أبعاد الحبل بلا دنس، لمريم ولنا

 
 

 

 

 

أبعاد الحبل بلا دنس، لمريم ولنا

 

لمريم

أن تكون مريم قد حُبل بها بِلا دنس، وأن تكون - خلافًا لحوّاء - قد ظلّت أمينة للنّعمة الناتجة عن هذا الإنعام، ذلك يعني أنّ روحها بقيت شفّافة تمامًا، فأنِسَ ابن الله تمامًا باتّحاده بها. في العذراء لا أثرَ مطلقًا للشرّ الذي، إذ هو يفصلنا عن الله، يجعلنا ننكمش على ذواتنا فيمنعنا من هبة الذات كلّيًّا لله. في مريم لا تَناقُض ولا إهمال ولا خطأ ولا نسيان ولا عصيان. إنّها لم تقل قطّ مثلما سيقول بولس الرّسول: "ما أُريد من الصّلاح، لا أفعله. وما لا أريده من الشرّ، إيّاه أفعل" (روم 7/ 19). إنّها، بكلّ بساطة ودائمًا، على مستوى الواجب. إنّها، كما يقول يوحنّا بولس الثاني، "في علاقةِ صداقة مع الله، مذ وُجِدَتْ... إنّها، منذ الحَبَل بها، متأثّرةٌ بالقدرة الخلاصيّة للنّعمة المبرّرة. كانت أُولى المُفتدَين، كيما تتجاوب، كما يليق، ودعوتها إلى أمومة ذلك الذي افتدى جميع البشر". يقول الأب سَرتيَّنج: "الزّنبقة ليست بيضاءَ إلاّ في رأسها. أمّا العذراء فبيضاء هي من جِذر الحَبَل حتّى إكتمال المجد".

 

يوحنّا المعمدان بُرّر "عَرَضًا" في بطن أُمّه، من أجل التوافُق مع رسالته. أمّا مريم فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة إليها. فأُمومتها الإلهيّة لم تكن نعمة "عرَضيّة" حدثتْ في ما بعد. أُمومتُها الإلهيّة "من طبيعتها"، إن صحّ التعبير. بكلامٍ آخر: يوحنّا حُبل به في الخطيئة الأصليّة، ثمّ بُرّر من أجل رسالته. أمَّا مريم فلقد حُبِلَ بها بلا خطيئة أصليّة، من أجلِ رسالتها. فهي لم تُبرّر لاحقًا، لأنّها قد اختيرتْ منذ الأزل لتكون المرأة التي تلد الإله. فكان أنّ الرّوح القدس، منذ الحَبَل بها، لا بعد، قد "جبلها وكوّنها خليقةً جديدة"، وابنةَ الآب المَحظيّة المُفضّلة التي، منذ اللّحظة الأولى، كانت "ممتلئة نعمة"، من أجل تجسّد ابن الله في أحشائها.

 

عندما يستولي الربّ على أحد ليصنع منه نبيًّا مثل أشعيا، فهو يطهّر شفتيه بجمرةٍ مستعرة. عندما يختار له سابقـًا مثل يوحنّا، فهو يبرّره في بطن أمّه. عندما يبني كنيسته، فهو يقيمها على "صخرة" متينة... ألله يُهيّئ أبدًا، ويكيّف من يختارهم لعمله. فهل تَشِذّ أمّ المخلّص عن القاعدة؟ بالعكس... وإن كان أولئك قد هُيّئوا في ما بعد، فإنّ هذه هُيّئَتْ في ما قبل.

 

يقول الأب لورَنتين: "ذلك التفجّر للنّعمة، الذي لا يعوقه أيُّ تحفُّظٍ باطنيّ، يجتذب مريم نحو الله بانطلاقةٍ عظيمة في الإيمان والمحبّة. ولمّا كان أنّ التعطُّش إلى الله يزداد بازدياد الأنعام، فإنّ تعطّش مريم إلى الإله العليّ يفوق بالشدّة جميع الأشواق والرّغبات التي كانت أو سوف تكون". ولذا، يقول القدّيس مكسيميليان كُولبي، إنّ "الله وحده يُدرِك تمامًا معاني الحَبَل بِلا دنس وأبعاده".

 

 

لنا

يقول الأب سرتينَّج: "ذلك الإمتياز الفريد الذي أَنعم الله به على مريم هو، في النيّة الإلهيّة، كنزُ الجميع... إنّه يتناسب وشيئًا ما في طبيعتنا. هذا الشيء هو الميل إلى ما هو سليم وكامل، إلى ما يوحي به للشاعر الغيمُ الأبيض في الفضاء، أو الثلجُ "النقيّ"، أو زهرةُ اللّيمون، أو فراشةُ الرّبيع، أو نور الضُّحى... فيا أيّها الشّعاع الذي صار امرأة، أنتِ يا مريم غيمةُ بخورٍ تنتشر في أجوائنا. أنتِ فيضُ عطورٍ يحاذي دروبنا. بفضلك لم نَعُدْ نجهل نِعَمَ الفردوس. ومن نقائك الفطريّ نتعلّم قيمة النّقاء المستعاد".

 

الحَبَل بِلا دنس شهادةً لنا على أنّ الشرّ لن ينتصب في وجه الله حتّى يطال الجذور. فالخطيئة أمرٌ ممكن تجاوزُه، لأنّها فقدتْ من حدّتها وسطوتها. حتّى الخطيئةُ الأصليّة لا يمكنها أن تُفسِد التدبير الإلهيّ، وإنْ هي عرقلتْ كثيرًا تجاوبَ الإنسان مع ذلك التدبير.

 

الحَبَل بِلا دنس يُظهر أنّ البشريّة، في إحدى نسائها، إشتركتْ في التدبير الإلهيّ الأزليّ... وهو تأكيد على أنّ في أعماق الإنسان ما قد ظهر في العذراء: صورةُ الله، وإنْ مُغَشًّى عليها من جرّاء الخطيئة. أجل، في كلّ إنسان، ولو أكبر الخاطئين، علامةُ الله. فلا يحقّ لأحد أن يحتقر أحدًا أو ييأس منه، وذلك باسم تلك العلامة المُتبقيّة.

 

لا شكّ في أنّ إرثَ الخطيئة الأصليّة يرمي إلى الوجود البشريّ ستارًا من الحزن والقلق. ولكن، كما يقول جان غِيتُون، "في نقطةٍ معيّنة (في مريم)، قد مُزّق السّتار، ومن تلك الفتحة الوحيدة، ظهر إشعاعُ نورٍ آخر. هنا ترويضٌ للخطيئة الأصليّة، هنا تجاوزٌ لها، هنا إنتصارٌ عليها، لأنّها لم تَنَلْ من تلك التي هي حقًّا أمّنا، فنحن بالتالي معها مشتركون... فكما لا يجوز ذِكرُ جهنّم بدون ذكر الجلجلة المخلّصة، كذلك لا يجوز ذِكرُ الخطيئة الأصليّة بدون ذكر الحَبَل بِلا دنس".

 

فإن كان الله قد أفاض سابقًا على مريم إمتلاء النّعمة النّابعة من حبّ المسيح للبشر، فلقد أصبح في وسعنا أن ننعم، لاحقًا، بذلك الإمتلاء فننال "نعمة على نعمة" (يو 1/ 16)، باتّحادنا الحيّ بالمسيح المصلوب والقائم من بين الأموات.

 

يقال أحيانًا - وبالتغاضي عن أمر حوّاء - إنّه لم يَصعُبْ على مريم، هي المنزّهة عن الخطيئة الأصليّة، أن تقول للربّ "نعم!"... ربّما العكس هو الصّحيح. فكلّما كان قدّيسًا، أدرك بوضوحٍ أكبر من هو الله، وما هي متطلّباته. وكلّما أدرك المرء ما تقتضيه الأمانة لله من انقطاع، صَعُبَ عليه أن يقول "نعم". ليس من قداسةٍ بلا عذاب: هذا ما يشهد له جميع الصّوفيّين أمثالُ يوحنّا الصليبيّ، وتريز الأفيليّة، وتريز الطفل يسوع، والقدّيس شربل، والطوباويّة رفقا... يقول الأب فَريون: "العذاب، على صعيد الكيان، نقيصة. أمّا على صعيد المحبّة فهو خَتْمُ الكمال".

 

لا، لم تكن حياة العذراء مريم سهلة: كان نقاؤها يُريها عظمة الله وقداسته، ذلك الإله الذي له المبادرة، والذي يظلّ أبعدَ من تصوُّراتنا وتوقُّعاتنا ("كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً؟" - "يا بُنَي لِمَ صنعتَ بنا هكذا؟" - "أمّا هما فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما"). وعليه، فإنّه لا يجوز إعتبار الحَبَل بِلا دنس على الطريقة الجَنسِينيّة، أي طهارةً أدبيّة ليس إلاّ. الحبل بلا دنس هو "إستيلاءٌ لله على الشخص، وقبولٌ من ذلك الشخص، في الإيمان، للإشتراك في التدبير الإلهي المُعلَن له تدريجيًّا".

 

مريم، الحبل بلا دنس، بقيَتْ "على طبيعتها" فاشتركت في التدبير الإلهي. أمّا نحن "المطبوعين" بالخطيئة، فكم ينبغي لنا من "تنقية" لنشترك في التدبير الإلهي!... من شأن ذلك أن يوقظ أولئك الذين، بحُجّةِ أنّه لهم أن يكونوا "على الطبيعة" أو "مَن هم"، يتعرّضون لعدم الإشتراك في التدبير الإلهيّ، إذ يسلّطون على مَن في جيرتهم كلّ أشواك طبعهم. فبحُجّةِ العفويّة تراهم ساخرين، شرسين، مؤذيّين، أو قليلي الذّوق. وإذا عاتبتَهم، قالوا: "شو بتريد؟ أنا هيْك!" أنا هيْك؟ الحقل المكسوّ قُرّاصًا هو أيضًا "هيك"، ولكنّه غير قابل للزّرع... علينا أن نشترك في التدبير الإلهيّ باقتلاعنا القُرّاص، فنصبح أرضًا صالحة.

 

شخصٌ واحد فقط بشريّ استطاع أن يكون "على الطبيعة"، أن يكون "مَن هو". شخصٌ واحد فقط استطاع أن يلتقي بالله بانقياده لميله الطبيعي. شخصٌ واحد فقط لم يعوزه اقتلاعٌ "القُرّاص": مريم الحَبَل بِلا دنس... فلْنَتَتَلمذْ لها، نشتركْ تمامًا في التدبير الإلهيّ فينا، لنا، للآخرين. يقول القدّيس مكسيميليان كُولْبي: "لنقتربْ كلَّ يومٍ أكثر من البريئة، نقتربْ أكثر فأكثر من قلب يسوع، ومن الله الآب، ومن الثالوث الأقدس، إذ إنّه ليس أقرب إلى الله من البريئة. وهكذا نجعل كلّ من هو قريبٌ إلى قلبنا يقترب من البريئة ومن الله".

 

وقال يوحنّا بولس الثاني، أثناء زيارته لمعبد لُورد: "لماذا اختارت تسميةَ الحَبَل بِلا دنس لكي تعرّف بنفسها؟ لِنَقُلْها بصراحة: عالمُنا في حاجة إلى التوبة (كي يستعيد الشّعور بالله، باستعادته الشّعورَ بالخطيئة). والحال، إنّ العذراء المنزّهة عن الخطيئة تُذكّرُنا بهذه الحاجة الأساسيّة. إنّها تقول لنا ما كانت تقوله لبرناديت: صلّوا للخطأة، تعالوا واغتسلوا، وتطهّروا، واستقوا الحياة الجديدة. ("توبوا وآمنوا بالإنجيل" – مر 1/ 15). إنّ العذراء البريئة تُؤوِّن (تجعل آنيًّا) هذا الكلام الأوّل للمسيح في الإنجيل".

 

 

الأب جميل نعمةالله السقلاويّ

مرسل لعازريّ