التاريخ البشريّ الطويل.

 

وجه طوباويّ كفيفان، حاولت الأقلام التي كتبت عنه قديمًا - وتحاول الأقلام المعاصرة والحاضرة - أن تسبر غوره، وتصل إلى عمق سرّه الخفيّ. وهذه المحاولة الشيّقة والممدوحة صعبة ومعقّدة، لأنّها تصطدم بكثافة الكتّاب البشريّة، الذين قد تنقصهم، أحيانًا، شفافيّة الأبرار والصدّيقين، من جهّة، ومن جهّة أخرى، تصطدم بصعوبة إختيار الناحية التي تميّز هذا أو ذاك من القدّيسين.

 

عن نعمة الله، نعرف الكثير. وفي ظنّي أنّ من صفاته المسيطرة كونه إشتهر بالثقافة والعلم والتعليم، في زمن كان يفتقر إلى هذه الأمور الهامّة.

فإذا أردنا أن نغوص أكثر فأكثر في فرادة الحرديني، قلنا أنّه عرف أن يتتلمذ على يد رهبان أفاضل وأتقياء، سبقوه في السِّيرة الرّهبانيّة، فحقّ له أن يتلمذ - بدوره - جيلاً آخر من الرّهبان، لم يكن القدّيس شربل الوحيد بينهم.

 

ذكر الأبُ العام نعمة الله الكفري اسمَ الأب دانيال البشرّاني، مرشد الأب نعمة الله، الذي حضر نزاعه الأخير وموته في 14 كانون الأوّل سنة 1858 في دير كفيفان. كذلك ذكرت الأمّ أوجانيا طوبيّا، رئيسة دير مار مارون القنيطرة، وكان عمرها ثمانين سنة، أنّ الأب برنابا البعبداتي الذي كان مرشدًا في دير مار ساسين - بسكنتا، ثمّ في دير مار مارون القنيطرة، كان معلّم الإعتراف للأب نعمة الله الحرديني في دير كفيفان. وقد أخبر الرّاهبات عن حياة نعمة الله وقداسته، على ما جاء في شهادة الرَّاهبة المذكورة.

 

وقد يكون من المفيد متابعة البحث عن جميع الذين ساهموا في صياغة شخصيّة الطوباوي الرّوحيّة والرهبانيّة، وعن أولئك الذين تتلمذوا على يده.

 

أمّا نعمة الله، فبمقدار ما نهل من ينابيع القدماء، وتمرّس في التتلمذ الرّهباني لهم، أصبح - بدوره - معلّمًا روحيًّا ماهرًا، فتخرّج - إن صحّ التعبير - من مدرسته قدّيسون أمثال مار شربل، ورؤساء عامّون أمثال الأب نعمة الله الكفري، والأب روفائيل البزعوني الذي حضر موت نعمة الله، وكان بعد في سنّ الخامسة عشرة.

 

ومن صفات الأب الرُّوحيّ الأساسيّة أن يرافق ابنه الرُّوحي في طريقه، دون أن يلزمه بما يراه مناسبًا لذاته: فبينما وجّه نعمة الله الأب شربل إلى المحبسة، ورافقه في الصّعود إلى ذروة عنّايا، دون أن يكون مدعوًّا إلى المحبسة نظير شقيقه أليشاع، ساهم أيضًا في صياغة شخصيّة نعمة الله الكفري - روحيًّا ورهبانيًّا - فأصبح هذا أبًا عامًّا على الرّهبانيّة، بينما رفض الحرديني أكثر من مرّة الوصول إلى هذه الخدمة العامّة، بالرغم من إلحاح بعض الرهبان عليه.

 

خلاصة القول أنّ الطوباوي نعمة الله أعطانا ويعطينا نموذجًا حيًّا في التتلمذ الرّهباني الأصيل. فلا أحد يسير وحده في الدّعوة الرّهبانيّة، بل هنالك آباء الرُّوح الذين يسدّدون خطاه إلى الأفضل والأصلح والأقدس.

 

وإن كنّا قد بدأنا اليوم في إكتشاف الأبعاد الحقيقيّة والمتشعّبة لشخصيّة نعمة الله وروحانيّته، فلا ننسَ أنّ التتلمذ قيمة رهبانيّة ثابتة وعريقة، لا تبلى مع الأيّام والسنين. فعِلمُ الحرديني وثقافته ولاهوته وانفتاحه لم تمنعه من أن يتواضع أمام معلّمي الرُّوح، فأعطاه الربّ أن يصبح - بدوره - معلّمًا للرّوح وأبًا لأبناء كثيرين...

 

 

                                                                        الأباتي يوحنّا تابت