أيتها الممتلئة نعمة

 

                                                                             أيتها الممتلئة نعمة                                                                                                                                  

 

 

أيتها الممتلئة نعمة

 

نستنتج من المقارنة بين نبوءة صفنيا (3/ 14) وبين بشارة الملاك لمريم لوقا (1/ 28) أنّ اسم المفعول "مملوءة نعمة" هو لقب أُعطي لمريم:

إفرحي                                                   إفرحي

يا ابنة أورشليم                                       يا ممتلئة نعمة

 

مريم، إبنة صهيون، يعطيها الملاك إسمًا جديدًا يميّز دعوتها ورسالتها. من المُرجّح أن يكون في النصّ العبريّ الأصليّ جناسًا عبّر عنه لوقا بأسلوب جيد:

راني موشاناه  وراني شاناناه.

 

وجاءت ترجمتها إلى اليونانية بنفس النبرة الصّوتيّة "Chaïré Kecharitôméné" إفرحي، يا ممتلئة نعمة. ولو أردنا أن نأتي بجناس في اللّغة الفرنسيّة لترجمة هكذا "Exulte, exaltée en grâce!" أي ابتهجي، يا مبتهجة نعمة. هذا التّعبير "ممتلئة نعمة" يمثل لقبًا خاصًا. مجانسة مع السّلام المسيحاني الذي سبقه، يشير إلى سبب فرح مريم الذي هو نعمة الله بالذات، ومريم هي موضوع هذه النعمة بنوع خاص. وقد سلّم الملاك على مريم بسلام البشارة المسيحانيّة: إفرحي chaïré لأنّها تجسّد إبنة صهيون فتُعطى لقبًا فريدًا: "ممتلئة نعمة kecharitôménè يعني النِعمة الفريدة التي ملأها بها الله.

مريم هي المُمتلئة نعمة، ويمكنها أن تتمتّع بالفرح الذي بشّر به الأنبياء تلك التي ستصبح يومًا أمّ المسيح، أي إبنة صهيون، رمز شعب الله المنتظِر، التي صارت بنعمة الله.

هذا اللّقب الذي أُعطي لها فريد من نوعه، ولا نجد الفعل "charitoun" الذي منه أُخذ اسم المفعول ليُسند إلى مريم، إلّا مرّة واحدة في العهد الجديد (أف: 1/ 6). والتّعبير، في الحقيقة، خارج عن المألوف. ونلاحظ أنّ الأفعال اليونانيّة المشتقة من oω تدل دائمًا إلى الملء والوفرة. ونجد هذا المعنى في النص الوحيد في العهد الجديد، إلى جانب رواية البشارة حيث استعمل الفعل "charitoun".

 

"على ما ارتضته مشيئته لحمد نعمته السنيّة التي أنعم وافرًا بها علينا في الحبيب écharitôsen "في المسيح الحبيب"، أي في فكرة حبّه لنا وشركتنا معه، نحن ممتلئون من نعمة الله. والمسيح هو الموضوع الأوّل لملء النعمة ولحبّ الآب الكامل الذي يستطيع بدوره أن ينعم على الذين يحبّهم ويحيون فيه. فملء النعمة يعني الحبيب يسوع المسيح، وبه وفيه نستطيع الوصول  إلى كلّ واحد من أعضاء جسد المسيح.

 

عندما لُقّبت مريم بـ"الممتلئة نعمة"، دخلت، في الوقت ذاته، في علاقة مشاركة خاصّة بملء النعمة الموجودة في الحبيب، متّحدة هكذا مع جميع المسيحيّين الذي يجدون في المسيح ملء النعمة هذه. ومع ذلك  فقد قبلته مريم كلقب، أي أنّها أصبحت العلامة الحيّة والأكيدة لملء النعمة هذه التي لا تجد ينبوعها إلّا في المسيح. لقد حلّ الله الآب ملء حبّه ونعمته في الحبيب أي في حياته وفي طاعته وموته. وبما أنّ المسيح قدّم ذاته من أجل الجميع فقد أصبح كلّ مسيحيّ، بالاشتراك معه، يغرف من ملء النعمة ويمتلئ منها. ومريم، بفعل دعوتها كأمّ المسيح، امتلأت من هذه النعمة التي تجد ملئها في المسيح. امتلأت من ملء النعمة الموجودة في الحبيب، لأنّها معدّة لتكون أمّ الحبيب.

 

ونستطيع القول إنّ الله غمر مريم، من قبل، بملء النعمة الكامن ينبوعها في محبّة يسوع للبشر، في حين يستطيع كلّ مسيحيّ أن يمتلئ نعمة، لاحقًا، في مشاركته الحيّة مع المسيح المصلوب والقائم من الموت. وإذا قبلت مريم هذا اللّقب المُمتلئة نعمة، فذلك بفضل دعوتها الفريدة كأمّ المسيح، أمّ ابن الله المتجسّد. وهذه هي علامة إعدادها الإلهيّ لدعوة فريدة في مخطّط الله، أمّا المسيحيّ فيجد ملء النعمة في شركته مع الحبيب، نتيجة حياته المسيحيّة وتعلّقه بالمسيح، لا نتيجة دعوة ومهمّة فريدتين في مخطّط الله.

يجد المسيحيّون جميعهم ملء النِعمة في شركتهم مع المسيح نتيجة لحياتهم المسيحيّة، كذلك مريم باعتبارها مسيحيّة بيننا. إلّا أنّ امتيازها الوحيد بنعمة الله المحضة هو أنّها ممتلئة نعمة لدعوة ومهمّة تختص بهما وحدها: أن تكون أمّ الله في تجسده.

 

هذا اللّقب الوحيد: "المُمتلئة نعمة" يعني أنّ مريم أعدّت منذ الأزل لتجسد ابنة صهيون، فتكون أمّ المسيح، ابن الله. هذا اللّقب الذي أعطاها إيّاه الملاك عند البشارة، الوارد في صيغة إسم المفعول، يشيد بمجانية هذا الإعداد الإلهيّ لها. وقبل أن تدري مريم باللأمر، وقبل أن يدخل عليها الملاك ليبشّرها، كانت، في مخطّط الله، مُختارة للمهمّة الفريدة أن تكون أمّ المسيح. فالله إذًا بملء حرّيته الكاملة وبمحض اختياره المجانيّ، قد عيّن مريم واختارها لتصير ما صارته.

ومهما كانت قداسة مريم، في هذه المجموعة الصّغيرة من "فقراء يهوه"، الذين كانوا ينتظرون مجيء المسيح، فلا يقول لنا الإنجيل أنّ الله اختارها بفضل قداستها، لأنّ قداسة مريم هي ثمرة إعدادها، إذ كانت في فكر الله قبل أن ترى النّور، على حدّ تعبير المزمور 138.

 

كانت مريم، منذ الحبل بها، معدّة لقبول الدّعوة إلى أن تصير أمّ المسيح، وابنة صهيون والمُمتلئة نعمة. أعدّت مريم بطريقة سرّية لحدث البشارة، وهذا ما يعنيه اللّقب الذي أعطاها إيّاه الملاك: "إفرحي أيّتها المُمتلئة نعمة، الربّ معك"، كلّ شيء هنا يمجّد النعمة المحضة وحريّة الله الكاملة الذي يختار من يشاء "حسب مشيئة مسرّته لمجد نعمته". هذه النظرة لإعداد مريم بحسب حريّة الله، هي تقليد ثابت وعريق ولا نرى فيه ما يناقض الإنجيل، بل بالعكس هذا هو تفسير كلام الملاك ومعنى التّعبير "المُمتلئة نعمة" الذي قبلته مريم، وهو تفسير يفرض ذاته ويتّفق تمامًا مع كثير من الرّوايات الكتابيّة الأخرى عن الدّعوة والرّسالة، وخاصّة في شعب الله، اللتين كانتا في مخطط الله الأزلي وأعدّتا طويلًا في تاريخ البشرية.

 

هكذا يدلّ لقب مريم "الممتلئة نعمة" إلى أنّها أعدّت منذ الأزل لأن تكون أمّ المسيح، وأعدّت فقط في الحبيب يسوع، وفي الشّركة مع ابن الله، مخلّصها وابنها، وتقديرًا لدعوتها ومهمّتها الفريدتين، لأن تكون المُمتلئة نعمة، وهيّأها الله لهذا الحدث الفريد، حدث ولادة الربّ العجائبيّة  بين البشر.

 

ويؤكّد التقليد، دون أن يترك مجالًا للشّك، أنّ هذا الإعداد الأزليّ  قد أثّر في حياة مريم، فكانت لها مكانة خاصّة بين القدّيسين لأنّها المُمتلئة نعمة. لم يكن مصلحو القرن السّادس عشر على رأي واحد من قداسة مريم. فكالفان، بالرّغم من تحفّظه الشّديد في نقده المريميّ، أراد قبل أي شيء، المحافظة على الإيمان بطبيعة المسيح الإنسانيّة الكاملة، وبأنّه وُلد حقيقة في عالم الخطيئة وبيئتها ليحقّق الخلاص النهائيّ، ولا تهم كالفان قضيّة مريم بحدّ ذاتها. أمّا زفينكلّي فلم يرَ في التّأكيد على قداسة مريم إساءة إلى طبيعة المسيح الكاملة فقال: "يجب أن يكون قدّيسًا من كان يرفع خطايانا ولكن لا من كان يقدّس جميع البشر. هكذا قدّس الله أمّه لأنّه من المناسب أن يكون لابن قدّيس أم قدّيسة".

 

إنّ آراء البروتستانت في العقيدة المريميّة آراء لاهوتيّة حرّة، شرط أن لا يمسّ هذا الرأي أو ذاك، العقيدة الأورثوذكسيّة في المسيح. ولم يتطوّر الفكر البروتستانتيّ المناهض للعقدية المريميّة إذا ما قوبل بتطوّر العقيدة المريميّة في الكنيسة الكاثوليكيّة الرّومانيّة. وإنّ بعضًا من الحجج التي أتى بها كالفان، ليحفظ الإيمان بناسوت المسيح الكامل، المولود في عالم الخطيئة، لم يستعملها لوثر أو زفينكلّي ضدّ العقيدة المريميّة.

 

إنّ التّأكيد على قداسة مريم، الناتجة عن إعدادها الأزليّ  لتصير أمّ الله في الجسد، لا يسيء بالضرورة إلى الإيمان بحقيقة طبيعة المسيح البشريّة. ونستطيع، استنادًا إلى التفكير نفسه، اعتبار أنّ بتوليّة مريم، أثناء الحبل بالمسيح، وولادته العجيبة تضعانه خارج ظروف الطبيعة البشريّة المألوفة وتناقضان هكذا طبيعته الإنسانيّة الكاملة، فينبغي في هذه الحالة اتّهام الانجيليّين بالشبهيّين أو المظهريّين (docétisme) . ولكنّ قداسة مريم، في الحقيقة، لا تناقض ناسوت المسيح أكثر من بتوليّتها، لأنّ القداسة لا تناقض الناسوت، بل على العكس هي الميزة الحقيقيّة التي تتصف بها الطبيعة الإنسانيّة. ومن الخطأ القول إنّ المسيح، لو كان خاطئًا أو أنّه وُلد من امرأة خاطئة، لكان إنسانًا أكمل. فقد صار ابن الله إنسانًا كاملًا لأنّه وُلد من امرأة حقيقية، آخذًا طبيعتنا البشريّة، ليعيش ويموت كإنسان.

 

ولا شكّ أنّ اعتبار مريم في حالة الخطيئة خطر على القداسة بالذات، لأنّ القداسة تبدو عندئذٍ مناقضة للطبيعة الحقيقيّة، ويصبح الإيمان بيسوع المسيح في خطر أيضًا لأنّ المسيح لم يعرف الخطيئة فيه. وتبدو القداسة في الحياة المسيحيّة خارجة عن الظروف البشريّة... ونتساءل إذا كان إنكارنا قداسة مريم، مع أن مصدر هذه القداسة الوحيد إنّما هو المسيح، لا يُرافقها مفهوم طبيعيّ (naturaliste) للحياة المسيحيّة، يجرّدها الزّهد والتأمّل والتقديس ومن جميع الوسائل التي تقودنا إلى قداسة أكثر في الله، وذلك خوفًا من الهرب من ظروف الطبيعة البشريّة المألوفة.

 

إنّ مواقف بعض الكنائس البروتستانتيّة المناهضة للحياة النسكيّة والرّهبانيّة ليست غريبة عن موقف معادٍ لمريم. وهنا نلمس أهميّة عقدية مريميّة متّزنة لنصل إلى مفهوم إنجيليّ حقيقيّ للحياة المسيحيّة وللقداسة.

وترتبط قداسة مريم بقداسة الكنيسة: لن تكون الكنيسة أكثر إنسانيّة لو قلنا أنّها خاطئة. فهي، بصفتها مؤسّسة مؤلفة من بشر، تعرف الخطيئة ونتائجها. ومع هذا نؤمن بقداسة الكنيسة. فهي مقدّسة لأنّها جسد المسيح، والجماعة الجامعة، والمؤسّسة الرّوحيّة التي أقامها المسيح ويحييها الرّوح القدس. هي مقدّسة في إعلانها كلام الله، ومقدّسة في أسرار حضوره وعمله التي تحتفل بها، وفي نظام المحبّة والأخوّة التي تقيمه. ومن المؤكّد أنّ أعضاءها، وهم بشر خاطئون، يدخلون الخطيئة إلى مجتمع الكنيسة، بالرّغم من قداستها. ومع ذلك نؤمن بقداسة الكنيسة، لأنّ هذه القداسة صفة ملازمة لكيانها الحقيقيّ وجزء من دعوتها ورسالتها كأمّ المؤمنين. فإذا لم نرَ في الكنيسة سوى مجتمع ديني نرى الخطيئة، ولم تعد الكنيسة التي نراها جماعة المسيح ومؤسّسته. والكنيسة ليست كنيسة حقًا إلّا ضمن مفهوم القداسة ودعوتها ورسالتها كأمّ المؤمنين، لأنّ غاية وجودها إعلان كلمة الله والاحتفال بأسراره "ليجعل القدّيسين أهلًا للقيام بتلك الخدمة التي ترمي إلى بناء جسد المسيح" (أف: 4/ 12).

 

و إذا صحّ القول إنّ مريم قدّيسة، فلا نراها إلّا في الإيمان. ولا وجود لمريم، في نظر الإنجيل خارجًا عن دعوتها ورسالتها كأمّ المسيح. ولا يهتمّ الإنجيل بكون مريم امرأة فرديّة، بل  بكونها ابنة صهيون والممتلئة نعمة من أجل أمومتها المسيحانيّة وبكونها رمز الكنيسة أمّ المؤمنين.

آمن بطرس بالمسيح والتزم، ثمّ شكّ فيه وأنكره، ثمّ استلم رعاية قطيع الله. ويرينا الإنجيل زعيم الرّسل خاطئًا في طبيعته وقدّيسًا في دعوته. أمّا بالنسبة لمريم فلا شيء يشبه هذا، بل كلّ ما فيها، بحسب الإنجيل، هو علامة ملء النعمة وإعداد الله لها، إذ جعلها أمّه بالجسد ورمزًا لأمومة الكنيسة. هذا هو الأمر الوحيد الذي نستطيع تأكيده والذي يهمّ الوحي بشأن مريم. وهو تحذير لكلّ انتقاص من قيمة مريم أو مغالاة في تقدير قيمتها، وتحذير لكلّ الذين يريدون التكلّم على مريم، إمّا كخاطئة وإمّا كمجرّدة من أوضاع الخليقة البشريّة. و لا ندري كيف أنّ هؤلاء وأولئك يستندون إلى الإنجيل لينتقصوا من قيمتها أو يغالوا فيها. فمريم، الممتلئة نعمة، وابنة صهيون، وأمّ الله ورمز الكنيسة، هي قدّيسة لأنّ الإنجيل لا يرى فيها سوى علامة حيّة لاعداد الله الأزليّ لها، وجواب إيمان خليقة بشريّة كاملة ومطيعة.

 

مريم أم الربّ ورمز الكنيسة

ماكس توريان