"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا"

 

 

"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا"

 

 

"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يو 1: 14)

 

 فبعدما قال إنّ كل الذين قبلوه ولدوا من الله وصاروا أبناء الله، يعرض الآن لسبب هذا الشرف غير الموصوف وأساسه.


هذا الشّرف هو أنّ الكلمة تجسّد والرّب أخذ شكل العبد، صار ابن الانسان بينما كان وما زال هو ابن الله الحقيقيّ، لكي يجعل أبناء البشر أبناء الله،  لأنَّ العظيم عندما يأتي إلى الوضيع فإنّه لا يفقد شيئًا من مجده بل يرفع الوضيع ويقيمه من وضاعته.

حسنا لقد حدث هذا في حالة المسيح، اذ لم يعترِ طبيعته نقص ما بسبب تنازله إلينا، بل نحن القابعون في المهانة والظلمة رفعنا إلى المجد الفائق. وهذا هو ما يحدث بالضبط عندما يتعطف الملك فيتحدث مع أحد الفقراء بحنو، فهو لا يسبب لنفسه أي خزي أو عار، بينما يصير هذا الفقير علمًا ويصير ممجَّدًا من الكلّ. فإذا كان الأمر على هذا النحو من جانب البشر، فلا يصيب الضرر من يتمتّع منهم بمكانة عالية إذا ما خالطوا من هم أقل منهم في المرتبة. فكم بالأكثر يكون الأمر بالنسبة للجوهر الطاهر والطوباويّ الذي لا يستمدّ شيئا من خارجه، وهو غير قابل للتحوّل بل يملك كلّ الصَّالحات بثبات وعدم تغير.

 

هكذا عندما تسمع قول الكتاب "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً" (يو 1: 14) لا يضطرب ذهنك ولا تشعر بصغر النفس، لأنّ الجوهر الإلهيّ لا يتغيّر إلى جسد، فمجرّد التفكير في هذا يعتبر كفرًا، لكنّه ظلّ كما هو آخذًا شكل العبد.

 

لقد استخدم الانجيليّ الفعل "صَار " لكي يسدّ أفواه الهراطقة، لأنّ هناك من يقول أنّ كلّ أحداث التدبير الإلهيّ كانت مجرّد خيال، فلكي يفند مسبقـًا تجديفهم. إستخدم الفعل "صَارَ" الذي لا يعني أنّ جوهر الله قد تغيّر، بل يعني أنّه اتّخذ جسدًا حقيقيًّا،  وبالمثل تماما المكتوب:

اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ. (غل 3: 13). فهو لا يعني أنّ الجوهر انفصل عن مجده وتغيّر إلى لعنة، فمثل هذا التّفكير لا يجرؤ عليه حتى الشياطين. فهو تفكير غبي وكفر صريح، هكذا فالمعنى الصّحيح هو أنّه قبِل اللّعنة ولم يتركنا لنكون بعد ملعونين. هكذا بالمثل فعندما يقول الكتاب المقدّس إنّه "صَارَ جَسَدًا" فهو لا يعني أنّه غيّر جوهره إلى جسد لكن اتّخذه بينما ظلّ جوهره كما هو غير مقترب إليه.

 

وإن زعموا أنّه إله وأنّه يستطيع فعل كلّ شيء وبالتالي يمكنه أن يتغيّر إلى جسد، نقول لهم: نعم يستطيع أن يفعل كلّ شيء على أن يظلّ إلهًا كما هو، فكيف يكون إلهًا اذا ما اعتراه تغيير، وما بالكم لو كان هذا التغيير للأسوأ ؟!!

لا شكّ أنّ التغيير يعتبر أمرًا غريبًا على الطبيعة الإلهيّة الطاهرة، لذلك قال النبيّ: "مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ". (مز 102: 25- 27).

هكذا فإن جوهر الله فوق أي تغيير ولا يوجد ما هو أسمى منه، وبالتالي يكون مستحيلا أن يقبل تغييرًا لأنّه لن يكون في هذه الحالة "الله". لذا دعونا نترك نتيجة هذه التجاديف تحيق بمن ينطقون بها. وأمّا أنّه قيل عنه أنّه "صَارَ"، فلكي لا يُظَن أنّه مجرّد خيال. وعلينا أن نلاحظ كيف أوضح الأمر بما قاله بعد ذلك، فلكي يفند ظنهم الشّرير أضاف "وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يو 1: 14).

 

فلا يأتي على ذهنك أمر سخيف نتيجة استخدامه للفعل "صَارَ"  بمفرده، فهو لم يقل إنّ الطبيعة غير المتغيّرة تغيّرت، بل قال "حَلَّ" أو "سكن" أو "خيّم"، والفعل "خيّم" يختلف عن كلمة "خيمة" اذ هو يعني شيئًا آخر وإلّا فإنّه يكون قد خيّم في ذاته، فهو يعني به الاتّحاد بين الكلمة والجسد دون أن يحدث اختلاط أو زوال للجوهر بل اتّحاد لا ينفصل اتّحاد سرّي فائق للوصف، أمّا عن كيف حدث هذا؟ فلا تسل، لأنّه فقط "صَارَ" كما أعلن لنا.

 

اسمع النبيّ يقول "فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مَظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ "(عا 9: 11).

فقد سقطت حقًّا طبيعتنا جثة هامدة بلا شفاء ولا تقدر أن تسد احتياجها إلى يد الله القدير، فلم تكن هناك طريقة أخرى لكي تقوم طبيعتنا البشريّة من موتها سوى أن تمسكها نفس اليد التي خلقتها منذ البدء فتجدّدها بالولادة الفوقانيّة من الماء والرّوح.

اتنبه أيضًا إلى هذا السرّ العظيم المخفيّ، إنّ سكناه في الخيمة سُكنى دائمة، فهو لم يأخذ جسدنا لكي يتركه ثانية بل أخذه ليكون معه على الدوام،  وإن لم يكن الأمر على هذا النحو لما جعله مستحقًّا للعرش الملوكي ولا للسجود من جنود الملائكة السماويّة ورؤساء الملائكة والكراسي والربوبيات والسّلاطين.

 

وأتساءل: ما هو السبب في كلّ ذلك؟ أي عقل يمكنه أن يصف عظيم هذا الشّرف الذي صار لجنسنا؟ حقـًا يا لها من كرامة عظيمة تفوق الطبيعة!

هل يستطيع الملاك أن يصف هذا الشّرف العظيم؟ هل يستطيع ذلك رئيس الملائكة؟ لا أحد إطلاقـًا لا في السّماء ولا على الأرض لأنّ إحسانات الله عظيمة وإنجازاته تفوق الطبيعة، حتى أنّ السّرد التفصيلي لها يستعصي ليس فقط على اللّغة البشريّة بل وعلى القوّات الملائكيّة أيضًا. لذلك دعونا ننهي حديثنا حالا، ونلوذ بالصّمت متذكّرين أنّنا رجوناكم أن تتقبلوا ما أنعم به الله عليكم من مكافآت عظيمة، وما يعود عليكم منها من نفع. تلك المكافآت تنالونها عندما تهتمّون بأنفسكم وتنصتون لأقوال الله، لأنّ هذا هو عمل محبّته للبشر.

 

فالله لا يحتاج إلينا في شيء لكنّه يغدق علينا نعمته العظيمة عندما نعتني بأنفسنا. واذا كنّا نستمتع بهذه الكرامة دون أن نقدّم ما هو في مقدورنا ألا نكون مستحقّين لأن نُتهّم بالجنون؟

إنّ الآلاف من الخيرات الصّالحة تنتظرنا بسبب مجيء الله إلينا بالجسد، لأجل هذا ليتنا نمجّد الله محبّ البشر ليس فقط بالكلام لكن بالحريّ بالأعمال، لكي نستمتع بالخيرات الصّالحة التي هي من نصيب الكلّ بنعمة ومحبّة ربّنا يسوع المسيح للبشر، الذي نُعطي له المجد مع الآب في الرّوح القدس إلى الأبد. آمين.

 

القديس يوحنا فم الذهب