أم العبد المتألم

 

 أم العبد المتألم

أمّ العبد المتألم

ألم مريم ـ السيف

 

قدّمت مريم إبنها يسوع إلى الهيكل، بعد أربعين يومًا من ولادته، وسمعت نبوءة سمعان التي أظهرت وجهًا آخر من حياتها كأمّ المسيح. "وكان أبوه وأمّه يعجبان ممّا يقال فيه. وباركهما سمعان ثمّ قال لمريم أمّه: أنّه جُعِلّ لسقوط كثير من النّاس وقيام كثير منهم في إسرائيل وآية ينكرونها وأنتِ سينفذ سيفٌ في نفسك لتنكشف الأفكار عن قلوب كثيرة" (لو 2/ 33 ـ 35).

 

إنّ ذهاب مريم إلى بيت لحم، قبل ولادتها المسيح، تبدو وكأنّها مرحلة ثانية لصعود المسيح إلى مكانه، إلى هيكل أورشليم وقد رأينا أنّ المرحلة الأولى كانت زيارتها لأليصابات في بلاد الجليل، مدّة ثلاثة أشهر، حسب رمزيّة مريم ـ تابوت العهد. والحركة الظاهرة في الفصول الثلاثة من إنجيل لوقا هي صعود المسيح إلى مسكن الله التاريخيّ في أورشليم، فأظهر الرَّبُّ شموليّة رسالة إبنه المسيحانيّة وبساطتها، وعندما اختار مريم من النّاصرة مسكنًا جديدًا له ومؤقتًا، بعيدًا عن هيكل أورشليم وأبهة طقوسه. وإنّما يجب على المسيح أن يظهر في مكان مجد يهوه، في بيت أبيه. ذهب مريم ويوسف أوّلًا إلى بيت لحم ليكتتبا في الإحصاء الكبير، فدلّا بذلك إلى نسب يسوع من ذريّة داود ملك إسرائيل. لم يكن ذهاب يسوع الثاني إلى اليهوديّة، كذهابه الأوّل، مُشبعًا بالفرح المسيحانيّ فقط. وراحت مريم تتحمّل آلام أمومتها الإلهيّة. لن تستطيع أن تلد ابنها في بيت النّاصرة، وليست أمًّا كسائر الأمَّهات اللواتي يفرحن بأولادهنّ، لأنَّ مريم، أمّ المسيح يجب أن تتبع مخطـَّط ابن الله ورسالته، فيجلبان إليها الألم ممزوجًا بالفرح.  لنتصوَّر السَّفر المُضني من النّاصرة إلى بيت لحم، ولنتصوَّر عذاب مريم التي اضطـّـرت إلى وضع إبنها في مذود، في جوٍّ صاخب بتنقلات الجماهير التي لم تترك لها مكانًا في الفندق، ولا تستطيع أن تضع إبنها، إبن الله، إلّا في مذود الحيوانات. إنّها لمسألة داخليّة تعانيها تلك التي سمعت دعوة الملاك: "سيكون عظيمًا وابن العلّي يُدعى". أي إيمان تحتاج لئلا تشكّ بهذا الكلام، وتفهم من جديد أنّ المجد أراد أن يسكن في الفقر الكامل. هدأت مخاوفها محبّة ً لله، عندما رأت الرُّعاة يأتون ويقصُّون رؤيا الملائكة في الحقل.

 

أمومتها الآن هي تحت علامة التجرّد والزّهد والتّضحية. وابن الله الذي ترك الآب ليتجسَّد في مريم يبدأ بالعودة إلى الآب ويجرّ وراءه البشر لخلاصهم. وهذه العودة، بالنسبة لمريم، تتضمن التجرّد والعذاب، يجب أن تطيع إبنها الذي هو خالقها. تجلب لها أمومتها الإلهيّة الأفراح والذهول، ومع ذلك تتعذب كأمّ بشريَّة.

"ولمَّا حان يوم طهورهما بحسب شريعة موسى، صعدا به إلى أورشليم ليقرِّباه إلى الرَّبّ، كما تقضي شريعة الرَّبّ زوجَيّ يمام أو فرخَيّ حمام" (لو 2/ 22 ـ 24).

 

تقضي الشّريعة اليهوديّة على كلّ امرأة ولدت ذكرًا أن تقيم أربعين يومًا في دمّ تطهيرها، لا تلامس خلالها شيئًا من الأقداس أو تدخل الأقداس. وكان الهدف من ذلك الطهارة الطقسيّة التي يجب تمييزها من الطهارة الأدبيّة. ولم تعتبر مريم نفسها معفاة من شريعة التطهير الطقسيّة الدالة على قداسة الله وقداسة كلّ ما يتعلّق بعبادته. فالنجاسة الطقسيّة، حتى ولو تمّت بأعمال طاهرة أدبيًا تمامًا، كانت تحرّم القيام ببعض الأعمال الدينيّة، ويُشير هذا التحريم إلى صفة القداسة لا إلى الخطيئة الأدبيّة عند من يجد نفسه مؤتقًا "نجسًا طقسيًا". ولو اتّخذنا من تطهير مريم حجّة لنقول أنّها تطهرت من خطيئة أدبيّة لتجاوزنا معنى شريعة التطهير الطقسيّ. وعبثًا نريد البرهان أنّ هذا التطهير، بالنسبة لمريم، يختلف عن مفهومه بالنسبة لسائر النساء اليهوديّات، لأنّ مريم لا يمكن أبدًا أن تتنجس دينيًا. وفي هذه الحالة، نفترض أنّها لم تكن تؤدّي فريضة التطهير الخارجيّ، كغسل الأيدي قبل الأكل (لو 7/ 1 ـ 13)، وقد أعلن المسيح في تعليمه عدم فائدة التطهير اليهوديّ الخارجيّ، لأنّها قد تكون نفاقًا، ويمتدح التطهير الأدبيّ وهو أمرٌ ضروريّ.

 

لم تشأ مريم، بصفتها يهوديّة مؤمنة، أن تتملّص من هذا الفرض الشرعيّ، وكانت تظهر، على حدّ قول القدِّيس بولس، "أنّ الله أرسل ابنه مولودًا لإمرأة، مولودًا في حكم الشَّريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة" (غل 4/ 4 ـ 5). أراد يوسف ومريم أن يتمِّما الشَّريعة في شأن يسوع لأنَّهما كان يعتبران عدم تتميم سنّة التطهير خطيئة أدبيّة. ويتحدّث الإنجيل عن تطهيرهما، من جهَّة أخرى، على خلاف الشَّريعة التي لا تفرض التطهير إلّا على المرأة: "تطهيرها" (أح 12/ 6) فهل المقصود من صيغة المثنى مريم ويوسف؟ هذا مستبعد لأنّ الرَّجل لا يقترف، في هذه الحالة، نجاسة شرعيّة. هل المقصود مريم ويسوع؟ نصطدم بالصعوبة ذاتها. من الأرجح أن يكون الإنجيل أثار شريعة التطهير الطقسيّة التي يخضع لها اليهود احترامًا لقداسة الله ومتطلباتها أكثر منه تعيينًا لشخص أو شخصين كمريم ويوسف أو مريم ويسوع. فالمقصود هنا الزمن الشرعيّ والممارسة الدينيّة بالصُّعود إلى الهيكل للتقدمة والذبيحة.

 

ثمّ يأتي العمل الطقسيّ الثاني الذي تفرضه ولادة الإبن البكر. تقول الشّريعة: "وكلّ بكر من بنيك أفده. وإذا سألك ابنك غدًا قائلًا: ما هذا؟ فقل له إنّه بيدٍ قديرةٍ أخرجنا من مصر، من دار العبوديّة. ولمّا تصلّب فرعون عن أن يطلقنا، قتل الرَّبّ كلَّ بكر في أرض مصر من بكور الناس وبالبهائم. ولذلك أنا أذبح للرَّبِّ كلّ فاتح رحم من الذكور وبالهائم، وأفدي كلَّ بكر من بنيّ فيكون علامة على يدك، وعصابة بين عينيك لأنَّ الرَّبَّ بيد قديرة، أخرجنا من مصر" (خر 13/ 13 ـ 16). كان الولد البكر معتبرًا ملكًا لله، ذكرى الخروج من مصر. وكما كان الاحتفال بالخبز الخمير وبالفطير "خبز الحزن" ذكرى خروجهم بسرعة من أرض العبوديّة (تث 16/ 4)، وكما كان عشاء الحمل الفصحيّ المذبوح ذكرى الدّم المخلّص على أبواب الإسرائيليِّين، ليلة خروجهم من مصر، هكذا كانت فدية الأبكار ذكرى خلاص أطفال الإسرائيليِّين، عندما أهلك الملاك أطفال المصريِّين. لهذه الاحتفالات الثلاثة في الشَّريعة معنى واحد ولها تفسير واحد: ذكرى علامة عبور إسرائيل من العبوديّة إلى الخلاص (خر 13/ 9 ، 12/ 14  ، 13/ 16). وكما كانت أيّام الفطير والعشاء الفصحيّ تجعل في كلّ سنة خلاص شعب الله التاريخيّ حاضرًا وفاعلًا كأنّه نوع من السِّرِّ يجعل خلاص الله حاضرًا، كذلك تجعل فدية الأبكار وتكريسهم هذا الخلاص حاضرًا وحيًا. فكان الولد البكر، نوعًا ما، علامة الفصح الدائمة، ويذكر العائلة بأنّ الله نجّى أبكار شعبه ليلة الخلاص. فكان ذكرى يوميّة وعائليّة لهذا الخلاص الذي يحتفل به إسرائيل في كلِّ سنة في العشاء الفصحيّ.

 

كان بنو لاوي وحدهم مكرَّسين للخدمة الطقسيَّة وكانوا يقومون بهذه الطقوس مقام جميع أبكار سائر القبائل الذين لم يكونوا مكرَّسين للخدمة الطقسيَّة في الهيكل. بل كانوا في عائلاتهم علامة مقدَّسة وذكرى خلاص. (عد 3/ 12 ـ 13) فهم ملك الله كاللاويين، ولكن لا للقيام بالطقوس الدينيّة. فالأبكار الذين يخصُّون الله هم شرعًا للهيكل ولخدمة الطقوس الدينيّة، إلّا أنّ اللاويِّين، في الواقع، يقومون مقامهم، لهذا السَّبب يجب أن يفتدوا للكهنة. قال الله لهارون الكاهن بأنَّ عليه أن يفتدي بكر الرَّجل بحسب تقويمه، خمسة مثاقيل فضة (عد 18/ 16).

 

تقـيّد يوسف ومريم أيضًا بالناموس. إلّا أنّ لوقا يشير إلى صفة الاحتفال الداخليّة. فاكتفى بذكر تقدمة يسوع دون ذكر الفدية، والمهم هنا هو معنى الاحتفال: تكريس البكر لله والاعتراف بأنّه ملكه. ويجوز تأدية الفدية في أي مكان بإعطاء الكاهن المبلغ المحدَّد. أدَّى يوسف ومريم واجب الصُّعود إلى الهيكل، ممَّا يدلّ بوضوح إلى معنى الفدية العميق. يذهبان إلى الهيكل ليكرِّسا يسوع لله ويُظهرا ملكيّة الله على ولدهما.

 

تأتي هنا المرحلة الثالثة والحاسمة لصعود المسيح إلى الهيكل: صعود ابن الله إلى بيت أبيه. وفي الاحتفال بالتقدمة تبدو مريم متجرّدة تمامًا من أمومتها البشريّة. فيوسف ومريم فقيران لا يستطيعان أن يقدِّما إلّا طائرين، كما تنصُّ الشَّريعة بالنسبة للفقراء (أح 12/ 8). وهما أفقر من أي  والدين في إسرائيل. ابنهما البكر هو المسيح ابن الله، وتكريسه لله، كولد بكر له دلالته. وهناك أكثر من الاحتفال بالفدية، هناك تضحية إبنهما الكاملة للرَّبِّ والتنازل الكامل عن حقوقهما الوالديَّة. مريم ابنها ليس لها، بل هو مكرَّس لله وهي أمّ ابن الله الذي لا يخصّ إلّا الله، وهو الله ويجب أن تنفصل عنه شيئًا فشيئًا لتتركه نهائيًا في رسالته المسيحانيّة.

 

هذا الاحتفال هو فعل تكريس وتضحية، وتقدمة لله، ونكران ذات. هو استسلام لله وتجرّد من الذات. تذكِّرنا هذه التقدمة بتنازل حنّة عن صموئيل خدمة لهيكل الله في  سيلو (1 مل 2/ 24 ـ 28). هذه العاقر التي طالما رجت طفلًا وفت نذرها عندما استجيبت "أحرِّره للرَّبِّ كلَّ أيَّام حياته: فهو محرّر للرَّبّ" (1مل 1/ 11)، كذلك مريم، وقد امتلأت فرحًا بأمومتها المسيحانيّة، عرفت أنّ ابنها هو كلمة الله، وها هي تحرّره للرَّبِّ في تقدمته إلى الهيكل متجرِّدة تمامًا من أمومتها البشريّة.

 

إنّ الفعل اليونانيّ "قدّم" (paristanein) يوجز، في مفهوم لوقا، فعل الفداء، ويعني عمل تضحية مريم ذكرى خلاص شعب الله. ولهذه الكلمة، في رسائل القدّيس بولس، مدلول ذبائحيّ واضح (روم 6/ 13 ـ 19، 12/ 1 ، 1قور 8/ 8، 2قور14 و11/ 2، أفس 5/ 27، كول 1/ 22 ـ 28) "إجعلوا من أعضائكم عبيدًا في خدمة البِرِّ الذي يقود إلى القداسة... إجعلوا من أنفسكم ذبيحة حيَّة مقدَّسة مرضيّة عند الله... لأنيّ خطبتكم لزوج واحد وهو المسيح، لأزفّكم إليه زفّة عذراء طاهرة" (روم 6/ 19، 12 /1، 2 قور 11/ 2). إنّ النصَّ الوارد فيه هذا الفعل "قدّم" هو نصّ ليتورجيّ بتضمّن تقدمة كائن يُكرّس لله، وتجرد صاحب التقدمة، فيحتوي على مفهومين لكلمة ذبيحة: التقدمة ونكران الذات. عندما قدّمت مريم إبنها لله لتفتديه وتكرّسه قدَّمته اعترافًا بحقِّ ملكيته الكاملة عليه، منكرة ذاتها، متنازلة عن حقِّ أمومتها الجسديَّة على ابنها.

 

إنّ تقدمة يسوع البكر وتضحيته هما، كما رأينا، علامة وذكرى خلاص إسرائيل التاريخيّ. وعندما قدّم يوسف ومريم ابنهما، بحسب الشّريعة، تمّما ذكرى الفصح، وذكّرا أنّ الرَّبَّ نجّى شعبه وأنقذه من عبوديّة مصر. وسيكون هذا البكر المُفتدى، كما في كلّ عائلة إسرائيليّة، إنّما بنوع مميز، علامة حيّة للخلاص وذكرى يوميَّة للفصح الذي سيحقـِّـقه، يومًا ما، في ذبيحة الصَّليب. هكذا يقدّم يسوع ذاته يوميًا حمل الفصح الكامل الأبديّ على الصَّليب. ويؤسِّس عشاء فصح العهد الجديد في الإفخارستيا حيث يحضر كحمل مذبوح. وكان يسوع، يوم تقدمته إلى الهيكل، وهو في حالة التضحية، علامة وذكرى خلاص إسرائيل الذي سيحقـِّـقه كاملًا في ذبيحة الصَّليب. حملت مريم ويوسف يسوع البكر علامة وذكرى هذا الخلاص. فهي هنا حقًا صورة الكنيسة ـ الأمّ التي تدعى، يومًا ما، وإلى الأبد لتحمل وتقدِّم جسد المسيح في الإفخارستيّا علامة وذكرى الفداء والقيامة. وتقدمة جسد المسيح الإفخارستيّ أمام الله، كفعل شكرٍ وشفاعة، وأمام النّاس، كغذاء وشركة، تعني، بالنسبة للكنيسة كما لمريم، تقدمة وتكريسًا وفعل تجرّد ونكران. إنّ تقدمة مريم والكنيسة للمسيح هو فعل شكران وتكريس واعتراف بالفقر. لا يمكن لمريم أن تقدم لله إلّا ما وهبها في ملء حبِّه المجانيّ. وستقول الكنيسة في ليتورجيّتها الإفخارستيّة: "نقدّم لكَ من عطاياكَ كلّ شيءٍ يأتي منكَ، وتقدمتنا الوحيدة هي أن نتذكّر عجائبكَ وعطاياكَ". إنّ أيدي مريم والكنيسة الفارغة، والله وحده يستطيع أن يملأها من المسيح. وتقدمتهما الوحيدة والمُمكنة والمقبولة، وفعل شكرهما الوحيد اللذان تقدّمانهما لله هو المسيح المخلّص والوسيط والشّفيع.

 

في تقدمة المسيح وفي تضحيته التي ملأت فقر مريم والكنيسة موقف تضحية وتجرّد ونكران ذات. إنّ مريم والكنيسة مدعوَّتان للإمّحاء لينمو المسيح، وللتجرّد ليتركاه يتمِّم رسالته، وإلى نكران الذات ليعود إليه كلّ مجد.

يكتمل الاحتفال الطقسيّ بالفدية والتقدمة بذبح "زوجيّ يمام أو فرخَيّ حمام". فاختار يوسف ومريم لذبيحتهما طائري الفقراء لأنّهما لا يستطيعان أن يدفعا ثمن حمل أو يقدّما اليمامتين المفروضتين عادة (أح 12/ 8). ولهذه الذبيحة معنى مزدوج: يقدّم الطائر الأوّل، بدل الحمل، ذبيحة محرقة ترمز إلى عطايا المقدمين الكاملة، وتشير إلى التكريس الكامل. وقد رأينا ما تعنيه هذه التقدمة بالنسبة ليسوع ومريم. ويقدّم الطائر الثاني ذبيحة تكفيرٍ عن الخطايا ويدلّ إلى طهور مريم الشَّرعيّ. وفي كلِّ حال، يظهر في هذه الذبيحة الرَّمزيَّة، كالاحتفال الطقسيّ بالفدية، فعل تقدمة المسيح البكر للرَّبِّ وتكريسه له. هذا التكريس دليل واضح لسيرة يوسف ومريم الشَّرعية (فدية وذبيحة الطائر) ومعنى التقدمة اعتراف يوسف ومريم بملكيّة الله على ابنهما اعترافًا يرمز إلى ذكرى الخلاص، فيجب أن يختفيا ليترُكاه ورسالته المسيحانيّة.

 

بهذه الرِّسالة يذكّرهما سمعان الشيخ، في نشيده الموحى. عرف هذا الشَّيخ البارّ التقيّ، المُنتظِر عزاء إسرائيل، بوحي الرّوح القدس الذي حلّ عليه، أنّ الموت لن يفاجأه قبل أن يُعاين مسيح الرَّبّ. أتى إلى الهيكل يدفعه الرّوح، ليقبل المسيح بين ذراعيه. في هذه الرّواية القصيرة، يرد ذكر الرّوح ثلاث مرَّات، ممّا يُظهر سمعان متَّحدًا بالله. أخذ الشيخ القدّيس يسوع بين ذراعيه، كأنّه أيقونة الآب. وها هو يستقبل مريم ويوسف ويقبل تقدمتهما، ويقدّم باسم الآب، الطفل الذي جاءا يكرِّسانه لله، فبارك الله في نشيده. ويستطيع الآن أن يموت لأنّ عينيه رأتا خلاص الله الذي أعدَّه للشّعوب كلّها، نورًا لهداية الأمم، ومجدًا لشعب الله" (لو 2/ 29 ـ 32). أنشد سمعان نشيده، كالنبوءة التي تليه، قبل أن يتمِّم يوسف ومريم ما تأمر به شريعة الرَّبّ (لو 2/ 39). ونرى معنى هذا الاحتفال الطقسيّ في نبوءة سمعان عن رسالة المسيح المجيدة وعن الألم الذي تسبِّبه ليسوع ومريم (سيف) تهيّئ نبوءة سمعان ونشيده تقدمة يسوع وتكريسه لله على أيدي مريم ويوسف، ويهيِّئان كذلك الذبيحة، وكأنّ هذا النشيد ليتورجيّا الكلمة تهيّئ ليتورجيّا الإفخارستيّا وتشرحها، ويظهر نشيد سمعان ونبوءته رسالة المسيح وبالتالي تقدمته بوجهيها: خلاص ونور ومجد تستدعي ذبيحة شكر مريم وفعل تقدمتها المُفرح، من جهّة، ومن جهّة أخرى، آية إنكار وسيف حاضرين في رسالة يسوع يستدعيان تجرّد العذراء وزهدها.

 

قال سمعان الشيخ، في نشيده، إنّه رأى في يسوع خلاصًا أعدّه الله للشُّعوب كلّها. والمخلّص الذي يحمله الآن بين ذراعيه لن يكون وارثًا عرش داود، وملك إسرائيل ومسيح شعب الله وحسب، بل كشف الملاك جبرائيل أنّه سيملك "على بيت يعقوب إلى الأبد"، ثمّ أعلنت الملائكة أن مملكة المسيح ستشمل جميع البشر: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السَّلام للذين يحبّهم". ومع هذا كان بإمكان اليهود المنتشرين في الأرض والذين أحبّهم الله أن يسمعوا هذا الوعد. فجاء سمعان يكشف ليوسف ومريم، بوضوح، أنّ المخلّص أُعدّ للشعوب كلّها، وأنّه نور يُضيء الأمم. وكان سمعان مشبعًا بنبوءات أشعيا الشّاملة، فاستعمل ألفاظه:

"فإنّ الرّب قد عزّى شعبه وافتدى أورشليم

قد كشف الرَّبّ عن ذراع قدسه على عيون  جميع الأمم

فرأى كلّ أطراف الأرض خلاص إلهنا" (أش 52/ 9 ـ 10).

وفي النشيد الأوَّلين لعبد يهوه الذي يرمز إلى المسيح، يقول أشعيا:

"جعلتك عهدًا للشّعب ونورًا للأمم" (أش 42/ 6).

" قال قليل أن تكون لي عبدًا لتقيم أسباط يعقوب

وتردّ المحفوظين من إسرائيل.

إنّي قد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصي

إلى أقاصي الأرض" (أش 49/ 6).

ويذهب سمعان إلى أبعد ما يرى أشعيا، فيرى، أوَّلًا، رسالة المسيح الجامعة "نورًا يُضيء الأمم، وثانيًا، يراها فقط في وسط شعب الله، مجد إسرائيل.

 

تأتي تقدمة المسيح إلى الهيكل، بعد البشارة والميلاد، لتوضح لمريم، من جديد، رسالة ابن الله الجامعة: خلاص الشّعوب كلّها ونور الأمم التي أوجدها يهوه ومجد إسرائيل في آنٍ واحد. ما أشدَّ وقع كلام سمعان الشيخ، الذي يحيا بالرُّوح القدس، على يوسف ومريم. لقد بلغ عندهما الفرح والإعجاب ذروتهما (لو 2/ 33) وراحا، في ذروة الفرح والشّكر هذه، يتمِّمان الاحتفال الطقسيِّ بالتقدمة والذبيحة، عن هذا الولد البكر. هو ليس علامة وذكرى خلاص إسرائيل التاريخيّ وحسب، بل هو أيضًا خلاص الشُّعوب كلّها ونور الأمم جميعها، وفي الوقت نفسه مجد إسرائيل وفداء أورشليم (لو 2/ 38).

 

أنشد سمعان نشيد مجد المسيح الذي حمله بين ذراعيه، ثمّ بارك ويوسف ومريم، فرفع آيات الشكر من أجلهما ومنحهما بركة الرَّبّ، وهما يحتاجان إليها، ليسمعا نبؤته عن مريم ويتمّماها. ومن ثمّ يفهم سمعان الشيخ مريم، بحسب منظور نشيد أشعيا عن عبد يهوه، أنّ ابنها ليس المسيح ـ الملك الشامل جميع الأمم والممجد وحسب، بل هو أيضًا العبد المتألم الذي ذكره أشعيا في نشيدي عبد يهوه الثالث والرابع (أش 50/ 4 ـ 9، 52/ 13، 53/ 12).

"بذلت ظهري للضاربين وخدّي للناتفين

ولم أستر وجهي عن التعييرات والبصق...

لا صورة له ولا بهاء فننظر إليه

ولا منظر فنشتهيه

مزدري مخجول من الناس

رجل أوجاع ومتمرّس بالعاهات" (أش 50/ 6، 53/ 2 ـ 3).

يجب على المسيح ـ الملك والعبد المتألم أن يتمِّم رسالته في التناقضات وفي الألم. وستنكشف أمام المسيح أفكار القلوب، فيقف بعضهم في وجهه لسقوطهم، ويتبعه البعض الآخر لارتفاعهم وقيامهم الرّوحيّ. ويكون آية إنكار ويجذب إليه محبّة البعض وبغض الآخرين فيقوده هذا البغض إلى الألم.

 

وتتحقـَّـق مريم هنا أنَّ ابنها ليس المسيح الملك وحسب بل هو العبد المتألم أيضًا الذي تنبَّأ عنه أشعيا، وتتوقـَّع أن تراه "مزدرىً مخذولًا". في الواقع، عليه أن يتحمَّل آلام البشر ويكون مثقلًا بالأوجاع، يُجرح لأجل معاصيهم، ويُسحَق لأجل آثامهم، فتأديب السَّلام عليه وبشدخه شفي البشر" (أش 53/ 4 ـ 5). صحيح أنّ مريم لم تدرك، في تلك اللحظة، مدى هذه المأساة، وإنّما هيأتها لها نبوءة سمعان، عندما كشف لها التناقض الذي يثيره ابنها الحبيب، بما أنّه المسيح وعبد يهوه المعلن عنه في سفر أشعيا.

 

ونلاحظ أنّ كلام سمعان الموجَّه إلى مريم شخصيًا وكلامه في ابنها يتوقـَّـف فجأة بمعترضة تشير إلى ألمها، ونرى أنّ نبوءة سمعان موجَّهة بكلِّ وضوح إلى مريم، أمّ يسوع، وقد حرص الإنجيليّ على ذكرها. ويجب على مريم أن تقبل نبوءات إنكار يسوع والسَّيف الذي ينتظرها، بعد أن قبلت مواعيد الفرح في البشارة وفي الميلاد: "وأنتِ سيجوز سيف في قلبكِ". ويلحّ النصّ على شخص مريم، مرَّتين، كما لو أن سمعان الشيخ نظر إليها بحدّة ليفهمها إنّ الوجع الذي حدَّثها عنه سيلمّ بها شخصيًا، وإنّها ستختبر الألم بسبب أوجاع المسيح ابنها. وذكر إنّ هذا الألم مبرّح، لأنّ كلمة(romphaia)   تعني السَّيف الطويل المخيف. وألم هذا السَّيف يصل إلى عمق كيان مريم فيخترق قلبها من جنب إلى جنب. فالصورة قاسية وقوّية جدًا، وليس المقصود ألمًا سطحيًا شعوريًا وإنّما الألم الأكثر حدة الذي يصل إلى أعماق النفس. فما هو هذا الألم؟

 

ترد الكلمة "السَّيف، في سفر الرؤيا، ستّ مرّات حيث ترمز في خمس منها إلى كلام الله الذي يخرج من فم المسيح الممجَّد في الدَّينونة الأخيرة (1/ 16، 2/ 12، 16، 19/ 15، 21، وفي 6/ 8 تعني الكلمة: الحرب) "وكان في يده اليمنى سبعة كواكب وقد خرج من فيهِ سيفٌ مرهف الحدّين..." ويجب أن نقابل هذه النّصوص بنصّ الرِّسالة إلى العبرانيِّين الذي يشبّه كلام الله بالسَّيف (machaira) وليس (romphaia) مرهف الحدّين: "إنّ كلام الله حيّ ناجع أمضى من كلِّ سيف ذي حدّين يصل في نفاذه إلى ما بين النفس والرّوح والأوصال والمخاخ، وبوسعه أن يحكم على خواطر القلب وأفكاره" (عب 4/ 12). فالسّيف ذو الحدّين يعني هنا، كما في سفر الرؤيا، كلام الله الذي يدين ويكشف خواطر القلوب بواسطة المسيح، آية الإنكار لسقوط وقيام البشر. فالمسيح، وهو الكلام الحيّ الناجع، يصبح كاشف أفكار القلوب وديّان البشر الذين يسقطون أو يقومون عند سماعهم صوته. والسَّيف المذكور في الجملة الاعتراضيَّة المتعلّقة بمريم العذراء، ليس سوى الكلام الحيّ الفعّال الذي يكشف الأعماق ويحكم على خواطر القلوب. والسَّيف الذي يخترق قلب مريم هو كلام الله الحيّ الناجع في ابنها، النافذ إلى ما بين النفس والرّوح والأوصال والمخاخ الذي يحكم على خواطر القلوب وأفكاره (عب 4/ 12).

 

إنّ كلام الله الحيّ، بالنسبة إلى مريم، هو ابنها: حياته ورسالته وكلّ ما يمثـِّله كمسيح وابن الله والعبد المتألم. وبما أنّها قبلت الأمومة الإلهيّة، فعليها أن تتحمّل نتائجها كلّها مدى الحياة. إنّ سيف كلام الله هذا الذي يخترق نفسها هو حقيقة التجسّد والفداء المختصرين في ذبيحة الصَّليب. وحقيقية ذبيحة الفداء تطعن قلبها بسيف من الألم، وستعيش هذه الحقيقة بالإيمان، كذلك في جسدها بصفتها أمًّا.

ولكونها الطوباويّة المؤمنة، عليها أن ترضى، في الإيمان، بذبيحة ابنها، وتختبر تجربة الشكّ. وآلام ابنها الواقعيّة ينفذ فيها كأنّه اختبار لإيمانها: برسالته المسيحانيّة وبطبيعة ابن الله وسيكشف سيف كلام الله أفكار القلوب ويحكم على أمانتها ويختبر إيمانها. وستعرف إنتصار الإيمان والقيام الرّوحيّ الذي تحدّث عنه سمعان الشَّيخ، من خلال معاناتها لأوجاع نفسيَّة كثيرة.

 

ومريم، لكونها أمّ المسيح، العبد المتألم، وابن الله، هي صورة الكنيسة أمّ المؤمنين الذين اختبروا إيمانهم بالألم. يرى المسيحيّ حقائق الإيمان ووعود الرَّجاء ومحبَّة الله تصطدم في نفسه بحقائق الحياة وامتحان الألم وعلامات بغض الناس. هذا كلّه اختبار للإيمان الذي يتطلب بطولة في الثبات. يعيش المسيحيّ هذا االصّراع بين المسيح الذي يحبُّه في الإيمان وبين شدائد العالم التي تصيبه في جسده. ومريم نفسها عاشت هذا الصِّراع بين المسيح الذي تحبُّه في الإيمان لأنّها مؤمنة، وفي جسدها لأنّه أمّه بالجسد، وبين شدائد العالم التي نزلت بابنها حتى عذاب الصّليب. وتكون مريم في هذا الصِّراع الصُّورة الحقيقيّة للكنيسة، إلّا أنها تتألم أكثر من أي مسيحيّ، لأنّ موضوع إيمانها، هدف اضطهاد العالم، وهو في الوقت نفسه الإبن الذي ولدته وأحبَّته كأمٍّ بشريَّة. سيف مريم هو صليب المسيح النافذ في قلب الأمّ التي أعطيت لها أعظم المواعيد. وينبغي على مريم أن تعيش، كأيّ مسيحيّ، اختبار الإيمان الذي يكشف عن قلبها وتعيشه في حقيقة أمومتها البشريّة. وتبدو مريم، في نبوءة سمعان، صورة الشَّعب الإسرائيليّ وصورة الكنيسة حيث يتمّ اختبار الإيمان بسيف كلام الله وانتقاء الزؤان من الحنطة لسقوطه وقيام كثيرين. لن تخرج العذارء منتصرة من هذا الاختبار المؤلم إلّا إذا رضيت تمامًا، في الإيمان، بأن يكون ابنها هو المسيح ـ الملك والعبد المتألم وابن الله المصلوب في آن واحد. لن تختبر مريم انتصار الإيمان إلّا إذا رضيت بالصَّليب في حياة ابنها، مع كونه ابن الله، وفي حياتها الشخصيَّة كمؤمنة وكأمّ. ينبغي على مريم، بصفتها المؤمنة الأولى وصورة الكنيسة، أن ترضى تمامًا، بأن تجد الفرح في الآلام وتتمِّم في جسدها ما نقص من آلام المسيح من أجل جسده الذي هو الكنيسة، على حدِّ تعبير القدّيس بولس (كول 1/ 24).

 

فإذا كان المسيح قد تمّم حقًا كلّ شيء على الصّليب، وإذا كنا لا نستطيع أن نزيد شيئًا إلى آلامه الخلاصيّة، فإنّه يريد أن ينعكس هذا الألم على جسدنا البشريّ. فينبغي على مريم، صورة الكنيسة، وعلى الكنيسة، جسد المسيح الممجَّد على الأرض، وعلى المسيحيّ الذي يحيا المسيح فيه بالإيمان والإنجيل والعماد والإفخارستيّا، أن يطابقوا حياتهم معه في موته. لذا وجب أن نقرأ النصّ على الشّكل التالي: "إنّي أتمِّم ما نقص في جسدي من آلام المسيح". آلام المسيح لم ينقصها شيء، فقد تممَّ كلَّ شيء لكونه فاديًا. إنّما على مريم والمسيحيّ أن يحملا في داخلهما موته، إذ ينقص في جسدهما شيء كثير لتتحقـَّـق هذه المُطابقة معه. وكان على مريم أن تكمِّل في قلبها وفي جسدها صورة يسوع المصلوب مدى حياتها. كتب القدِّيس توما: "ما نقص من آلام المسيح، أي الكنيسة التي هو رأسها أكمّله أنا وأضيف إليه قامتي في جسدي، متألمًا بذاتي، مختبرًا الآلام التي تنقص لجسدي. وإذا تألّم المسيح في جسده الشَّخصيّ، فقد كان ينقصه أن يتألّم في بولس أو في أحد أعضائه وفي سائر الأعضاء" ونستطيع أن نضيف "كان ينقص المسيح أن يتألّم في مريم. ويقول كالفان في نفس المعنى: "وكما تألّم المسيح مرّة في جسده هكذا يتألّم كلّ يوم في أعضائه".

 

إذن كان ينقص المسيح أن يتألم في جسده السريّ، أي الكنيسة، ومريم تكمِّل هذه الآلام. لماذا هذا الألم؟ وما المنفعة من هذه الأوجاع والآلام والأحزان والكآبات، ومن مطابقة مريم والمسيحيّ، طالما أنّ آلام المسيح وحدها هي المخلّصة؟ لماذا يجب أن نحمل في أجسادنا ميتة يسوع؟ لماذا يجب أن نطابق آلامنا مع آلامه طالما نحن منتصرون على الموت على مثال المسيح القائم من الموت؟ ذلك لأنّ صليب يسوع المسيح يجب أن يعلن في أنحاء العالم، لا بالكلام وحسب، بل بالعمل أيضًا. يريدنا الله أن نكون بشارة حيَّة للمسيح المصلوب والقائم من الموت. وإذا أردنا، على مثال بولس، ألّا نعرف شيئًا غير يسوع المسيح، ويسوع المسيح مصلوبًا، وجب أن نعيشه في كياننا كلّه، لا في تأمل عقليّ متواصل وعميق بآلام المسيح وحسب، بل أيضًا باحتمال الإهانات والشِّدة والاضطهادات والآلام الشَّديدة في نفوسنا من أجل المسيح. يجب أن نحسّ في أوتار قلوبنا بقساوة الحياة، وفي أجسادنا بضعف طبيعتنا وبالاهانات التي قد تلحقنا. علينا أن نحمل في أجسادنا كما فعل القدّيس بولس، جراحات المسيح. ومريم، المسيحيّة الأولى وصورة الكنيسة، حملت في قلبها آلام ابنها، بالطريقة الأكثر حدة ومثاليّة، لأنّها أمّ البشريّة.

 

يُشركنا المسيح بآلامه ويضعنا على الجلجلة عند الصَّليب، مع مريم أمّه ويوحنّا تلميذه الحبيب. هذه الآلام التي نصادفها في حياتنا اليوميّة المسيحيّة، القاسية والناشطة، تكسبنا صداقة خاصَّة مع المسيح. فنحن قريبون جدًا من المصلوب وننفذ إلى سرِّ استسلامه المؤلم وموته. عندئذٍ نصبح شهودًا أحياء وأمناء لآلامه، فنفهم آلام البشر المختلفة ونكون لهم أصدقاء مُظهرين شفقة، أغنياء بالتعزية، جيّاشين بالعاطفة، لا بالكلام وحسب بل وبالعمل أيضًا، فنشارك آلامهم كما نشارك آلام المسيح.

 

ماذا نستطيع أن نفعل من أجل جميع المتألمين في العالم كلّه والذين لا نعرفهم؟ إذا استطعنا أن نكون شهودًا لقريبنا نتألم معه ونعزّيه بالمسيح، فماذا نستطيع فعله للآخرين؟ هنا يظهر لنا معنَى آخر لعذاب المسيحيّ، ليس هو بشارة حيّة بالمسيح فقط، بل هو أيضًا شفاعة من أجل جميع البشر في العالم كلّه.

وحتى نفهم ألم المسيحيّ من أجل الآخرين، يجب أن نفهم أوّلًا أنّه عضو في جسد المسيح السريّ أي الكنيسة. كتب القدّيس بولس إلى أهل كولوسي إنّه يتألم من أجلهم، مع أنّه لم يبشّرهم شخصيًا بل أبيفراس، رفيقه في الخدمة، هو الذي حدّثه عن محبَّتهم للمسيح. بولس بعيد جدًا، ويفصله الأسر عنهم، ولن يستطيع أي رباط بشريّ أن يفسّر ألم بولس من أجل الكولوسيِّين. لم يعلن بولس نفسه قدوة في الأمانة وفي النصر على احتمال آلام السّجن، وألّا يكون مغرورًا بنفسه. فإذا استطاع القول إنّه يتألم من أجلهم فلأنه يؤمن بعلاقة سريَّة بين جميع المعترفين بالمسيح، المندمجين بجسد الكنيسة.

 

يفتح الألم نافذة إلى صداقة خاصة مع المسيح، ويتيح لنا شفاعة أقوى وأنجع، ونكون عندئذٍ قريبين منه فنتمكّن أن نضع بين يديه مصائب البشر إخوتنا. ونحن، كيوحنّا التلميذ الذي كان يسوع يحبّه والذي أسند رأسه على صدره في العشاء السرِّيّ، نسمع منه التعزيات الحقيقيّة، وننقل إليه أسئلة إخوتنا المتألمين، فتحمل هذه الشّفاعة ثمارها لهم، حتى لو كنا بعيدين، لأننا نشترك مع جميع القدِّيسين في المسيح وفي الكنيسة جسده السرِّيّ. أمّا أوجاعنا التي تكمّل فينا صورة يسوع المصلوب فتجعلنا نكلمه بطريقة أفضل وأنجع، وتصبح عندئذٍ آلامنا شفاعة حيّة وصلوات نستطيع بها أن نعمل بقدرة من إخوتنا في العالم كلّه. وهنا نؤكّد أنّنا عبيد بطـَّالون يستغني الله عنَّا وإنما يريد أن نكون له مساعدين.

 

وما قلناه عن الكنيسة والمسيحيّ، يختصره سمعان الشيخ في نبوءته عن السَّيف الذي يخترق نفس مريم التي تعيشها بشكلٍ رائع، كالمسيحيّة الأولى وصورة الكنيسة، بألم شديد لأنّها أمّ العبد المتألم، أمّ المصلوب. وتحمل مريم في قلبها آلام ابنها وموت مخلّصها، وتكمل كلّ يوم ما نقص في جسدها من آلام المسيح من أجل جسده، الكنيسة. تسجل كلّ يوم في قلبها آثار عذاب المسيح ثمّ آلام الصَّليب، لتجرّدها ونزاهتها كأمٍّ بشريَّة، ولقبولها رسالة ابنها المؤلمة. بهذا الاشتراك في آلام المخلص وعذابه عرفت صداقته لأنّها عاشت معه حياته المتألمة. ولم تعشْ هذه الحياة وحسب ليكون إيمانها هو الإيمان بالمسيح المتألم وبآلام المصلوب، بل عاشتها أيضًا من أجل الكنيسة، جسد المسيح. في هذه الصداقة الحميمة مع المخلص التي عرفتها في الألم معرفة أعمق، يمكنها أن تعرف ألم البشر وتتشفع من أجلهم. ويصبح ألمها، في سرِّ شركة القدِّيسين، كألمنا، شفاعة ملأى بالشَّفقة على البشر، و تنال لهم من الله التعزية والسَّلام.

 

تقودنا مريم، باشتراكها بآلام المسيح، وباعتبارها المسيحيّة الأولى وصورة الكنيسة، إلى أن نطبع في قلوبنا صورة المصلوب وألّا نهرب من العذاب الذي يقرِّبنا من المسيح ومن إخوتنا البشر. وتكون العذراء معنا لتقودنا على خُطى العبد المتألم. لقد عرفت آلام المسيح أكثر منّا لأنَّ أمومتها الجسديّة أتحدتها بالمخلّص، برباطات لن يعرفها أحد سواها، وتستقبل في قلبها عذابات المسيح فاديها وفادينا، كما نستقبلها نحن وتستقبلها الكنيسة التي ترمز إليها مريم. غير أنّ الصَّليب يطبع في قلبها بألم أكثر حدّة منّا لأنّها أمّ المخلّص، فهي تتألم، في طبيعتها كأمّ ما نتحمله نحن في أجسادنا. هذا الاشتراك الفريد في آلام المسيح، وهذا السّيف الذي اخترق قلبها كأمّ وكمسيحيّة، يجعلان منها قدوة لنا لا مثيل لها على درب الصَّليب الذي يقودنا معها إلى القيامة.

 

ونستطيع نحن على مثال أمّ الفادي أن نجد فرحنا في آلام المسيح، ونحن عارفون أن آلامنا لا تضيع سدًى إذا احتملناها حقيقة من أجل المسيح، متأكّدين أّنّنا بهذه الآلام نعيد صورة المصلوب في جسدنا، وأن صلاتنا من أجل الآخرين تصبح فعّالة.

كيف يظهر هذا السّيف الذي تنبّأ عنه سمعان في حياتنا اليوم؟ بعد تقدمة يسوع إلى الهيكل حيث أخذ تكريس الإبن البكر وذبيحة المحرقة المعنى الذي أشار إليه سمعان: فعل الشّكر والتجرّد الشّخصيّ ليتمِّم رسالة العبد المتألم، لم يلبث يوسف ومريم أن رأيا آثار العذاب في حياتهما. لقد أظهرت لهما زيارة المجوس من جديد شمول رسالة يسوع المسيحانيّة، وتلاها الهرب إلى مصر من أخطار هيرودس، وعاشا هناك حتّى موت الملك، لاجئين في بلاد الغربة. وتأتي مجزرة أطفال بيت لحم الذين فدوا باستشهادهم حياة الطفل، المسيح. وذاقت مريم ألم النفي، بل وأكثر من ذلك ذاقت آلام جميع الأمّهات اليهوديّة اللواتي عانين بدل أحزانها مآتم أطفالهن، فتتكرّر ليلة الفصح: يسوع البكر ينجو ويذبح سائر الأطفال، أترابه. فهو رمز الخلاص، فطبعت هذه المأساة مريم بشدّة وقد نجت منها وأصبحت منفيّة ولاجئة.

 

وقد لجأ أفراد العائلة، بعد عودتهم، إلى الناصرة ليختبئوا في "جليل الأمم" حيث بشَّرها الملاك. نتصوَّر أنّ هذه الحياة الخفيّة لن تخلو من المخاوف لأنّ مريم ويوسف يعلمان أنَّ ولدهما المسيح سيثير ضدّه أقوياء هذا العالم لو أظهر مملكته المسيحانيّة.

وعندما كان في الثانيّة عشرة من عمره، أخذه والداه إلى هيكل أورشليم ليعيّد الفصح هناك. وانتهت مدّة العيد، وهدأت الأمور. وهنا نصل إلى المرحلة الرّابعة والأخيرة، مرحلة الصّعود إلى الهيكل. عندما غادروا أورشليم إلى النصرة، تركهما يسوع، "وراحا يبحثان عنه ثلاثة أيّام، في القافلة وبين الأصدقاء والمعارف في أورشليم". لنتصوّر عذاب مريم خلال هذه المدّة. ثلاثة أيّام غابها يسوع عنها باقيًا في بيت أبيه. قد تكون رمزًا لموته المقبل. وعندما وجداه، عمّ يوسف ومريم شعور الفرح، هذا الشّعور عرفته مريم يوم قام من بين الأموات. هذا الغياب المؤلم ثمّ العودة أدخلا مريم في سرِّ الآلام. وينبغي لها أن تعتاد على استقلاليّة إبنها عنها كأمّ بشريّة. ينبغي لها أن تتجرّد من كلِّ ما هو بشريّ في علاقتها مع المسيح لترى فيه فقط ابن الله. هذا ما رضيت به يوم قدمته إلى الهيكل، يوم كرّسته تمامًا في بيت الآب، بعد أن أفهمها سمعان الشيخ معنى عملها، وهو تقدمة ذاتها ذبيحة. ومع ذلك فقد تركت قلق أمومتها يتكلم: "يا بنيّ، لِمَ صنعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك متلهِّفين" (لو 2/ 48).

 

ظهرت أمومة مريم البشريّة في كلِّ أحاسيسها وراح يسوع يذكّر والديه بمعنى عملهما يوم كرَّساه في الهيكل "لمَ بحثتما عنّي؟ ألم تعلما أنّه يجب أن أكون عند أبي؟" (لو 2/ 49). كان موقف يسوع هذا ضمن منطق التجسّد والتقدمة إلى الهيكل. فمنذ ولادته وتكريسه للرَّبّ، يجب أن يعرف والداه أن مكانه الطبيعيّ هو في الهيكل وللمرَّة الرَّابعة بعد الزيارة والميلاد والتقدمة، اقترب ابن الله من أورشليم ومن الهيكل، مكانه الطبيعيّ. وعليهما أن يفهما الآن غاية مجيئه إلى الأرض: وهي الإنصراف إلى أمور أبيه السَّاكن في الهيكل. أثارت مريم أمام يسوع قلق أبيه يوسف، أمّا يسوع فقد ذكّرها، في جوابه، أنَّ أباه هو الله، فسجّل بهذا الجواب بُعدًا بينه وبين والدَيْه البشريِّين: أبيه بالتبنيّ (الشرعي) وأمّه. ويجب أن يعيشا معه بحسب نبوءة سمعان، وحسب قصدهما يوم قدَّماه إلى الهيكل. يجب أن يوافقا على ذبيحة حبِّهما البشريّ، ليتركاه يذهب في رسالته المسيحانيّة لخدمة أبيه، في بيت أبيه السَّماوي، وإلى شؤونه.

 

يقول لنا الإنجيل أنَّ يوسف ومريم لم يفهما الكلام الذي قاله لهما يسوع. فهما لا يزالان يعيشان في ضباب الإيمان، في حين أن تضحيتهما أكبر من  الإيمان نسبيًا. وتتّضح تدريجيًا، في نظر مريم، نتائج رسالة العبد المتألم. وكانت تحفظ بأمانة هذه الأقوال والأحداث في قلبها وتربطها بعضها ببعض. وتتمكّن يومًا ما من أن تعيش آلام ابنها واقفة عند أقدام الصَّليب، وأن تتمتَّع بفرح قيامته فتقبل ملء الرّوح القدس في العنصرة. ويرجع يسوع مع مريم ويوسف مؤقتًا إلى الناصرة ويخضع لهما فيتابعان تربيته. هذا الحدث العارض في أورشليم، يوم الفصح، جدّد فيهما روح التضحية وراحا يعيشان في الإيمان منتظرَين ظهور المسيح علنًا عندما تأتي ساعته.

 

بعد ثماني عشرة سنة من الحياة الخفيّة قضاها بالقرب من يوسف الذي مات، على الأرجح، خلال هذه المدّة، وبالقرب من مريم أمّه التي ترمَّلت، بدأ يسوع رسالته كمسيح، يوم عماده، واختار تلاميذه. وفي عرس قانا الجليل، حيث كانت مريم ودُعي يسوع مع تلاميذه، صنع آيته الأولى من رسالته المسيحانيّة "وأظهر مجده آمن به تلاميذه" (يو 2/ 11)، ونتوقـّـف على معنى هذه المرحلة بالنسبة لمريم. وإنّما نكتفي الآن بكلام يسوع لأمّه: "لم يبقَ عندهم"، "ما لي ولكِ يا امرأة"، "لم تأتِ ساعتي بعد" (يو 2/ 3 ـ 4) مهما يكن من أمر تفسير هذه الألفاظ فهي تعني أنّ على مريم أن تتجاوز مرحلة أمومتها الجسديّة للمسيح لتأخذ مكانتها في الكنيسة. قال لها يسوع "يا امرأة". هذا اللقب الرَّسميّ هو في الوقت ذاته دليل إلى أنّ مريم لن تستطيع بعد الآن أن تقوم بدور الأمّ الذي أوكِلَ إليها، وستكبر به، وهي متأكِّدة أنَّ هذه المرحلة ستكلّفها ألمًا جديدًا. لقد اقتربت ساعة المسيح ويجب أن تُضحّي بأمومتها حين يصمّم إبنها الدّخول في رسالته.

 

يشير الإنجيل إلى هذا التجرّد في حادث آخر: جاء إليه يومًا أمّه وإخوته (جماعة من أقربائه) وهو يخاطب الجموع وطلبوا التّحدث إليه. فأجاب مَن أخبره بالأمر: "من هي أمّي ومن هُم إخوتي؟ ثمّ أشار بيده إلى تلاميذه وقال: "هؤلاء هم أمّي وإخوتي. فكلّ مَن يعمل إرادة أبي الذي في السّماء هو أخي وأختي وأمّي" (متى 12/ 46 ـ 50). إنّ القرابة الروحيّة وأمومة الكنيسة وإخوتها تفوق كلّ قرابة دمويّة، لأنّ أمومة الكنيسة الروحيّة، في نظر المسيح، هي أهم بكثير من الأمومة الجسديّة. لذلك يجب أن تمّحي أمومة مريم الجسديّة أمام أمومة الكنيسة الروحيّة. ولا شكّ أنّ مريم هي من الذين يُتمِّمون إرادة الآب، وأنّها في الكنيسة، ويجب أن تنظر إلى قرابتها من ابنها كعضو في الكنيسة لا كأمّه بالجسد. ولنا دعوة إلى هذا المعنى، إلّا أنّنا نكتفي الآن بذكر تضحية مريم المرموز إليها بهذه الحقيقة. يجب على مريم أن تتجرَّد من أمومتها الجسديّة لابن الله لتكشف، في الكنيسة، عن القرابة الروحيّة العميقة التي تربط ابنها بالمؤمنين به فتمّحي أمومة مريم الجسديّة أمام أمومة الكنيسة الروحيّة وأمام الإخوة في الإيمان بالكنيسة. تتعذب مريم بشريًا نتيجة هذا التجرّد ونكران الذات الضروريّين، حتّى ولو رضيت بهذه المرحلة الجديدة وفهمت سموّ القرابة الروحيّة في الكنيسة على القرابة الدمويّة في العائلة.

 

عرفت مريم أخيرًا، عند أقدام الصّليب، أوجاع السَّيف المؤلمة التي تنبأ عنها سمعان الشيخ، ولم يزل ينفذ إلى نفسها ويمتحن إيمانها. هذا الإبن الذي ولدته وربَّته وأحبَّته وفيه رجت المملكة المسيحانيّة الموعود بها، تراه الآن في ذروة فشله مصلوبًا كمجرم. فاخترقت آلام هذا السَّيف نفسها كأمّ أكثر من أيِّ وقت مضى، ووضعت نفسها كمؤمنة أمام فعل إيمان أشدّ قساوة: إيمانها، على خلاف كلّ وضوح، بأنّ الله سيفي بوعده. إنّ الظلام الذي كان يغطي العالم غطى أيضًا حبّها وإيمانها المسيحيّ، وعليها الاستسلام مع ابنها لتعرف معه فرح القيامة. كانت مريم، عند الصَّليب، أكثر من أيِّ مكان آخر، رمز الكنيسة والمسيحيّ اللذين يؤمنان ويرجوان على خلاف كلِّ رجاء، وهما أقسى الشِّدَّة. هذه الأمّ المتألمة هي الطوباويّة المؤمنة، إنّها فقدت كلّ شيء إلّا رجاء الإيمان الخالص. علامة حبّ فقط من ابنها تخفـِّـف عنها العذاب وتنير إيمانها. أمّا ابنها فيوكلها إلى يوحنّا، تلميذه الحبيب، فيأخذها هذا إلى بيته (يو 19/ 26 ـ 27). لهذا الكلام معنى آخر، سنعود إليه، لا ينفي معنى الشفقة الصّادرة من الابن الذي أظهر هنا الشفقة الأكثر حنوًا. عبّر القسّ شارل دريلانكورت عن عذاب مريم المرير بكلمات كلّها أحاسيس. فقال: "لم يخرج من جراحات ربّنا دم أكثر ممَّا سالت دموع من عينيّ العذارء. ومع جسد المسيح المائت دفن قلب مريم".

 

عاشت مريم، عند أقدام الصّليب، آلام المسيح في جسدها، أكثر مما عاشه أي مسيحيّ بعدها، لأنّ كيانها كلّه، باعتبارها أمّ إبن الله بالجسد، يهتزّ ألمًا وعذابًا أمام هذا المصلوب. وهكذا أحسَّت  بشدِّة هائلة، بآثار جراحات المسيح التي حملتها في قلبها كأوّل مؤمنة وكرمز الكنيسة، لأنّها أمّ مخلّصها المصلوب. هنا تمَّمت ما كان ينقص في جسدها لآلام المسيح، من أجل جسده، الكنيسة. فهي تدلّنا إلى الطريق لنطابق حياتنا مع المسيح المصلوب، وعلينا أن نعيش هذه الآلام في جسدنا لنبلغ، يومًا ما، إلى مجد القيامة.

 

"مريم أمّ الربّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان