إبنة صهيون

 

 

                                                                                                     إبنة صهيون  

إبنة صهيون

 

يشبّه الكتاب المقدّس الشّعب الإسرائيليّ، الذي اختاره الله وأحبّه، بامرأة. هذه الشّخصيّة الأنثويّة المشبّه بها شعب الله تُعرف "بابنة صهيون". ويمكننا ذكر نصوص عديدة إنّما نكتفي بأهمّها لعلاقتها بالإنجيل ولورودها في إنجيل لوقا. هذه النصوص هي من أشعيا وصفنيا وزكريّا وغيرهم...

ـ "قولوا لابنة صهيون إنّ مخلّصك آتٍ" (أش: 62 / 11).

ـ "ترنّمي يا ابنة صهيون..." (صف : 3 / 14).

ـ "رنّمي وافرحي يا بنت صهيون. فها أنذا آتٍ وأسكن في وسطك..." (زك: 2/ 14، 9/ 9).

 

وانتقل التعبير إلى اللّغة الطقسيّة لكثرة ما ورد في مراثي إرميا. وتبدو إبنة صهيون، في بعض النصوص إمًّا تلد أو عذارء:

ـ "داس السيّد المعصرة على العذراء بنت صهيون" (مرا: 1/ 15).

ـ ماذا أساوي بك فأعزّيك، أيّتها العذراء بنت صهيون" (مرا: 2/ 13).

ـ "لقد صنعت عذراء إسرائيل أمرًا يقشعرّ منه جدًا" (إر: 18/ 13).

ـ "قد سمعت صوتًا كصوت الماخض وكربًا ككرب التي تلد بكرها. صوت بنت صهيون تنتحب وتبسط كفيها..." (إر: 4/ 31).

ـ "تمخضي وادفعي يا بنت صهيون كالتي تلد". (مي: 4/ 10).

 

وابنة صهيون عذراء تخصّ الربّ الذي يتزوّجها:

ـ "فإنّه كما كان شابًا يتزوّج بكرًا كذلك بنوكِ يتزوّجونكِ وكسرور العروس بالعروس يسرّ بكِ إلهُكِ" (أش: 62/ 5).

 

وابنة صهيون هي أيضًا أمّ تلد بالألم، لأنّ الربّ يريد أن يمتحنها بالغزو (إر: 4/ 31)، وبالنفي (مي: 4/ 10)، ليعدّها لولادة خلاصها بالألم .

ـ "تسيرين إلى بابل وهناك تُنقذين. وهناك يفتديكِ الربّ من أيدي أعدائكِ" (مي: 4/ 10).

 

إنّ ألم ابنة صهيون، الأمّ التي تلد، يصبح نبويًا للرّجاء المسيحانيّ. وأخيرًا إذا امتحن الشّعب الإسرائيليّ، إبنة صهيون، بالنفي ثمّ بفرح الخلاص، فلكي يعلم أنّ الربّ سيأتي يومًا مع مسيحه ويجلب لشعبه الخلاص النهائيّ.

إنّ موضوع ابنة صهيون هو موضوع صوفيّ ومَعاديّ معًا. صوفيّ بمعنى :إتّحاد العذراء، إبنة صهيون بالربّ عروسها. ومَعاديّ بمعنى أنّه يرمز إلى أمومة بنت صهيون وولادتها الرّجاء المسيحانيّ بالألم، وإلى خلاص شعب الله بمجيء المسيح.

 

في رواية البشارة (لو: 1/ 26ـ38)، يوجّه الملاك إلى العذراء هذا السّلام: "إفرحي ، يا مُمتلئة نعمة، الربّ معك". يجب أن نضع هذا السّلام في منظوره الصّحيح وهو انتظار بنت صهيون مجيء المسيح. استعملت الترجمة اليونانيّة للعهد القديم، النص السبعينيّ، كلمة إفرحي chaïré أربع مرّات (مرا: 4/ 21.  يؤ 2/ 21 ـ 23 ـ صف: 3/ 14 ـ زك: 9/ 9). وإذا ضربنا صفحًا عن مراثي إرميا (4/ 21). حيث يوجّه السّلام إلى آدوم بلهجة تهكميّة، ليبشّره بالويل، تبقى لدينا النصوص الثلاثة الأخيرة التي هي  نبوءات فرح بالخلاص المسيحانيّ لشعب الله، ويوجّه يوئيل كلامه إلى ابنة صهيون.

أمّا صفنيا وزكريّا فيوجّهان تحيّة فرح إلى ابنة صهيون. فالسّلام "إفرحي" يربط هذان النصّان ببشارة الخلاص المسيحانيّة وبالتّلميح إلى ابنة صهيون. ولهذا السّلام بُعد واسع لأنّ بشارة بنت صهيون هي رمز شعب الله والخلاص الذي سيأتي من المسيح. هذه البشارة تمنح الفرح والبهجة والسّرور.

 

ـ "ترنّمي يا بنت صهيون، إهتفوا يا إسرائيل

 إفرحي وتهلّلي بكلّ قلبك با ابنة أورشليم" (صف: 3/ 14).

ـ "ابتهجي جدًا يا بنت صهيون واهتفي يا بنت أورشليم" (زك: 9/ 9).

 

هذه هي كلمات الفرح الفائض وبهجة الخلاص والسّرور المسيحانيّ. بهذه التحيّات والدّعوات إلى الفرح  الموجّهة إلى بنت صهيون، إبنة أورشليم ورمز إسرائيل، يعلن الأنبياء عن مجيء المسيح ـ الملك في وسط شعبه:

ـ "فقد ألِفى الربّ قضاءك وأقصى عدوك

 في وسطك ملك اسرائيل الربّ

 فلا ترين شرًا من بعد" (صف: 3/ 15).

ـ هوذا ملكك يأتيك صدّيقًا مخلّصًا" (زك: 9/ 9).

 

"هكذا سلّم الملاك على مريم قائلًا: "إفرحي، أيّتها المُمتلئة نعمة، الربّ معك". سلّم عليها كإبنة صهيون، رمز إسرائيل، التي بشّرت للخلاص، بمجيء الربّ: "الربّ معك". ليست التحيّة طبيعية، بل هي دعوة إلى الفرح المسيحانيّ الموجّه إلى إبنة صهيون: إبتهجي بكلّ قلبكِ (راني بالعبرية وباليونانية: chaïré sphodra ).

 

ويتّضح لنا هذا القول من مقابلة رواية بشارة مريم بنبوءة صفنيا (3/ 14 ـ 17)، مُشيرين إلى الصِّلات الأكيدة بين النصّين.

صفنيا 3                                                           لوقا 1

14. ترنّمي يا ابنة صهيون. إهتفوا يا إسرائيل                  28. إفرحي

إفرحي                                                                  أيّتها المُمتلئة نعمة

تهلّلي بكلّ قلبكِ                                                   30. فقد نلتِ حظوة عند الرّب

يا ابنة أورشليم                                                     الربّ معك

15. فقد ألفى الربّ قضاءك وأقصى عدوّك                   33. ويملك على بيت يعقوب

في وسطك ملك إسرائيل الربّ

فلا ترين شرًا من بعد

16. في ذلك اليوم يقال لأورشليم

لا تخافي يا صهيون                                           30. لا تخافي يا مريم

لا تسترخِ يداكِ                                                     فقد نلت حظوة عند الربّ

17. إنّ في وسطك الربّ إلهك الجبّار                       31. فستحبلين وتلدين ابنًا تسمينه

فهو يخلّص                                                         يسوع (الله مخلّص)

ويسرّ بكِ فرحًا

ويجدّدك في محبّته

 ويبتهج بكِ بترنيم.   

 

إنّ رواية لوقا، في النصّ الأصليّ العبريّ، تبيّن بوضوح الصِّلات الأدبيّة بين بشارة صفنيا المسيحانيّة لابنة صهيون وبين بشارة الملاك لمريم، كما يبيّنها النص اليوناني ذاته، ولنا دعوة إلى معنى هذه الصِّلات، إنّما نكتفي الآن بالإشارة، مرّة أخرى، إلى الصِّلة الأكيدة  بين ابنة صهيون الممثلة  بشعب الله  وبين مريم. فالعذراء، أمّ المسيح، هي ظهور الشّعب الإسرائيليّ، أي ابنة صهيون التي كانت تنتظر، عبر تاريخها الأليم، وِلادة رجائها المسيحانيّ المُفرح وخلاصها الذي وعدها به الربّ. فمريم هي ابنة صهيون، تجسيد إسرائيل.

 

إنّ في نص بشارة الملاك لمريم لغوًا غريبًا يُشير إلى العلاقة بين رواية لوقا وبين نصّ صفنيا، ويوجّه تفكيرنا نحو رمزيّة أخرى توحيه لنا مريم. قال الملاك: "فستحبلين وتلدين ابنًا..." إنّ توالي الفعلين: حبل وولد مألوف في العهد القديم. ولكن لماذا هذه الإضافة الملحقة "في حشاك"؟ يشير هذا اللّغو " وستحبلين في حشاك" إلى العلاقة الأكيدة بين الأصل العبريّ لرواية لوقا وبين نبوءة صفنيا. يدلّ نصّ صفنيا مرّتين (3/ 15 ، 17) إلى حضور الله في وسط شعبه، مستعملًا التعبير " في بطنك، في حشاك" Bekirebék وهذا التّعبير الخياليّ، في نظر صفنيا، لا يعني في أحشاء ابنة صهيون" بل وبكلّ تأكيد "في أحشاء الهيكل". يقول في موضع آخر: "الربّ الصدّيق في وسطها (أحشائها (Bekirebah       لا يصنع إثمًا وصباحًا فصباحًا يبرز حكمه إلى النّور، لا يقصّر عن أمر" (صف: 3/ 5).

 

في هذا النصّ تلميح أكيد إلى سُكنى الله في وسط الهيكل حيث تظهر العبادة، يومًا بعد يوم،  أمانته وتعلن شريعته. إنّ المقارنة بنبوءة صفنيا المسيحانيّة تُظهر التلميح نفسه. يقول يوئيل النبّي: "فتعلمون أنّي في وسط إسرائيل وأنّي أنا الربّ إلهكم وليس غيري" (يؤ 2/ 27). ويعلن زكريّا قائلًا:

"رنّمي وافرحي يا بنت صهيون. فها أنذا آتي وأسكن في وسطكِ (شكن).

"ليست كلّ ذي جسد أمام وجه الربّ فإنّه قد استيقظ من مسكن قدسه" (2/ 14 ، 17).

إنّ التلميح إلى المظلّة والغمامة، علامة مسكن الله (شكينه) في وسط شعبه، واضح جدًا هنا. وعندما يُعاد بناء الهيكل، يخرج الله من جديد من مسكنه السّماوي ليسكن (شكن) في وسط شعبه إسرائيل، ابنة صهيون. إنّ المظلّة والهيكل هما مكان سُكنى الله في وسط إسرائيل، في تابوت العهد: "فلا ترهبهم لأنّ الربّ إلهك فيما بينكم إله عظيم رهيب" (تث: 7/ 21).  كثيرة هي نصوص العهد القديم التي يرد فيها التعبير "في حشاك"، حتى أصبحت مرادفة للتعبير "في وسطك"، فتعني مسكن الله في إسرائيل، في المظلّة وفي الهيكل وفي تابوت العهد.

 

يتّخذ هذا التعبير (في حشاك)، عند الأنبياء، بُعدًا معاديًا، لأنّه يشير إلى تجديد بناء الهيكل وإلى مجيء الربّ في نهاية الرّجاء المسيحانيّ. ويستعمل أشعيا تعبير تثنية الاشتراع الذي ذكرناه ليدلّ على رجاء عودة المسيح في آخر الأزمنة:

"اهتفي ورنّمي، يا ساكنة صهيون، فإنّ قدوس  إسرائيل في وسطك عظيم" (12/ 6 ، 21).

ويدلّ بنوع خاص إلى سُكنى الله في الهيكل وفي تابوت العهد وفي شعب إسرائيل. إنّ لتكرار اللّغو، إلى جانب  الفعل "حبل" معنى. يستعيد التعبير "في حشاك، وسطك" باللّغة اليونانيّة، كلّ صفاته الأصليّة الواقعيّة: "إنّك تحبلين في حشاك وتلدين ابنًا". وهذا التّكرار المقصود نلاحظه أيضًا في الإنجيل، عندما نقرأ في لوقا: "ولمّا بلغ يومه الثامن الذي يجبّ أن يُختن فيه سمّي يسوع، كما سمّاه الملاك قبل أن يُحبل به في البطن" (2 / 21 ـ كلمة en gastri ). لا يمكن لهذا اللّغو المتكرّر إلّا أن يكون مقصودًا، ليذكّر بقول الملاك ويشير إلى الصّلة بين هذه الكلمات وبين النبوءة المسيحانيّة بمجيء الله في وسط شعبه وفي الهيكل الذي جدّد بناؤه.

 

لا فائدة من هذا التكرار حرفيًا، لذلك يشير بكلّ وضوح إلى المقارنة بين الحبل بالمسيح في أحشاء مريم وبين سُكنى الله في أحشاء ابنة صهيون أي في الهيكل وفي تابوت العهد. ستحبل مريم في أحشائها بالمسيح المنتظر وسيكون كيهوه في وسط شعبه، ابنة صهيون، الحاضر في الهيكل وفي تابوت العهد. سيكون المسيح، كما يدلّ عليه اسمه "الله مخلّص"، المخلّص الجبّار، كما جاء في صفنيا. (3/ 17). ومريم، ابنة صهيون، الموجّه إليها السّلام المسيحانيّ "إفرحي"ـ تصبح المكان الجديد لسُكنى يهوه وتابوت العهد الجديد. ويطبّق الملاك على مريم نبوءة صفنيا هي ابنة صهيون. في أحشائها سيسكن الله المخلّص، كما سكن في تابوت العهد القديم. ومنذ خراب أورشليم سنة 596 ق.م. اختفى تابوت العهد. وعندما جدّد بناء الهيكل، صار المكان القدوس فارغًا تمامًا، فكانت علامة انتظار الله.

 

رأى لوقا في مريم العذراء إبنة صهيون العهد القديم، إبنة صهيون المعادية، وتجسيد البقيّة المؤمنة من اسرائيل التي تنتظر، في فقرها وقداستها، فرح مجيء الله في مسيحه. ومريم، ابنة صهيون، ستصبح أمّ المسيح. وعند حبلها البتوليّ سيأتي الله ويسكن في أحشائها، كما في تابوت العهد، ستصبح ابنة صهيون، وأمّ المسيح ومسكن الله. هذا هو اللّقب الذي يمكن أن نُعطيه مريم، في منظور العهد القديم كما أشار إليه لوقا.

"مريم أمّ الربّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان