"السّلامُ عليكِ يا مريم"

إطلالة على القداسة تأمّل في "السّلامُ عليكِ يا مريم"

 

إطلالة على القداسة

 

القسم الأوّل: صلاة إنجيليـَّة

السّلامُ عليكِ يا مريم،

يا مُمتلئة نعمة، الربّ معك.

مباركة أنتِ في النّساء،

مباركة ثمرة بطنِكِ

يسوع.

      

نحنُ معتادون على التفكير في الجملتَين القصيرتين هاتين اللتين تكوِّنان الجزء الأوّل فقط من "السّلام عليك يا مريم". ولكن، في الواقع، شكّلت الكلمات القليلة هذه مجمل الصلاة حوالَى نهاية القرن الرابع عشر. إنّ الصلاة، كما نعرفها حاليًّا، إضافة ً إلى صلاة التضرّع "يا قدّيسة مريم، يا والدة الإله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة..."، لم تكتمل حتّى نهاية القرن الخامس عشر. إنّ الصلاة، في شكلها الأوّل القصير، كانت تتّسم بِطابع إنجيليّ بسيط ومباشر؛ فهي تقوم على سلامَين – ترحيبَين فرِحَين – موَجَّهَين إلى مريم، وكِلاهُما مأخوذ من إنجيل لوقا (1/ 28، و1/ 42). يستحيل تجديد وقت التقاء الجملتَين المأخوذتَين هاتَين من إنجيل لوقا للمرّة الأولى لتكوين الصلاة الموجزة التي عُرِفَت لاحقًا بصلاة "السلام عليكِ يا مريم". ولكنّ الواضح، بحلول القرن السادس، هو أنّ هذَين السّلامَين قد جُمِعا في صيغَةٍ صلاتيّة واحدة تمّ إدراجها في عدد من ليترجيّات الشرق. وفي الوقتِ نفسه، بالغرب، بدا التضرّع الإنجيليّ الصغير هذا وكأنّه تقدمة صامتة لعيد البشارة والأحد الرابع من زمن المجيء. ومع مرور الوقت، بدأت الصلاة تُتلى بطريقةٍ جديدة، ولم تعُد مُجرّدَ تأمّل قصير في الليترجيا العامّة وحسب، بل في الخاصّة، لتُصبِح شكلا ً من أشكال التديُّن الشخصيّ، لدى أنواع مختلفة من الناس، أرُهبانًا كانوا أم علمانيّين. ثمّ أضيفَ اسمُ "يسوع" إلى الصّلاة، وآمن به النّاس، حوالَ العام 1263.

 

إنّ الجزء الأوّل هذا من صلاة "السلام عليكِ يا مريم"، على بساطته، يشكّلُ صلاةً غيرَ اعتياديّة: السّلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الربّ معك. مباركة أنتِ في النساء، ومباركة ثمرة بطنك. بالمعنى المجرّد، ليست صلاةَ تضرّع أو صلاة تسبيح؛ وليست حتّى صلاة شكر أو اعتراف إيمانيّ. بالأصل، إنّها سلام وحسب: "السلام عليكِ يا مريم!" إنّ ما تشجّعنا الصلاة على قوله هو، أوّلا ً وأخيرًا، مجرّد "مرحبا". "السلام عليكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الربّ معكِ!" إنّها تقترح لقاءً مليئًا بالفرح الحقيقيّ، طريقة للقول إنّنا نحبّ شخصًا ما، وفي هذه الحالة، للقول لمريم: "يا لهذه الفرحة، ما أمتَعَ لقاءَكِ!".

 

إنّ كلمة "نعمة" – في جملة "يا ممتلئة نعمة" – لا تحمل بين حروفها معنى الموهبة أو الفضل اللاهوتيّ العميق وحسب، بل فكرة الشخص الذي يتحلّى بجمالٍ عظيم وبسحرٍ فتّان: "السلام عليكِ يا مريم، الربّ معكِ!" إنّ المديح الأهمّ الذي نخصُّ به شخصًا نعرفهُ ونحبّهُ هو أن نقول له: "الربّ معك"، وهي عبارة أخرى للقول: "عندما ألتقيك، فإنّني بطريقةٍ ما قد نلتُ نعمة ً. وأنا شخص أفضل الآن لأنّني تمكّنت من التّعرّف إليك. ففي الواقع، لا يمكنني أبدًا أن ألتقيك، بمعنى ما، من دون أن ألتقي الله".

 

لقد أ ُخِذ َتْ كلمات الترحيب في صلاة "السلام عليك يا مريم"، بمعظمها، مباشرةً من الكتاب المقدّس. فالتحيّة الأولى مثلاً، "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمة، الربّ معك"، تكرّر بوضوح التحيّة التي ألقاها الملاك جبرائيل على مريم، حتّى ولو لم يكن ذلك بتفصيله الدقيق. أمّا الترحيب الثاني، "مباركة أنتِ بين النساء، ومباركة ثمرة بطنكِ"، فهو يشمل كلمات أليصابات الفعّالة، بفرحها، التي تحدّثت مع مريم ابنة خالتها الشابّة في اللحظة التي رأتها فيها آتية ً للقائِها. إذاً، ومع بداية تأمّلنا، فلنركّز على هاتين الحالتَين من الإنجيل ونتعامَل وإيّاهُما بأقصى عناية ممكنة لنتمكّن من تحديد معنى كلّ جملة. ثمّ سنحوّل انتباهنا إلى الجزء الثاني من الصلاة، الجزء الذي انبثق في القرون اللاحقة من تقليد الكنيسة في عيش الإيمان.

 

 

الفصل الأوّل: "السلام عليكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة"

حتّى الآن، تبدو لنا هذه الكلمات مألوفة جدّاً، شأنها شأن صورة الملاك جبرائيل الذي يحيّي مريم بفائق الاحترام، لدرجة أنّنا قد نعتبر المشهد من المسلّمات. ولكنّ القدّيس توما الأكوينيّ، في عظةٍ عن صلاة "السلام عليك يا مريم" حصريًّا، قد لاحظ أنّه، إلى أن سلّم الملاك جبرائيل على القدّيسة مريم بهذه الطريقة، "لم يُسْمَع قط ّ بملاك يقدّم احترامه إلى إنسان". إذاً، ما سبب ذلك الاحترام الفريد من نوعه تجاه مريم؟ يفسّر القدّيس توما أنّ الملاك، عندما "احترم مريم قائلا ً "ممتلئة نعمة"، كان في الواقع يقول: "أنا أنحني أمامكِ لأنّكِ تجاوزتِني في كمال النعمة".

 

كان هذا اللقاء بين مريم والملاك، الذي ذكره هنا توما الأكوينيّ، موضوع عدّة لوحات وقصائد منذ القرون الوسطى الأولى. في الواقع، يمكن المرء أن يقول إنّ المشهد الإنجيليّ هذا لفت انتباه أوروبّا كما لم يفعل أيّ مشهد آخر من قبل. فلنعتبر، على سبيل المثال، كلمات التساؤل والدهشة التالية التي تتفوّه بها شفتا جبرائيل رئيس الملائكة في نشيد شرقيّ قديم يعود إلى القرن السادس. ويقول النشيدُ إنّ "ملاكًا رئيسًا أُرسِلَ من السّماء "ليُحيّي" العذراء. وعندما أتى، دُهِشَ وصرخ بصوت روحيّ قائلا ً لها:    

السّلام عليكِ، أنتِ التي يشعّ منكِ الفرح؛

السّلام عليكِ، أنتِ التي تبتعد عنك اللعنة؛

سلامٌ عليكِ، يا فداء زلّة آدم؛

سلامٌ عليكِ، يا خلاص دموع حوّاء؛

سلامٌ عليكِ، أنتِ الارتفاع الذي لا يمكن الجنس البشريّ بلوغه؛

سلامٌ عليكِ، أنتِ العمق الذي لا تتمكّن الملائكة حتّى من رؤيته؛

السلامُ عليكِ، يا عرش الملك؛

السلامُ عليكِ، يا مَن حملت بحامل الأكوان؛

سلامٌ عليكِ، يا نجمة ً تحاكي الشمس؛

سلامٌ عليكِ، يا رحم التجسّد الإلهيّ؛

السلامُ عليكِ، أنتِ التي تجدّدت الخليقة بفضلها؛

السلامُ عليكِ، أنتِ التي أصبحَ الخالق طفلا ً بفضلها.

 

في النشيد الرّائع هذا، لا تُكرَّم مريم لأنّها علامة عجائبيّة للتجسّد وحسب، بل لأنّها المشارك الوحيد في قلب هذا السرّ؛ فهي لم تحمل شهادةً لابن الله وحسب، بل حملته بالواقع في أحشائها، وطبعًا، هذا ما سرّع الدعاء المغتبط في تكريمها. بالمقابل، تقول كلمات صلاة "السلام عليكِ يا مريم" الأولى التالي: "السلام عليكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة!" تمتّعت مريم بصفات رائعة وألقاب متعدّدة أطلقتها عليها الكنيسة ومنحها إيّاها التقليد؛ ولكنّنا عندما نبدأ بتلاوة هذه الصلاة، فنحن نتوجّه إليها مباشرةً وبكلّ بساطة مردّدين اسمها الأوّل "مريم": "السلام عليكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة!" بالتأكيد، إنّ مريم هي "الأولى بين المخلـَّصين"، والأعظم في سلالتنا. ولكن، على الرغم من أنّها تعظـّمت تعظيمًا يصعب وصفه أو التعبير عنه، تبقى مريم حتّى في الوقت الحاليّ، امرأةً، وأمًّا، وإنسانًا. نعم، لا ننكر أنّ الله رفعها، وأنّها تشعّ الآن في مجد السماء، ولكنّ قلبها، على الرغم من تغيّره، لا يزال القلب نفسه. لم تفقد مريم قط ّ الاتّصال، ولا حتّى لحظة ً واحدة، بتلك المرأة الشابّة التي كانت تصغي إلى التبشير.

 

وقد كتبت جوليان من نورويتش، تلك المتصوّفة الإنكليزيّة التي عاشت في القرون الوسطى، متأمّلة ً في هذا السرّ، وفي رؤياها عن مريم:

الربّ إلهنا... أراني سيّدتنا، القدّيسة مريم،

والحكمة الحقيقيّة والحاسمة التي جعلتها تمعن النظر

في خالقها العظيم والسّامي والقويّ والصّالح. لقد

ملأتها عظمة نظرتها إلى الله وروَّعتها رهبة ً مقدّسة،

وحثـّـتها على رؤية نفسها، كم كانت إنسانًا غير مهمٍّ

ووضيعًا وبسيطـًا مقارنة ً بالربّ الإله. أمّا الرّهبة

المقدّسة فقد ملأتها تواضعًا. ذلك أنّها امتلأت بفضل

التواضع الأساسيّ هذا نعمة ً وفضيلة ً، متخطـّية ً بالتالي الخليقة كلّها.

ومرّةً جديدة:

أحضرَ الله مريم كي تفهمني. فأنا رأيتُها... فتاةً بسيطة، متواضعة، شابّة، وبالقامة القصيرة التي كانت لديها.

وكذلك:

لمحت مريم إلهها، مذهولة ً بوقار عظيم بأنّه رغب في أن يولد منها، هي التي كانت مجرّد فتاة خلقها بنفسه.

 

       ثمّة نقطة هنا تستحقّ الذكر وهي أنّ الشكل الذي ظهرت به مريم، أمّ الله، لِبرناديت سوبيرو في مدينة لورد العام 1858 لم يكن قط ّ مظهر امرأة ناضجة وجليلة (كما كان الناس يعتقدون في تلك المرحلة)، بل بدت في مظهر فتاة بجمال استثنائيّ وفي أوج شبابها. إذ إنّ برناديت كانت، في ذلك الوقت، قد انتقدت التمثال الحجريّ الذي نراه اليوم في مغارة لورد بشدّة. وأحد اعتراضاتها كان أنّهم قد حوّلوا "فتاة" الظهورات بطريقة ما إلى شخص أكبر سنّاً ممّا بدت، وأشدّ برودةً. لقد وصفت الفتاة المتألّقة التي رأتها في ماسابيال بالشّابّة، وهذا ما نقلته تمامًا عن الظهور عندما التقت للمرّة الأولى نحّات التمثال، جوزف فابِش. ولكن، لسوء الحظ ّ، يبدو أنّ فابِش لم يأخذ بجدّيـّة تامّة شهادتها، ظنًا منه، على غرار معظم معاصريه، أنّ على العذراء التي ظهرت لبرناديت أن تكون "كبيرة في السنّ". ولكن، على الرّغم  من شبابها، وقامتها القصيرة، كانت مشعّة، وصورة غامضة في الصخر بماسابيال. واختارت برناديت لاحقًا أن تصفها بـ"العذراء الشابّة الصغيرة". بالتالي، ليس القول مبالغًا فيه إنّ العذراء مريم، بظهورها في لورد، قد اتّخذت شيئًا من مظهرها وقامتها اللذَين كانا لديها في شبابها بداية حملها.

 

       أظنُّ أنّ هذا التفكير جميل ومعبّر بقدر ما هو غير متوقّع. ولكن الفكرة هي بالطبع فكرة ترتبط تمامًا بخبرة جوليان من نورويتش قبل خمسة قرون. ذلك أنّ الصورة المُشعّة التي ظهرت لبرناديت لم تكن صورة السيّدة الرسميّة التي يتخيّلها الجميع، بل عبّرت بالأحرى عن فتاة شابّة، عن "العذراء" الشابّة التي يصفها لوقا في إنجيله. إذاً، فليسَ مستغربًا أنّ العذراء، في 25 آذار من العام 1858، أي في عيد البشارة، قد ظهرت لبرناديت، وكانت قادرة على كشف هويّتها بصراحة تامّة وسلطة، متحدِّثة ً بكلماتِها الخاصّة، ولكن بصفتها الشّخصيّة أيضًا: Que soy era Immaculada Conceptciou أي "أنا التي حُبِلَ بها بلا دنس".

 

ومن أحد الأمور التي لم أرغب يومًا في تأمّلها طويلا ً وأنا أعظ أثناء القدّاس الإلهيّ أو أبشّر في أي مكان، هو ما يصنعه قدّيسو الله بين الجمع من محاولاتي إيصال الإنجيل. فعلى سبيل المثال، فكّر في إمكانيّة أنّك أنتَ بصفتِكَ واعظـًا، وأثناء قيامك بالوعظ، ثمّة صورة صغيرة تحتك، مثل القدّيسة العظيمة تريزيا من ليزيو، أو الشابّة برناديت سوبيرو، حاضرة بين الجمع، وتحدّق بك بهدوء! لقد دوّنت ملاحظتي في هذا السياق لأنّ تريزيا الصغيرة، على ما يبدو، كانت تحتفظ بآراء خاصّة جدّاً في ما يجدر بالكاهن التحدّث عنه بشأن مريم. أمّا إحدى أخواتها، في الواقع، فقد قالت – إذ تكلّمت على بعض العِظات "المزخرفة" والخياليّة التي قيلت في مريم والتي سمعَتْها من الكهنة على مرّ السنين ولم تتأثـّر بها على الإطلاق - : "لقد سمعنا ما يكفي!".

 

كم كنتُ أحببتُ أن أكون كاهنًا فقط كي أتمكّن من التبشير بالعذراء المباركة! كانت مناسبة واحدة لتكفي كي أبوح بكلّ ما أفكّر فيه عن هذا الموضوع.  أوّلا ً، كنت لأبيّن كم أنّ حياة العذراء المباركة مجهولة. يجب أن نمتنع عن قول أمور بعيدة الاحتمال عنها أو أمورٍ لا نعرف عنها أيّ شيء البتّة... فإذا كانت عظة عن القدّيسة مريم تناديني، وتفلح في هدفها، أريدُ أن أرى الحياة التي عاشتها (كما يشير إليها الإنجيل)، وليس كما يصنعها الخيال.

 

يشكّل سخط تريزيا الصغيرة، التي ألفت نفسها مضطرّة إلى الإصغاء إلى القصص والخيالات التي ينشرها مبشّرو زمنها، نوعًا من الإحباط الذي لا يختلف عن ذلك الذي اختبره القدّيس توما قبل قرون. وقد سأله زميله وهو مبشّر دومينيكيّ ذات مرّة إن كان صحيحًا أنّ مريم، في حياتها، قد كرّرت بحزن عظيم كلمات "وأنتِ سيَنفـُذ ُ سيفٌ في نفسِكِ" سبع مرّاتٍ يوميًّا، فأجابَه توما -  ملمّحًا غير مرّة إلى نفاذ صبره – بأنّ الافتراض لا يخفي قوَّةً وراءه. وأعلن: "في رأيي، يجب ألا يتمّ التبشير بتفاهات مماثلة، علمًا أنّه ثمّة عدد من الموضوعات التي تستحقّ التبشير بها لأنّها حقيقيّة على الإطلاق". وكانت تريزيا، الملفان "الصغيرة"، توافق الأكوينيّ تمامًا في هذه النقطة. فقد لاحظت: "عاشت (مريم) حياة إيمانيّة نعرفها كلّنا، وهذا ما يجب إيضاحه من خلال ما سبق أن قرأناه في الإنجيل". ومرّةً أخرى: "أنا متأكّد أنّ الحياة التي عاشتها كانت عاديّة جدّا... يتمّ تصويرها وكأنّه يتعذّر بلوغها، ولكنّها بحاجةٍ إلى أن تظهر شخصًا يمكننا الامتثال به من خلال ممارسة فضائلها المخبّأة".

 

كذلك، فقد تحدّث البابا بولس السادس، في عظته الرسوليّة ماريالِس كولتُس، عن "فضائل مريم الإنجيليّة الموثوقة"، ألا وهي "إيمانها"، و"طاعتها الكريمة"، و"تواضعها الحقيقيّ"، و"ثباتها في المنفى والألم"، و"فقرها وثقتها بالله"، و"محبّتها التوّاقة"، و"تروّيها الدقيق"، و"حكمتها العميقة". من الواضح، في قلب الأمور كلّها هذه، أنّ مريم مثالنا ووحينا العمليّان. وغنيّ عن القول أنّها تتجاوزنا بطرق متعدّدة. في صلاة "السلام عليكِ يا مريم"، عندما ندعو نحن تلاميذ يسوع، "مريم" باسمها بكلّ بساطة، فنحن نتذكّر أنّ اهتمام الله بالمتواضعين، وأنّ آخر التلاميذ حتّى في ما بيننا يمكنه أن يأمل أن يرتفع بواسطة الرحمة الإلهيّة، وأن يشارك قليلا ً في كمال النعمة. والقدّيس إيلدِفونسُس، مدركًا نعمة الشفاء التي نالها هو نفسُهُ من ابن الله المتجسّد، يعود من طـُليلة، وهو راهب من القرن السابع، إلى مريم أمّ إلهه، بتساؤل وفرح، ويصرخ بقوّة: "كي يصبحَ مخلّصي، أصبحَ ابنكِ. وكي يُصبحَ ثمنَ فدائي، تجسّدَ في أحشائِكِ، تجسّدَ كي تشفيَ جروحُهُ جروحي". ثمّ، لاحقًا، في النصّ نفسه، معتبرًا نفسه "إنسانًا متواضِعًا"، كتب التالي:

أصلّي إليكِ، يا أيّتها العذراء القدّيسة، كي أمتلك

يسوع من خلال الرّوح نفسه هذا الذي من خلاله

وَلدْتِ يسوع. من خلال هذا الرّوح الذي بفضله حمل

جسدُك يسوع، فلتقبل نفسي يسوع؛ من خلال هذا

الرّوح الذي بفضله تمكّنتِ من معرفة يسوع وإنجابه،

 فلأنعمْ بمعرفة يسوع...

       نذرتِ نفسكِ كي تخدمي الله، راغبة ً في أن يكون كلُّ

شيء بحسب كلمةِ الملاك؛ فلأقلْ، أنا الإنسان المتواضع،

بفضلِ الرّوحِ نفسه هذا، كلامًا نبيلاً عن يسوع.

 

 

       الفصل الثاني: "الرّبُّ معكِ!".

       لقد رسم الفنّانون على مرّ العصور هذه الكلمات ومعانيها بروعة، إلى حدّ أنّهم عندما حاولوا أن يتأمّلوا في اللقاء الذي تمّ بين مريم والملاك، صار لا بدّ لنا من أن نتخيّل ذكرى بعض الصور أو الأيقونات المشعّة المرسومة بفنّ. إلاّ أنّ مشهد البشارة قد "رُسِمَ" أمامنا بالصوت، والألوان، والكلمات، والصور. يُعتَبَر النشيد الدينيّ القديم الذي سبق أن ذكرته الصلاة أو القصيدة الأوسع شهرةً التي تدخل في هذا الباب. ولكن، بالعودة إلى القرن الرابع، نجد في إحدى عظات القدّيس غريغوريوس النازيانزيّ، على سبيل المثال، مقطعًا يشجّع فيه الناس على عدم اعتبار البشارة مشهدًا خارجيًّا وحسب، بل يدعونا بالأحرى إلى أن ندخل السرّ مباشرةً، إذا جاز التعبير، ونردّد معًا بصفتنا جماعة تلك الكلمات التي وُجّهَت إلى مريم. وبالتالي، يعلن القدّيس غريغوريوس في عظته نقطة ً رئيسة هي:

فلنقل بأعلى صوتنا مع الملاك، إفرحي يا ممتلئة نعمة،

الربّ معك... مع الخادم، والملك؛ مع الطاهرة،

مع التي تقدّس العالم برمتّه؛ مع الجميلة،

مع الأشدّ جمالا ً بين أبناءِ البشر!

 

وتصوّر لنا قصيدة قصيرة نظمتها الشاعرة الكاثوليكيّة دنيز لِفرتوف في القرن العشرين صورة ليست أضعفَ حيويّة ً لمشهد البشارة. والقصيدة تبدأ كما يلي:

نعرف المشهد: الغرفة المتنوّعة المفروشات، فيها منضدة للقراءة وكتاب؛

إضافة إلى الزنبق الطويل.

ثمّ نصل إلى الأجنحة العظيمة الجليلة، السفير الملائكيّ، الواقف أو المحلّق،

وقد اعترفت به زائرًا لها.

ولكنّهم يخبروننا عن طاعة وديعة. ولا أحد يذكر الجرأة أو الشجاعة.

لم تحبل من الرّوح القدس من دون أن توافق على الأمر.

لقد انتظرها الله.

 

ثمّ تكتب لِفرتوف في القصيدة: "هذه هي اللحظة التي لم يتحدّث عنها أحد، حين كان بمقدور مريم أن ترفض". إلّا أنّها قبلت "الخدمة المذهلة التي قـُـدِّمت إليها":

 ... أن تحمل

في جوهرها المحدود والمحتجب،

تسعة أشهر من الحياة الأبديـّة...

ثمّ تلِد،

وتجلب إلى هذا العالم طفلاً – إنسانًا

يحتاج، كأيِّ طفلٍ آخر،

إلى الحليب والحبّ –

على الرّغم من أنّه الله.

 

يذكّر تعبير لِفرتوف السَّابق "لقد انتظرَها الله" سريعًا ببعض الجمل التي قالها القدّيس برنارد من كليرفوف عظته عن البشارة. فقد توجّه إلى مريم مباشرةً معلنًا لها:

سمعتِ بأنّكِ ستحملين وتلدين طفلا ً؛ سمعتِ بأنّكِ

ستحملين، ليس بواسطة إنسان، بل من الرّوح القدس.

ها إنّ الملاك ينتظر ردّك: لقد حان الوقت الآن ليعود

إلى الله الذي أرسله. ونحن أيضًا ننتظر كلمة الرّحمة

يا مريم، حتّى نحن المنغمسين في تعاستنا...

بكلمة واحدة منكِ، نستعيد الحياة...

أجيبيه، يا عذراء؛ هيّا أجيبي الملاك بسرعة؛

أو بالأحرى، أجيبي الله، بواسطة الملاك. قولي الكلمة،

وتلقّي الكلمة؛ قدّمي ما هو لكِ، واحملي بما هو لله؛

تخلّي عمّا هو مؤقّت، واحضني ما هو أبديّ.

 

كان ما طـُـلِبَ إلى مريم أمرًا استثنائيًّا. إلّا أنّ الشاعرة لِفرتوف تذكّرنا بأنّنا جميعنا سيُطلب إلينا عاجِلا ً أم آجِلا ً ما نحاول غالبًا أن نتفاداه:

ألستَ تواجه في حياتِك بشاراتٍ من نوع ٍ آخر؟

بعضُ الناس يضطلع بمصير رائع

من دون أن يرغب في ذلك،

ويفعلهُ باعتزاز كئيب،

من دون أن يفهم شيئًا.

وفي معظم الأحيان، تتحوّل هذه اللّحظات

التي تنفتح فيها طرُقاتُ النّور والعواصف

من ظلمة رجلٍ أو امرأة، عن مسارِها،

في الرّهبة، في موجة وهن، في يأس مرفقة ً بشعور الارتياح.

 

بحسب لِفرتوف، عندما نتواجه وتحدّي "بشارتنا الخاصّة"، غالبًا ما ندير ظهرنا، غير قادرين على التوصّل إلى فهم ما يُطلبُ إلينا. وتتابع لِفرتوف قائلة: "تستمرّ الحياة الطبيعيّة، إلاّ أنّ البوّابة تقفـَل، ويختفي الممرّ". في المقابل، طـُبِعَت إجابة مريم في البشارة بشجاعةٍ عظيمة: "مدعوّة إلى مصير أشدّ أهميّة / من أيّ مصير كان في الأزمنة كلّها / لم تخَف".

لم تصرخ: "لا أستطيع، لا أستحقّ ذاك"، ولم تقل: "ليس لديّ القـوّة"...

كانت الأشدّ شجاعة بين البشر جميعهم،

وقد أنارها القبول.

الغرفة كانت مشعّة أنوارًا،

 والزنبق يلمع فيها،

وأجنحة الملاك الملوّنة تلمع.

قبولٌ،

وشجاعة ٌ لا مثيل لها،

قبول وشجاعة انفتحت تمامًا بواسطتهما.

 

وقبل أن تسلّم مريم إرادتها إلى الله في البشارة، طرحت في بادئ الأمر سؤالاً على الملاك: "كيف يكون ذلك؟" بالطبع، لم تكن تطالب بشرح عقلانيّ قبل أن تسلّم مشيئتها إلى الله وتقول "نعم". لقد كتبت القدّيسة تريزيا الأفيليّة متأمّلة في عمليّة تسليم مريم مشيئتها إلى الله في البشارة:

لم تتصرّف مريم مثل بعض البشر المتعلّمين... أولئك الذين يريدون أن تكون الأمور عقلانيّة جدّاً وبغاية الدقّة في فهمهم وكأنّهم وحدهم، بواسطة علمهم، يفهمون عظمة الله. حبّذا لو أنّهم يتعلّمون التواضع من العذراء المباركة!

 

إذاً، لقد وضعت مريم ثقتها الكاملة في الكلمة الذي جاء إليها من السَّماء، وسلّمت أمرها إلى الله. إنّ عمليّة الاستسلام هذه أمر يصعب جدّاً علينا القيام به. ولذلك، لا بدّ من ذكر ملاحظة موجزة مذهلة قدّمها أحد أشهر المتصوّفين الكاثوليك والمفكّرين في القرون الوسطى، مِيستِر إيكهارت (Meister Eckhart). فقد كتب: "إنّ تلاوة صلاة "السّلام عليكِ يا مريم" مرّة واحدة عند تسليم المرء نفسه إلى الله تبدو أشدّ إفادةً من قراءة المزامير آلاف المرّات".

 

ومن الأمور المنيرة في هذا السياق زيارة قام بها كاهن أميركيّ في كالكوتا منذ سنوات عديدة. فقد كانت زيارته في جزء منها تضطلع بأمل لقاء الأمّ تريزا. ولكن، كان عليه كذلك أن يتّخذ قرارًا حاسمًا. بالتالي، كانت تلك "لحظة َ البشارة في حياته" بطريقة أو بأخرى. وكان أوّل ما قام به في كالكوتا هو الذهاب في رياضة روحيّة طويلة. ثمّ، عندما أنهى رياضته، جاء للقاء الأمّ تريزا. طلب إليها أن تصلّي لأجله. فسألته: "ما الذي تريدني أن أصلّي لك من أجله؟" أجابها: "من أجل صفاء الذهن". فردّت له: "لا، لن أصلّي من أجل هذه النيّة" – ردٌّ فاجأهُ تمامًا. ثمّ قالت: "سأصلّي من أجل أن تثق بالله".

 

بالتأكيد، ثمّة وقت ومكان لاستخدام عقولنا، ولكي نواجه بعض المشاكل المتعلّقة بإيماننا. لقد وضع الكاردينال نيومَن الأمر ضمن إطاره الصّحيح، بتأمّلٍ له في بشارة مريم، عندما قال: "تمثـّل مريم نموذج الإيمان الذي يجدر بنا أن نتبعه، في تلقّينا الحقيقة الإلهيّة ودراستها على حدّ سواء". ولكن، لماذا؟ لأنّ مريم "تأمّلت" في رسالة الملاك. ويتابع نيومَن قائلاً: "لم تفكّر مليّاً قبل أن توافق على الرّسالة، فقد فكّرت فيها... ولكن ليس بما يكفي لتقبل، بل كشفتها... مؤمنة ً في البدء قبل أن تحكّم عقلها؛ إعتمدت على حبّها واحترامها، ثمّ فكّرت بعقلانيّة بعد أن آمنت". اللاهوت أساسيّ، ولكنّه يأتي في المرتبة الثانية. ذلك أنّ الأهمّ والأساسيّ، لدى كلّ من نيومَن والأمّ تريزا هو الثقة البسيطة الشبيهة بثقة الطفل. ويطلق نيومّن عليها اسم "الإيمان من دون تفكير".

 

في هذه العمليّة حيث تُساق مريم في بادئ الأمر للاستسلام لمشيئة الله، قبل أن تبدأ بتأمّل السرّ، يمكننا أن نقول إنّ الملاك قد بشّرها. وقد كتب إيلديفونسُس من طليطلة التالي في هذا الموضوع:

لقد زاركِ الملاكُ، وسلّم عليكِ، ودعاكِ مباركة، فاضطربتِ وأنتِ تسمعين كلامه، واستوعبتِه بعد أن تأمّلتِ فيه، وذُهلتِ بسلامه عليكِ، وتعجّبتِ بالكلام الذي كان يقوله لك. تسمعين بأنّكِ نلتِ الرضى من لدن الربّ، ويُطلبُ إليكِ ألاّ تخافي؛ فأنتِ قويّة بثقتك، وعالمة بالمعجزات، وقد رُقّيتِ إلى حالة مجدٍ جديدة، مجهولة حتّى اليوم... ذلك أنّ الطفل الذي ستلدينه قدّوس وسيُدعى ابن الله – لذا، فإنّ الملاك يبشّركِ – وها أنتِ تعلمين بإحدى أجمل الطرق بمدى عظمة سلطان الذي سيتمتّع به الملك المُنتَظَر. ثمّ سألتِ : "كيف يكون ذلك؟" أنتِ تستفسرين عن السبب؛ تبحثين عن تفسير؛ تسعين إلى معرفة ذلك بخبرتِكِ؛ وتتحقّقين من سير العمليّة. ثمّ أصغي إلى هذه النبوءة الجديدة التي يبشّرك بها، ولاحظي السرّ المجهول، واشهدي على العمل غير المرئيّ هذا. "إنّ الرُّوحَ القُدُسَ سينزِلُ عليكِ وقُدرةُ العليِّ ستُظلّلكِ" (لو 1/ 35). سيُنجز الثالوث الأمر بشكل غير مرئيّ وستحملين. ذلك أنّ شخص ابن الله سيولد منكِ، وسيصير إنسانًا بواسطتكِ. لذا، فمَنْ ستحملين به في أحشائِك سيولد منكِ، ومَنْ سيولد منكِ سيكون قدّوسًا وابن الله سيُدعى؛ سيكون رائعًا، وإلهَ القوّة؛ هو ملك الأزمنة كلّها؛ هو خالق كلّ شيء.

 

عندما نقرأ مقطع البشارة في الإنجيل، نكتشف أنّ الكلمة اليونانيّة الأصليّة، لم تكن "السّلام" كما في "السّلام عليكِ يا مريم"، بل كانت بالأحرى كلمة "Chaire" أي "إفرحي"! كانت وصيّة أو دعوة سماويّة لم تكن مريم، أقلّه في البدء، قادرةً على تطبيقها. في الواقع، نقرأ في الإنجيل أنّ مريم، بعيدًا عن اختبارها في أعماقها فرحًا عظيمًا وفوريًّا، كانت "مضطربة" في صميمها. كانت مرتبكة – وهذا منطقيّ – وتشعر بأنّها من الآن وصاعدًا، سيكون الوضع النفسيّ هذا جزءًا لا يتجزّأ من حياتها الإيمانيّة. بالطبع، شعرت مريم بفرح عظيم في بعض الأوقات، ولكنّها عرفت أيضًا أوقات حزن وألم شديدَين، ولربّما عانت أيضًا نوعًا من الاكتئاب بعد آلام ابنها وموته. أنا لا أقدّم هذا الطرح بناءً على رأيي الخاصّ، بل بحسب ما قرأته في كتابات القدّيسة تريزيا الأفيليّة.

 

ذات مرّة، عندما كانت تريزيا الأفيليّة، وباعترافٍ منها، تشعر بوحدة قاتلة وبيأسٍ شديد (كان ذلك في فترة عيد الفصح، في حين كان الجميع فرحين)، اختبرت الله آتيًا إليها ليواسيها بعد تناولها القربان المقدّس. وقد منحها كلامه نظرة مهمّة إلى الارتباك الذي اختبرته والدة يسوع بعد قيامته. في هذا الصدد، كتبت تريزيا الأفيليّة:

يبدو جليًّا أنَّ ربّنا كان جالسًا بالقرب منّي، فبدأ يواسيني برضى عظيم، وقال لي أمرًا من بين أمور عديدة: "أنظري إليّ يا ابنتي، أنا هنا، أعطيني يدَيكِ". وبدا لي وكأنّه أمسكني بهما قائلا ً: "إلمسي جراحي، أنا معك، لست وحدَكِ".

 

ثمّ أضافت تريزيا الأفيليّة:

لقد أخبرني يسوع أنّه مباشرةً بعد قيامته، ذهب ليرى أمّه لأنّها كانت بحاجة مطلقة في ذلك الوقت إلى رؤيته بعد الألم الذي اختبرته في آلامه، فاخترق روحها لأنّها لم تعد مباشرةً لتفرح بذلك الفرح... كذلك قال إنّه بقي وقتًا طويلاً معها لأنّ حضوره معها كان ضروريّاً جدّاً ليواسيها.

في الواقع، إنّ ما كان يسوع يقوله لمريم أمّه هو الكلام نفسه الذي قاله لتريزيا في وحدتها ويأسها، وهو الكلام نفسه الذي يودّ أن يقوله لنا جميعًا، مهما شعرنا بأنّنا متروكون أو مكسورون: "لستم وحيدين، أنا معكم" – أي بتعبيرٍ آخر، "الرّبُّ معكم".

 

وينهي شاعر إيرلنديّ من منتصف القرن الثامن تأمّلا ً طويلا ً متفانيًا في تمجيد يسوع بن مريم، متحدّثـًا عن ألم مريم الذي لا يمكن وصفه عندما تألّم ابنها الوحيد ومات. في مرحلة من المراحل، توجّه الشاعر بكلامِهِ مباشرةً إلى والدةِ يسوع قائلاً: "أدعوكِ بكلماتٍ صادقة، مريم". وبعد أن دعا ابنها "المسيح المُشرِق"، كشف قوّة رغبته وعمقها في أن يواسي الآخرون، وهو واحدٌ منهم، مريمَ المحزونة:

إذا حكمت بشرف عظيم

شعوب الأرض حتّى أقصى المحيطات

سيأتون معي ومعك

ليندبوا ابنك، ابنك الملك.

رجال، ونساء، وأطفال

يصفعون وجوههم من دون توقّف

منتحبين على التلال

يرثون الملك الذي خلق النجوم.

ولكنّني لا أستطيع ذلك: لذا سأرثيه

سأندب ابنكِ معكِ بكلّ جوارحي

إذا جئتِ يومًا ما

لتزوريني.

لعلّنا نسير معًا

في رثاء قلبٍ طاهر،

آه، يا قمّة الإيمان الأطهر،

إليَّ إليّ، يا مريم المحبّة.

 

 

الفصل الثالث: "مباركة أنتِ بين النّساء"

       عندما سلّمت أليصابات نسيبة مريم عليها بهذه الطريقة، بدأت نفسها تعظـّم الربّ على الفور، وبدأت ترتّل صلاة الفرح هذه وصلاة معرفة الله الذاتيّة: "نفسي تعظـّم الربّ، وروحي تبتهج للهِ مخلّصي!" لم تكن مريم قادرة على الاستجابة بهذا الشكل عندما بشّرها الملاك جبرائيل. لا – ففي النهاية، ما أجّج فرحَها كان كلمات أليصابات نسيبتها، تلك الكلمات المتواضعة التي عرفت بفرح ما يحصل: "مباركة أنتِ بين النّساء، ومباركة ثمرة بطنك!" وإذا لم أكن مخطئًا، ثمّة درس مهمّ عن الموضوع ولكن غير متوقّع، نتعلّمُه.

فقد نميلُ أحيانـًا إلى التفكير في أنّنا، لولا تثبيت بعض الرؤى الداخليّة أو الخبرة العميقة في الصَّلاة، لم نكن لنأمل في معرفة الفرح الذي يولّده حبّ الله. إلاّ أنّ خبرة مريم، عندما زارت أليصابات، تذكّرنا بأنّ إنجازًا مماثلا ً بهذا العمق والفرح قد يكون ثمرة عمل خيّر أو مساعدة شخص محتاج بكلّ بساطة. مرّة أخرى، يُذهلنا أن نكتشف أنّ الله ينتظر في الفقراء، وفي كلّ شخص بحاجة إلى مساعدتنا، كي يملأنا بمعرفته، بتلك المعرفة المفرحة، وهي أنّنا محبوبون.

 

في الواقع، إنّ هذه المعرفة معرفة شافية. فإذا كنّا نحنُ، مَن نعرفُ تمامًا أنّنا جرحى بطريقةٍ ما، نبذل جهدًا بسيطـًا لمساعدة أولئك المعذّبين، وإذا "كسرنا للجائع خُبزنا"، وحاولنا أن "نُدخِلَ البائسينَ المَطرودينَ بَيتَنا"، أو إذا ساعدنا شخصًا محتاجًا مثل مريم، فحينئذٍ يَبزُغ ُ كالفجرِ نورُنا ويندَبُ جُرحُنا سَريعًا" بحسبِ قولِ النبيّ أشعيا (أشعيا 58/ 6 – 8). ولكن، لماذا؟ لأنّنا نلتقي شخصيًّا الله من خلال هؤلاء المحتاجين: "كلّما صنعتـُم شيئًا مِن ذلك لِواحِدٍ من إخوَتي هؤلاءِ الصّغار، فلي قد صَنعتُموه". أذكُر في إحدى المناسبات أنّ الأمّ تريزا دو كالكوتا كانت تمسك بيدي، وتكتب، بطريقةٍ ما، بسبّابتها هذه الرسالة على أصابعي قائلة ً: "إنّ السرَّ كلّه يكمنُ هنا، أيّها الأب بول، في هذه الجملة البسيطة: لي – قد – صنعتُموه". ثمّ أخذت يدي مجدّدًا، وكرّرت التمرين، ولكن، هذه المرّة، بمزيد من التشديد: "لي – قد – صنعتُموه". مرّتين – أظنّ أنّها قد أدركت أنّني متعلّم بطيء!

 

وفي مناسبة أخرى، قالت لي الأمّ تريزا أنّها، أثناء الأسابيع الأولى من عملها مع الفقراء في كالكوتا، حصل معها أمر غير اعتياديّ. ذات ليلة، راودها حلم استثنائيّ. يمكنني حتّى هذا اليوم أن أرى ذلك البصيص في عينيها وهي تخبرني القصّة. لقد ألفت نفسها أمامَ أبواب الجنّة. وغنيّ عن القول إنّ فرحها كان عظيمًا. في النهاية، ظنّت أنّ النعيمَ والجنّة لها. ولكن، بشكلٍ مفاجِئ، خرجَ القدّيس بطرس وأوقفها على الباب قائلا ً لها: "لا، لا يمكنك الدخول. هنا لن تجدي أحياء فقيرة!" فقالت لي لاحقًا: "غضبت كثيرًا من بطرس". ولكن، مباشرةً بعد تلك الجملة، نظرت إلى بطرس وقالت له: "حسنًا يا بطرس سأعود. ولكن، تأكّد من أنّني سأعود إلى هنا في وقت قصير، وأملأ جنّتك كلّها فقراء من تلك الشوارع!".

 

عندما ترتّل مريم صلاة "المانيفيكات" (Magnificat) أو التمجيد، فهي تحدّد أوّلاً وأخيرًا مع أشدّ الفقراء عَوزًا ترتيل قوّة الله العظيمة ورحمته لمَن "أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتواضعين"، ومَن "أشبع الجياع خيراتٍ وصرف الأغنياء فارغين". إنّ قلق مريم هذا على المحتاجين والمنسيّين في العالم قلق ستتشاطره مع كلّ مَنْ يشعر بأنّها ألهمته بمثالها وبكلمات تمجيدها، وحثـّـته على الامتثال بمسيرة الإنجيل نفسها، وبتنفـُّس روح الإنجيل نفسها. لذلك، فإنّ مجرّد محاولتنا تكريمها، إذا كنّا قد اخترنا في الوقت نفسه أن نغضّ النظر عن مشكلات الفقر والظلم في عالم اليوم، هي في الواقع إدارة ظهورنا للفقراء، وإغماض عيوننا لئلّا نرى مشاهد الجوع، وسدّ آذاننا لئلّا نسمع أوجاع هؤلاء الذين حدّد المسيح بنُ مريم نفسَه فيهم بوضوح.

 

       وتجدر الإشارة في هذا السِّياق إلى نصّ مشرق وقويّ وغير مألوف عن التضرّع لمريم، يعود إلى القرن السَّابع عشر. يُعنى الكتابُ الذي يحملُ العنوان الضارب: نصيحة مفيدة من العذراء المباركة إلى محبّيها الطائشين بتحديد نتائج الإفراط في التقوى والعاطفة المبالغة فيها وبانتقادها. ويسمح المؤلّف آدم ويدنفيلد لمريم، أمّ الله، بأن تكلّمنا في النصّ بشكل مباشر كما لو كانت تحدّثنا بالفعل. وهكذا، في مراحل معيّنة من العمل، نسمعها تقول: "لا تظنّوا أنّ الحبّ الذي يكنّه أحدهم لي جدير بالثناء عندما تكون صوري مثبـّـتة بحجار وحلّى ثمينة، في حين أنّ يسوع يعاني فقرًا، ويموت جوعًا، ويرتجف بردًا".

 

لقد تسبّب المسار الغريب هذا بخلافاتٍ وجدالات خطيرة في ذلك الوقت، وبمعارضة عنيفة وعلنيّة لِما دعاه المؤلّف "التديّن الجافّ البسيط" و"التقوى السهلة والمناسبة"، وهما ميزتان يتّسم بهما المتعبّدون لمريم العذراء. ولكن، لسوء الحظ ّ، أعطت نبرة المسار، بكلّ ما فيه من سلبيّة، انطباعًا بمعارضة أنواع التعبّد لمريم كلّها تقريبًا. ومع ذلك، فإنّ المقطع الخاصّ بكلام مريم المباشر والذي اقتبسه آنفًا هو من دون أدنى شكّ غرائزيّ مع حكمة الإنجيل المسيحيّ وصعوباته. وثمّة عظمة تعود إلى قرون قديمة ألقاها القدّيس العظيم والمبشّر يوحنّا فمّ الذهب عن قلق تجاه الفقراء المَنسيّين ليس أدنى أهمّـيّة من القلق الذي ذكرناه. لقد أعلن:

ما النفع من أن نثقل طاولة المسيح بكؤوس ذهبيّة، في حين أنّه هو نفسه يموت جوعًا؟ أوّلاً، أطعموه عندما ترونه جوعانـًا؛ ثمّ استخدموا لاحقـًا الوسائل التي وضعتموها لتزيين طاولته. هل تقتنون كأسًا مصنوعًا من الذهب ولا تملكون كأس ماء حتّى؟... لا تزيّنوا الكنيسة إذاً وتهملوا البائس، لأنّه أثمن الهياكل على الإطلاق.

 

ثمّة أشخاص في العهد الجديد يوصَفون بـ"المُباركين": هم على سبيل المثال أولئك الذين قال لهم يسوع في اليوم الأخير: "تعالَوا، يا مَن بارَكَهم أبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لكم منذ إنشاءِ العالم. لأنّي جُعتُ فأطعمتُموني، وعطِشتُ فسقيتُموني، وكنتُ غريبًا فآويتُموني، وعُريانـًا فكسوتُموني، ومَريضًا فعُدتُموني، وسَجينًا فجِئتم إليَّ". إنّ هؤلاء الرِّجال والنساء جميعهم "مباركون". ولكن، ما الفرق بين خبرتهم وخبرة مريم في كونهم مباركين؟ عندما نتلو جملة "مباركة أنتِ بين النساء" في صلاة "السلام عليكِ يا مريم"، ساعين إلى تحديد أنفسنا مع البيان العظيم لأليصابات، فنحن نعترف بوضوح بأنّ الله فضّل مريم بشكلٍ خاصّ، وباركها وحدها. ويقول غريغوريوس النازيانزيّ: "نعم"، بالطبع أنتِ مباركة بين النساء: مباركة لأنّك أنتِ مَن اختارَكِ الربّ بين العذارى كلّهنَّ، وقال إنّكِ جديرة بأن تستقبلي هذا الربّ، وحملتِ في أحشائِكِ مَن يملأ كلّ شيء. وبعد هذه الكتابات بقرنٍ تقريبًا، استكمل الشاعر واللاهوتيّ يعقوب السروجيّ (+451 – 521) هذا الموضوع نشيد إلى مريم العذراء:

مباركة هي: لقد أصبحت الهيكل الذي يقيم فيه ابن السموات العالية...

مباركة هي: لقد حملَ بطنُها المحدود عظمة ً غير محدودة...

مباركة هي: لقد بَنَتْ بيتًا في بطنها لِمَن يُهدّئُ أمواجَ المحيط...

مباركة هي: لقد حملت القوّة العملاقة هذه التي تحمل العالم بدورِها، وقد حضنت يسوع، وغطـّته بملاطفاتها الحنونة...     

مباركة هي: لقد لمست شفاهها مَن يجعل لهيبه وإشعاعاته السيرافيم المشتعل يرتدّ...

مباركة هي: لقد استطاعتْ أن تُرضِعَ مَنْ وهبَ الحياة للعالم كلّه حليبَها...

 

إنَّ فرادة مريم، مهما كانت مدهشة، لا تعبّر أبدًا عن نيّة الله بالتقليل، ولو للحظة، من حضور نعمته في حياة الآخرين. وتقول القدّيسة تريزيا من ليزيو عن هذه النقطة تحديدًا:

لا حاجة إلى القول بأنّ العذراء المباركة، بحكم صلاحيّاتها، ستحجب مجد القدّيسين كلّهم، كما تخفي شمس الشّروق نجوم الليل. إلهيّ يا لها من فكرة غريبة! أمّ تجعل مجد أولادها يختفي! أظنّ أنّ العكس هو الصحيح – أظنّ أنّها ستضاعف مجد المختار.

 

لا مَثيل لمريم، لا بطبيعتها ولا بنعمتها. لا يمكن مقارنتها بأحد. ولكنّ البركة الاستثنائيّة التي نالتها من الله لا تعتّم ولو للحظة تنوّع البركات الكائنة ضمن جماعة من المؤمنين، بل العكس. إنّ تمجيدها يعزّز وعينا تنوُّع البركات هذا. سأل الربّ ذات مرّة جوليان من نورويتش: "هل تريدين أن تريها؟" وعندما أظهر لها مريم، أدركت جوليان في تلك اللحظة أنّها ذات أهميّة فائقة. فالله، وبينما يريها "الرؤية التي يرغب فيها المرء أكثر من أيّ شيء آخر"، كان يقول لها، كما يقول لنا: "هل تستطيعون أن تروا في مريم كم أنتم محبوبون؟ لأنّني أحبّكم، جعلتها ممجّدة وسامية بهذا القدر، وجديرة بما وُهِبَ لها". ويعبّر الرّاهب القدّيس أنسيلم الذي عاش في القرن الحادي عشر عن هذه الفكرة بالتحديد في إحدى صلواته الموجّهة إلى مريم، مسارعًا إلى التساؤل عن فكرة تميُّز مريم، لا بل عن علاقتها المذهلة أيضًا بكلّ فردٍ منّا؛ قال:

مباركة أنتِ ومُمجّدة

ليس من أجلِكِ وحسب، بل من أجلنا نحن.

ما هو العظيمُ المحبّ هذا الذي

أراه يأتي إلينا من خلالكِ؟

 

 

الفصل الرابع: "مباركة ثمرة بطنك يسوع!"

في هذه المرحلة من تأمّلنا، حتّى ولو كنّا لا نزال نوجّه الكلام إلى مريم، فنحن نذكر كلمة "يسوع". لقد وصلنا إلى قلب صلاتنا، إلى حيث تتّخذ معناها. ذلك أنَّ صلاة "السلام عليكِ يا مريم" لا قيمة لها إن لم تكن مدخلا ً إلى سرّ المسيح. وقد كتب البابا القديس يوحنّا بولس الثاني عن هذه النقطة تحديدًا: "إنّ نقطة الجاذبيّة في صلاة "السلام عليكِ يا مريم"، والمفصل الذي يجمع جزئيها معًا، هو اسم يسوع". بالطبع، بحسب قول البابا القديس يوحنّا بولس الثاني، فإنّ هذا الاسم "هو الاسم الوحيد الذي يمكن أن نستخدمه آملين الخلاص".

ويتابع كلامه: "ثمّة أمرٌ واحد شديد الوضوح: على الرغم من أنّ تكرار صلاة "السلام عليكِ يا مريم" موجَّهٌ مباشرةً إلى مريم، فإنّ عملَ المحبّة موجّه جوهريًّا إلى يسوع، مع مريم ومن خلالها". في معظم الصلوات الموجَّهة إلى مريم والتي نُظِمَت على مرِّ العصور، كانت هذه النقطة تظهر بوضوح. لذلك، في الأسطر التالية من قصيدة إيرلنديّة قديمة تُنسَب إلى القدّيس كولومسيل (التضرّع إلى مريم العذراء المباركة)، وعلى الرّغم من ذكر مريم وتشبيهها بـ"الباب نحو الملكوت" و"حاميته"، إلّا أنّنا نفهم أنّ نعمة انفتاح هذا الباب تعتمد أوّلا ً وأخيرًا على ميلاد ابنِ مريم يسوع المسيح، وموته، وقيامته.

باب اختياريّ تجسّد من خلاله

النور السّاطع الذي يختاره الجميع،

يسوع ابن اللهِ الحَيّ.

من أجل اللهِ الجميل

الذي حملته في أحشائك

من أجل الطفل الوحيد الذي أنجبته

هو ملك الملوك أينما كان،

من أجل صليبه،

ذلك الصّليب الأشدّ نبلا ً من أيّ صليبٍ آخر،

من أجلِ القبر،

ذلك الحجر الذي دُفِن خلفه،

من أجلِ قيامته

التي شهد لها الجميع،

من أجل سكّان بيته المقدّس

القادمين إليه من كلّ مكان يوم الدينونة،

أصلّي، في حين تستمرّ الحياة،

كي تكون أنتِ حاميتَـنا

في ملكوت الله الصّالح

وأن نكون بحضرة يسوع الحبيب.

 

يركّز القدّيس توما الأكوينيّ في نهاية تفسيره "السلامُ عليك يا مريم" كامل اهتمامه على يسوع بنِ مريم. فبحسب توما، "إنّه هو ثمرة العذراء المباركة"، وفيه نجد "العذوبة والخلاص" و"إشراق مجد أبيه":

لذلك، فلنبحث في ثمرة العذراء التي نرغب في الحصول عليها. بارك الله هذه الثمرة، لأنّ الله ملأه نعمة ً تفيض علينا نحن الذين ننحني إجلالا ً له في السجود: "مبارك الله وأبو ربّنا يسوع المسيح، مبارك الذي باركنا بكلّ بركة روحيّة في المسيح". لقد باركته الملائكة: "البركة، والمجد، والحكمة، والشكر، والإجلال، والقوّة، والقدرة، فلتكن لإلهنا إلى أبد الآبدين". وكذلك باركه البشر: "فليعترف كلّ لسان بأنّ ربّنا يسوع المسيح حاضر في مجد الآب". مبارك الذي أتى باسم الله". بالتالي، فإنّ العذراء مباركة، إلّا أنّ الثمرة مباركة أكثر بعد.

 

لقد بيّن القدّيس توما سابقـًا في تفسيره التناقض القائم بين ثمرة بطن مريم، وهي الإجابة عن رغباتنا كلّها، والثمرة المحرَّمة، ذلك الطعم الذي لطالما حلمت حوّاء بتذوّقه ظنًّا منها أنّ تلك الثمرة تزوّدها معرفة الله وتشبّهها به. إلاّ أنّ حوّاء قد خاب أملها بالطبع: "ذلك أنّها مع تناولها الثمرة، لم تشبه اللهَ، بل اختلفت تمامًا عنه". في المقابل، "لقد وجدت مريم، حوّاء الجديدة، في ثمرتها (ابنها) كلّ ما رغبت حوّاء فيه". أدركت أنّ الحياة في بطنها حياة إلهيّة، وهذا ما غيّرها كلّيـًّا. لقد كتب توما: "ألفت العذراء المباركة شبهًا بالله في ثمرة بطنها – وكذلك كلّ مّن يتبع المسيح – بما أنّنا مُتّحدون باللهِ وشِباهٌ به من خلال المسيح".

 

من الواضح جدّاً أنّ ما يعينه ذلك هو أنّ مَن يحيا المسيح فيهم، يحملون فيهم، على غرار مريم، الحياة الإلهيّة. فيهم ما لا يمكن أحدًا احتواؤه. ويذهب القدّيس سمعان اللاهوتيّ الجديد إلى أبعد من ذلك معلنًا أنّ "كلمة الآب، بمجرّد كونه إلهًا، دخل بطن العذراء – كذلك نتلقّى نحن أيضًا الكلمة، ونحملها كأنّها نوع من البذور". ثمّ يتابع كلامه قائلاً:

"بالطبع، نحن لا نحمل به جسديًّا، كما حصل مع العذراء

والدة الإله، ولكنّنا نحمله بطريقة روحيّة وجوهريّة على

حدٍّ سواء. أمّا الإله الذي حملت به مريم العذراء فنحن

نملكه في قلوبنا، كما قول القدّيس بولس: "فإنَّ الله الذي

قال: ليُشرِقْ مِنَ الظـُّلمَةِ نور، هو الذي أشرَقَ في قلوبنا

ليُشِعَّ نورُ معرِفةِ مجدِ الله، ذلك المجدِ الذي على وجهِ المسيح" (2 قور 4-6)

      

يعبّر الراهب المبارك إسحق من سِتلاّ عن العلاقة الوثيقة بين بطن مريم و"خيمة" الكنيسة في عظةٍ له من القرن الثاني عشر. مع الإشارة في نقطة معيّنة إلى سرِّ الإقامة الإلهيّة، يتجرّأ على أن يُعلن أنّ: "المسيح أقام تسعة أشهر في "خيمة" بطن مريم؛ أقام حتّى انقضاء الدهور في "خيمة" إيمان الكنيسة. سيقيم إلى الأبد في معرفة كلّ نفس ومحبّتها". من الواضح أنّه صعب علينا أن نتسلّل إلى قلب سرّ خبرة مشاهدة مريم الشخصيّة واعتبارها الوحيدة التي تميّزت بحمل الكلمة. إلّا أنّ بعض المقاطع في كتابات القدّيسين والمتصوّفين قد تزوّدنا بعضَ التلميحات عن ماهيّة خبرة مريم الإيمانيّة. وهنا على سبيل المثال، في ما يخصّ موضوع الإقامة الإلهيّة، تجدر الإشارة إلى مقطع نادر بروعته، وعظيم بعمقه مُستَلّ مرّة أخرى من كتابات القدّيس سمعان اللاهوتيّ الجديد:

أعلم أنّ الخليقة كلّها

تأخذني إلى داخله، هو الحاضر بعيدًا في الخارج

وتُخبّئني بين ذِراعَيه...

أنا، ذلك المرء الضعيف والإنسان الصغير في هذا العالم،

ألمحُ في قرارة نفسي

خالق العالم، خالق كلّ شيء؛

وأعرف أنّني لن أموت،

لن أموت لأنّني في قلب الحياة،

فالحياةُ كلّها تزهر فيّ

وكأنّها نبعٌ في أعماقي.

إنّهُ في قلبي، إنّهُ في السّماء:

وهو يكشف نفسه لي

بمجدٍ متساوٍ في قلبي كما في السماء.

 

 

 

       القسم الثاني: صلاة الناس

      يـا قـدّيســة مـريــم،

يا والدة الله،

صلّي لأجلنا نحن الخطأة،

الآن

وفي ساعة موتنا.

 

   

       يختلف الجزءُ الثاني من صلاة "السلام عليكِ يا مريم" تمامًا عن الأوّل بعدّة نواح ٍ. ففي بادئ الأمر، إنّها صلاة أشدّ ألفة؛ تمامًا مثل صلاة "الأبانا"، فهي صلاة تضرّع وتوسّل. ولكن، على خلاف الكلمات الواردة في الجزء الأوّل من صلاة "السلام عليك يا مريم"، لم تُؤخذ كلماتُ الجُزء الثاني من الكتاب المقدّس، بل أ ُخِذَت من التقليد. إنّ الصّلاة، بحسب كلماتها الحاليّة، تعود إلى نهاية القرن الخامس عشر. ولكن، قبل ذلك التاريخ ولفترة طويلة من الزمن، بدأ المؤمنون بإضافة صلواتهم التشفّعيّة القصيرة الخاصّة إلى صلاة "السلام عليك يا مريم" (آفي ماريا) الأصليّة. بالتالي، وبعد أن قرأ الأخ الفرنسيسكانيّ القدّيس برناردين من سيينا في عظةٍ له حوالي العام 1440 إنجيلـَي السلام اللذين تُنسب إليهما صلاة "السلام عليك يا مريم"، أعلن التالي: "أنا أعجز عن منع نفسي من إضافة يا قدّيسة مريم، صلّي لأجلنا نحن الخطأة".

 

ظهرت نسخة الصلاة هذه التي نعرفها حاليًّا مرّةً أولى في بحثٍ قصير أعدّه الراهب الدومينيكيّ جيرولامو سافونارولا (Girolamo Savonarola) العام 1495. أمّا في العام 1568 فقد اكتسبت النسخة هذه من الصلاة صفة رسميّة عندما أدرجها البابا الدومينيكيّ، القدّيس بيوس الخامس، في كتاب الدعاءات الكنسيّة المُستحدَث.

 

ومن نقاط القوّة والجمال الكامنة في صلاة "السلام عليك يا مريم"، يبرز الاهتمام المكرّس الذي لم تنلهُ على مدى سنوات في عالم الفنّ والرّسم وحسب، بل في عالم الموسيقى. ذلك أنّ كلمات الصلاة تنبع منها الطهارة والصراحة، وقد ألفى ملحّنو الأغاني من مختلف الأنواع أنفسَهم راغبين في تلحين كلمات هذه الصلاة. ومن الأمثلة الحديثة الجديرة بالذكر، تبرز النسخة التي أعدّها الملحّن الأوكرانيّ المعاصر ألكسي زوخارنكو.

ولكن، بالتأكيد، في تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة، كانت النسختان الأوسع شهرةً تعودان إلى المُلحّنَين: فرانس شوبرت (1797 – 1828)، وشارل غونو (1818 – 1893). في الواقع، أظنّ أنّ عددًا كبيرًا من الناس الذين لا يعتبرون أنّهم متديّنون بأيّ شكل من الأشكال، بعد سماعهم إحدى الصلاتَين الملحّنتَين هاتَين، قد تأثروا فعلاً بها لأنّها لامست أعماقهم. فشوبرت نفسه كتب في رسالة بعثها إلى أهله (25 حزيران 1885) بشأن تلحينه نشيدًا للعذراء أنّ عددًا كبيرًا من الناس تساءلوا في ذلك الوقت عن عمق تديّنه لمريم ونوعيّته: "لقد تساءلوا فعلاً عن التقوى التي أتمتّع بها وقد عبّرتُ عنها في نشيد إلى العذراء مريم، والتي يبدو أنّها تلامس كلّ نفس وتحوِّلها إلى التفاني".

 

الفصل الخامس: "يا قدّيسة مريم، يا والدة الله"

لا يحتوي الجزء الثاني كلّه من صلاة "السلام عليك يا مريم" على أيّ آية من الكتاب المقدّس. ولكنّنا نلاحظ أنّه يتمتّع، على غرار الجزء الأوّل، ببساطة روحانيّته وعمقها: يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة، الآن وفي ساعة موتنا. لم نعد نتوجّه إلى مريم باسمها وحسب، بل منحناها صفة ً رائعة هي "والدة الله". ذلك أنّها كانت تحمل في بطنها نار حضور الله الأبديّة، تلك النار التي التهبت أمام موسى في العلّيقة المشتعلة وملأته رهبة ً. لقد هتف أحد الشعراء المسيحيّين القدماء قائلا ً: "يا أيّها المشعّ، أنا أرى شعلة ً، نارًا تحيط بكَ، وهي تُرهبني". كذلك هتف القدّيس غريغوريوس النيصيّ في القرن الرابع:    

يا للعجب! أصبحتِ العذراء أمًّا وبقيت عذراء... لم

تحُل عذريّتها دون ولادة الطفل، ولم تفقدها الولادةُ

هذه عذريّتها... يبدو لي أنّ هذا ما أنبأ به الظهور

الإلهي لموسى... عندما اشتعلت النار في العلـَّـيق

والعُلـَّـيق لم يذبل... الأمر سيّان هنا. في الواقع،

لقد احتوى بطن مريم نار الحضور الإلهيّ وهذا أمر

فرض على مدى عصور دهشة الإيمان المسيحيّ.

بالتالي، فإنّ التراتيل والأناشيد والقصائد التي نُظِمَت

لتكريمها وتمجيدها لا تُحصى. وعلى سبيل المثال،

كتب شاعر إيرلنديّ مجهول الهويّة في القرن العاشر

قائلا ً إنّها: "الوعاء الذي يحتوي المنّ، والمزار الذي

يأوي ملك النجوم، والكأس الذهبيّة التي تحتوي

النبيذ المفرح والمُسكر". في هذا النشيد كما في سواه

من الأناشيد، كانت اللّغة التي اعتمدها الشّاعر فطريًّا

لغة فرح وحبّ. وهذا ليس بالأمر السيّئ أبدًا. في

الواقع، ما من لغة أشدّ ملاءمة لمشاهدة سرّ بهذه

العظمة والروعة. فحتّى أقوى ما قدّمه اللاهوتيّ من

قياساتٍ منطقيّة مضبوطة بريقـًا ولمعانًا لا تتطابق

ونصوص التديّن هذه التي يطغى عليها التواضع والعاطفة.

 

بعد ما ذكرناه، وفي ما يتعلّق بالتديّن لمريم، فإنّ صوت اللاهوتيّ الرزين، أعني صوت المنطق والتفكير السليم، لا بدّ من أن يُسمَع إذا كانت الممارسة الإيمانيّة وتكريم مريم المميّز في هذه الحالة يتجنّبان الانهيار في مجرّد المفهوم العاطفيّ والمعتقدات. "تتخطـّى القصص المكتوبة عن مريم الأوراق والريش الواقعة على العشب". إنّه تأكيد نجده في قصيدة إيرلنديّة أخرى عن مريم والدة الإله. ولكن – للأسف – إنّ القصص كلّها التي يستند إليها الشاعر بفرح، يجدر بنا القول إنّها "قصص طويلة" بكلّ بساطة! ذلك أنّ حقيقة المسألة هي أنّه ثمّة موضوعات متعدّدة تميل إلى الوقوع في خطر المبالغة بالتديّن لوالدة الله.

 

 وفي إحدى المناسبات التي كان جون هنري نيومَن يتحدّث أثناءَها عن الطرق التي تتأثر فيها مشاعرنا البشريّة بالدين، لاحظ  أنّه "من بين عواطف الشغف كلّها، يبقى الحبّ الشعور الأصعب السيطرة عليه". إلاّ أنّ الحبّ، بدرجاته المختلفة وأنواعه المتعدّدة، قائم في الدين على الدوام. لذلك، عندما يتّخذ شكل ابتهاج روحيّ، قد يصبح هذا الابتهاج بدوره من الصعب السيطرة عليه. ويضيف نيومَن: "يعمل الدين على العواطف؛ فمَن عساه يمنعها، عندما تـُـثار، من التجمّع معًا كي تقوى وتشتدّ؟" بالطبع، ثمّة خطر رهيب يحدق بنا هنا، وهو خطر يتعلّق بنيومَن أيضًا وسيتمّ التركيز عليه لاحقـًا. ولكنّ غريزة نيومَن الأولى كانت في الدفاع عن الابتهاج الطبيعيّ هذا الذي يرافق الحبّ بأنواعه كلّها، والذي يمكنه بالكاد أن ينضمّ إلى قيود الأعراف وحدودها. لقد كتب:

لن أهبَ الكثير لهذا الحبّ الذي ليسَ مفرطاً أبدًا، بل يلتزمُ الاحتشام

واللياقة على الدوام، ويمكنه أن يساوي بين الإثنين بحسّ رائع، على

الرّغم من كلّ طارئ. أيّ أمّ، أو زوج أو زوجة، أو شابّ واقع في الحبّ،

لا يقول أو تقول آلاف الكلمات السَّخيفة بتحبّب، كلماتٍ يفضّلُ المتكلّم

ألاّ يسمعَها الغرباء؛ إلاّ أنّها مُرَحَّبٌ بها لدى النّاس إلى مَن هي موجّهة.

في بعض الأحيان، ولسوءِ الحظ ّ، تُدوَّن على الورق، وفي أحيانٍ

       أخرى، تظهر في الجرائد. والأجمل، عندما تكون تلك الكلمات نابعة ً

بصدقٍ من القلب، مُعبَّرًا عنها بالصوت والملامح، عندما تُظهِرُ حماسًا

حزينًا بعد أن قيلت ببرودة أمام الناس. لذا، هي تُقال، للمعنيّين بها، بمشاعر

 مُتفانية.

 

ويُشجّعنا نيومَن في هذه الحالة على التسليم بأنّ للحبّ، في مجاله الخاصّ، لغته المميّزة. بالتالي، لا يجدر بنا أبدًا أن ننتقد تعابير الحبّ والامتنان المبالغ فيها تجاه الله ومريم، وهي تعابير تظهر أحيانًا على شفاه المؤمنين المتعبّدين.

لا شكّ في أنّنا نستطيع أن نكرّم مريم، تمامًا كما نكرّمُ أيَّ امرئٍ آخر محبوبٍ بمئات الأسماء التي يؤثـّر رنينها في "حجرة" القلب الحميمة أو في كنيسته الداخليّة. إلّا أنّ ما يقلق نيومَن هو أنّ المشاعر الدينيّة القويّة قد تُـتَرجَم أحيانًا تفكيرًا دينيًّا متحيِّرًا. عندما يحصل ذلك، قد تبدأ بعض المفاهيم المتعلّقة بمريم والمبالغ فيها بشدّة، تحتلُّ عقول المؤمنين وقلوبهم. وبالتالي، خلافـًا لكلّ منطق، بدأ يُنظـَر إلى مريم والدة الله باعتبارها أشدّ رحمة ً من ابنها، وتتحلّى برحمة الله اللامتناهية، فهي، إذاً، "ملجأ المتشاجرين والله الوحيد". إنّ هذه المفاهيم وما يشبهها من مفاهيم غالبًا ما يُساء فهمها، وتبدو غريبة ً وخاطئة، وهي تؤثـّر في نيومَن فيقول لنا جهرًا: "إنّها كالكابوس". "كنت أفضّل أن أؤمن... بأنّ الله غير موجود على الإطلاق، على أن أسلّم بأنّ مريم أعظم من الله نفسِه".

 

 لا يقصدُ نيومَن ألاّ نلجأ إلى مريم، أحيانًا، لتكون وسيطـًا بيننا وابنها. ولكن لا يُفترَض أن يؤخذَ حسُّها  الغرائزيّ في اهتمامها بنا، ووعيُـنا العميقُ قدرتَها على التوسّط، للتلميح إلى أنّ هناك، بين المسيح وأنفـُسِنا، طريقاً لا يمكن سلوكُها، وأنّ مريم بالتالي هي الجسر البشريّ الذي يحلُّ المشكلة. قد تمثـّل هذه الفكرة سخريّة ً تامّة بحقّ التجسّد. إنّ المسيح، الذي صار بشرًا في بطن مريم، اجتاز الطريق العظيم الذي فصل بين العالم المتناهي والعالم اللامتناهي مرّة واحدة وإلى الأبد. لقد كشف نفسه إلهًا وإنساناً في الوقت نفسه – كونه ابن الآب في السّماء وأخا البشريّة كلّها على الأرض: "الجسر"، بتعبير آخر، الذي يصلنا بالآب، والذي يصل الآب بنا. إنّه الوسيط الوحيد والحقيقيّ في العالم: "لأنَّ الله واحِد، والوسيط بين اللهِ والناسِ واحد، وهو إنسان، أيِ المسيحُ يسوعُ" (1طيموتاوس 2/ 5).

 

في الواقع، يظهر التعليمُ العظيم هذا في تاريخ الكنيسة، ويتمّ التركيز عليه ولا سيّما في وثائق المجمع الفاتيكانيّ الثاني. فنقرأ على سبيل المثال بكتاب لومِن جنتيوم (Lumen Gentium) أنّه في ما يتعلّق على وجه الخصوص وبدقّة بمسألة دور المسيح وسيطـًا، أنّ "ما من كائن بشريّ يمكن تشبيهه بالكلمة المتجسّد والفادي". بالطبع هذا لا ينفي أبدًا أنّ المسيح يطلب إلى المؤمنين جميعهم أن يشاركوه قليلاً في العمل الفدائيّ – أن يكونوا، بحسب تعبير القدّيس بولس، "زملاء الله" (1كور 3/ 9). ويُذكَر في لومِن جنتيوم التالي: "إنّ وساطة الفادي الوحيدة لا تقصي، بل هي ترقّي (بين أفراد خليقته) إلى تعاون متنوّع ليس سوى مشاركةٍ في المصدر الوحيد هذا".

ما من وساطة، وما من تعاون في تنفيذ أيّ نوع من أنواع العمل الخلاصيّ، إلّا في المسيح ومن خلاله. فحتّى الدّور الشّديد التميّز الذي تؤدّيه مريم يعتمد على نعمة توسّط إبنها الأصليّة. لذلك، فإنّ مهمّتها لا تقوم "بالتعتيم على وساطة المسيح الوحيدة أو تبديدها بأيّ طريقة كانت، بل هي تبيّن قوّته" صحيح أنّ مريم، في أوقات مختلفة ومناسبات متعدّدة، قد ذ ُكِرَت في الكنيسة بأسماء مثل "المدافعة" و"الوسيطة". إلّا أنّ هذه الألقاب، كما يتمّ التشديد في الوثائق، "لا تُضيف أيَّ شيء إلى وقار المسيح الوسيط وفعّاليّته، ولا تـُزيلُ شيئًا منه".

 

إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة مريم الاستثنائيّة ودورها المميّز في مشروع الخلاص، ليس مستغربًا أن يرتبط اسمها، في بداية القسم الثاني من صلاة "السلام عليك يا مريم"، بصفة "قدّيسة": "يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة". فمريم بريئة من أصغر أنواع الخطايا. إنّها حبيبة الله، وهي المفضّلة لديه؛ هي العذراء التي حبلت بطفلها من الرّوح القدس. لقد حملت في بطنها ابن الله. إنّها هي التي عرفها الملاك أوّلا ً، ثمّ الأجيال بعدها "ممتلئة نعمة". لقد تخطـّت قداستُها قداسة القدّيسين كلّهم. إنّها سبب فرحنا، ونعمة الصّبح المشعّة، وباب السّماء، ومجد سلالتنا.

 

ومع ذلك، بالكاد تمّ ترتيل تمجيدات من هذا النوع، ولا شكّ لديّ في أنّ مريم ستكون أوّل مَن يذكّرنا بأنّ كلّ مَن يفتديهم المسيح ابنها، وكلّ مَن يتعمّد في موته وقيامته، يشاركون قليلا ً في كمال النعمة. بالطبع، إنّ مريم هي أوّل مَن افتداها المسيح. إنّها قدّيسة، قدّيسة بامتياز. ولكنّ كلّ مَن يتمّ افتداؤه فينا، كلّ شعب الله، مدعوّ إلى مشاركة الله قداسته، كما يوضّح القدّيس بولس في رسالته إلى أهل رومة (رو 1/ 7). وغنيّ عن القول إنّ هذه القداسة ليست إنجازًا نحقّقه أساسًا بفضل جهودنا الخاصّة. فلنأخذ على سبيل المثال قداسة مريم نفسها؛ إنّها قداسة تعتمد بشكلٍ أساسيّ على نعمة المسيح.

 

إنّ القدّيس أغوسطينوس، متأمّلا ً هذا السرّ، يذهب في مقطع رائع من كتاباته بعيدًا ليقول إنّ الفرد المسيحيّ، إذ يتّحد بالمسيح، لا ينبغي أن يخاف من القول "أنا قدّيس!"، بل عليه أن يتجرّأ على إعلان ذلك بالرغم من المعرفة الواعية بضرورة استكمال التطهير. لقد كتب أوغسطينوس:

حصل المسيحيّ على نعمة القداسة، نعمة العماد وغفران الخطايا... وبما أنّ بولس الرسول يقول عن هؤلاء الذين تعمّدوا وتَطهّروا أنّهم "تقدّسوا"، إذاً، فليقل كلّ شخصٍ مؤمن: "أنا قدّيس". ليس هذا تكبّر الشخص الذي يضخّم نفسه، بل التمجيد الذي يأتي من الشخص الممتنّ. فإذا أعلنتَ بأنّك قدّيس نتيجة جهودِكَ الخاصّة، فأنت مذنب لأنّك متكبّر. ولكن إذا كنت، أنت، أحد المؤمنين بالمسيح، وفردًا في المسيح، تُنكِرُ أنّك قدّيس، فأنتَ مذنب لأنّك ناكر الجميل... إذاً اعترفْ بأنّك، على حدٍّ سواء، تملكُ كلّ شيء ولا شيء بتاتًا من نفسِك، إذاً بأنّك لن تكون متكبّرًا ولا ناكرًا الجميل. قل إذاً لله: "أنا قدّيس لأنّك قدّستني؛ لأنّني تلقيّت منك وليس لأنّني أملك أيّ شيء يخصّني؛ لأنّك أعطيتني، وليس لأنّني أستحقّ ذلك".

 

إنّ لقب مريم الأسمى هو والدة الله، وهو لقب نالته في مجمع أفسُس بالقرن الخامس. ولكنّ مريم، والدة يسوع، هي والدتنا أيضًا. وبحسب القدّيس ألبرتوس الكبير(+431)، فإنّ "مريم حملت بنا في قلبها في الوقت نفسه الذي كانت تحمل فيه الكلمة الإلهيّ في بطنها"... في قلبها... لقد تلقّت مريم كلمة الله وحملته في بطنها. ولكنّها استقبلتنا وحملتنا أيضًا في قلبها. لقد تذكّرت هنا قصيدة صغيرة ترجع إلى سنوات عديدة، نظمتها امرأة لطفلها الذي تبنّته وأحبّته كثيرًا. إنّ كلمات القصيدة كلمات أظنّ أنّ مريم نفسها كانت لتقولها لكلّ فردٍ منّا، أولادها الذين تبنّتهم:

لستَ لحمًا من لحمي،

ولا عظمة ً من عظامي،

ولكنّكَ، عجائبيًّا، لي أنا.

إيّاكَ أن تنسى

ولو لحظة ً واحدة

أنّك لم تَـنْمُ تحت قلبي،

بل في داخله.

 

 

       الفصل السادس: "صلّي لأجلنا نحن الخطأة"

       إنّ أحد أوجه الإيمان المسيحيّ المعزّية هي معرفة أنّنا، حتّى في أشدّ الأوقات فشلا ً، عندما ندرك أنّنا لا نستحقّ المساعدة، يمكننا أن نعود إلى الله من خلال الصّلاة ونطلب مساعدته، ونعود بعضنا إلى بعض وإلى القدّيسين. ذلك أنّنا في الصّلاة – لربّما أكثر من أيّ ظرفٍ آخر – نكتشف أنّنا لسنا وحدنا. وغالبًا ما نكتشف ذلك في القربان. ولكنّنا نعي كذلك مساعدة النعمة، وعلى وجه الخصوص، عندما نعود إلى مريم: "يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة".

 

       إنّ صلاة "السلام عليكِ يا مريم" صلاةٌ يمكن أن نتلوها بخصوصيّة – صلاة وحدة – كما أنّها قد تُتلى في العلن، مع الآخرين، تمامًا مثلما نتلو معًا مسبحة الورديّة. ولكنّنا في كلّ مرّة نصلّي "السلام عليكِ يا مريم"، تكون صلاتنا نوعًا ما صلاة تُتلى مشاركة ً مع الآخرين. ولا يشمل هؤلاء "الآخرون" الناس الأحياء حاليًّا في الكنيسة والعالم وحسب، بل كلّ أولئك الذين ردّدوا الكلمات المتواضعة هذه بإيمانٍ حتّى على مرِّ العصور، من قدّيسين أو خاطئين. بحسب الشاعر الفرنسيّ الكاثوليكيّ شارل بيغي (Charles Peguy)، فإنّ "الخاطئ هو مَن يتلو أفضل صلاة".

لقد كتب: "ما من أحد أشدّ كفاءةً من الخطأة في المسائل المتعلّقة بالمسيحيّة؛ لا أحد بتاتًا، إلاّ إذا كان قدّيسًا". ولكنّه أضاف الجملة التالية: "في المبدإ، إنّه إنسانٌ واحد". يبدو هذا إعلانًا مفاجِئًا، لكنّه منطقيّ. فالقدّيس، بعد كلّ شيء، ليس سوى خاطئ اهتدى وهو سعيد. كما نعلم أنّ القدّيسين نماذج يجدر بنا أن نمتثل بها. ولكنّ Peguy مقتنعٌ بأنّ القدّيسين لا يشكّلون في حياتنا مِثالا ً يقدّمه الإنجيل. إنّهم رجال ونساء تربطنا بهم، نوعًا ما، علاقة حميمة ومقرّبة. وفي إحدى المناسبات، اختار عمدًا أن يبالغ في الحديث عن هذه النقطة كي يركّز عليها. فقال لصديقه: "المرء لا يتأثـّر بالقدّيسين، ذلك أنّه يتشارك وإيّاهم". في رأيه، إنّ جلّ ما يهمّ في علاقتنا بالقدّيسين هو الحفاظ على "رباط الاتّصال" هذا. فكتب:

يمدّ الخاطئ يده إلى القدّيس، يعطيه إيّاها، بما أنّ

القدّيس يعطيه يده أيضًا. عندئذٍ، من خلال مساعدة

الأوّل الآخرَ ومساندته إيّاه، يرتفعان معًا إلى الله،

ويشكّلان سلسلة ترتفع إلى يسوع، سلسلة من الأصابع

التي لا يمكن فكّها أبدًا.

 

وPeguy، كونه إنسانًا مسيحيّاً، لم يشعر يومًا بالخوف من الاعتراف بأخطائه وزلاّته. فذكر: "لربّما كنا خطأة، لا شكّ في أنّنا كنا خطأة، من أعظم الخطأة... ولكنّنا لم نكفّ يومًا عن السّير على الطريق الصحيح". إنّ ما ساعد Peguy في متابعة السّير على هذا "الطريق" – طريقته الخاصّة في لمس يد مريم ومسكها – كان بكلّ بساطة تلاوته صلاة "السلام عليكِ يا مريم"، مرّةً تلو الأخرى، بإيمانٍ حيّ. كان يؤمن بأنّ هذه الصلاة هي صلاة يتمكّن حتّى أشدّ الخطأة بؤسًا من تلاوتها بأمل. وقد لفت انتباه صديقه لوتّيه إلى ما يلي: "أنا واحد من هؤلاء الكاثوليك الذين قد يتلون كلّ ما كتبه القدّيس توما للستابات (Stabat)، والمانيفيكات (Magnificat)، والآفي ماريا (Ave Maria)". ومرّة أخرى: "في عمليّة الخلاص، تمثـّل صلاة "الآفي ماريا" المورد الأخير. فإذا كنت تتلوها، لن تضيع أبدًا".

 

عندما كانت قدّيسة لورد برنادييت سوبيرو تُحتضر، كانت الصلاة الأخيرة التي تلتها – وما ليس مُستغربًا – "السلام عليكِ يا مريم". وفي عشيّة وفاتها، سألت برناديت إحدى أخواتها أن تساعدها في "شكر العذراء القدّيسة حتّى النّهاية". وهي على شفير الموت، كان همّها الوحيد أن تشكرها. ولكنّها، في لحظات احتضارها، عندما كانت الأخوات يردّدن صلاة "السلام عليكِ يا مريم" بالقرب من السّرير حيث هي ممدّدة، سمعنها تردّد مرّتين، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، "يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلي، أنا الخاطئة البائسة".

 

منذ انعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثاني، قيلَ إنّ الناس لم يعودوا يميلون إلى مريم ولا يطلبون مساعدتها كما في السابق. وفي إحدى المناسبات، سأل الكاردينال سوينينز (Suenens) كارل راهنر (Rahner) عن سبب تفكيره بهذه الطريقة، فأجابه راهنر: "لقد ابتكر لاهوتيّو عصرنا المسيحيّون أفكارًا تجريديّة نابعة من إيمانهم؛ وهذه الأفكار لا تحتاج إلى والدة!" أمّا الآن، وبحسب عدد كبير من المعاصرين، ومن بينهم عدد كبير من المسيحيّين، فإنّ حجر العثرة في جملة راهنر هذه ليس أبدًا كلمة "والدة"، بل كلمة "تحتاج". يحبّ الناس في هذا العصر أن يشعروا بأنّهم مستقلّون، لذلك، فإنّ آخر شيء قد يقبلون به على المستوى الشخصيّ أو العامّ هو أن يشعروا بحاجة. ومع ذلك، في خبرتنا اليوميّة، ما من شيء أشدّ أهميّة أو إنسانيّة من ذلك. "إسألوا تُعطوا": هذا ما ينصحنا به يسوع في الإنجيل؛ "أطلبوا تجدوا".

 

إنّ القدّيس توما الأكوينيّ، متأمّلا ً في طبيعة الصّلاة المسيحيّة يلاحظ حالة ً مهمّة ً في "سومّا تيولوجيا" (Summa Theologiae). بسبب اعتمادنا التامّ على الله، خالقنا وفادينا، فإنّ الصلوات كلّها في النهاية، حتّى صلاة التمجيد والشكر، هي أساسًا صلوات تضرّع بحسب توما. كلّ صلاة هي طلب. تنبّهنا الحقيقة الإنجيليّة الكاملة هذه على الفور إلى قيمة صلاة صوتيّة بسيطة مثل صلاة "السلام عليكِ يا مريم". إلاّ أنّ الحقيقة الإنجيليّة هذه يمكن حجبها بكلّ سهولة. فعلى سبيل المثال، نظرًا إلى أنّ بعض الأشخاص يرتفعون في حياتهم الرّوحيّة إلى صلاة السكون، وبعضهم الآخر إلى صلاة المشاهدة المغتبطة، قد تبدأ صلاة صوتيّة متواضعة مثل "السلام عليكِ يا مريم" بالظهور وكأنّها نسيبة عاديّة لتلك الصلاة. نتيجة ً لذلك، قد يشعر كلّ مَن لا يتخطـّى حدود الصلاة الصوتيّة بخيبة أمل. ولكن، جدير بالذكر كلام القدّيسة تريزيا الأفيليّة على هذا الموضوع. لقد كتبت:

قد يبدو لأيّ شخصٍ لا يعرفُ الكثير عن هذا الموضوع أنّ الصّلاة

الصوتيّة لا تتناسب والمشاهدة؛ ولكنّني أعرف جيّدًا انّها تتماشى وإيّاها.

سامحوني، ولكنّني أرغب في البوح بالتالي: أعرف جيّدًا أنّ ثمـّة عددًا

كبيرًا من الأشخاص يرفعهم الله، وهم يصلّون صوتيًّا، إلى أسمى

درجات المشاهدة من دون أن يسعوا إلى أيّ شيء ومن دون أن يفهموا

كيف حصل الأمر... أعرف فتاةً لم تكن يومًا قادرةً على الصلاة

إلاّ صوتيًّا، وعلى الرغم من ارتباطها بنوع الصلاة هذا، إلّا أنّها اختبرت

كلّ الصلوات الأخرى. أمّا حين لم تكن تتمكّن من تلاوة الصلاة الصوتيّة

فكان عقلها يتشتّت لدرجة انّها لا تعود تستطيع السيطرة عليه. حبّذا

لو كانت صلواتنا العقليّة بهذه الروعة!... وذات يوم هرعت إليَّ وهي

بحالة يأسٍ لا توصف، وأخبرتني بأنّها لم تكن تعرف كيف تمارس

الصلاة العقليّة ولم تتمكّن كذلك من المشاهدة؛ كانت قادرة فقط على

الصلاة بالصوت. فسألتها كيف كانت تصلّي، وأدركت أنها كانت

متمسّكة جدًّا بصلاة "الأبانا" التي كانت تختبر فيها مشاهدة بحتة،

وأنّ الربّ كان يرفعها ليجمعها به في الوحدة. وقد بدا لي من خلال

أعمالها أنّها تنال حقّاً النعمة العظيمة هذه، لأنّها كانت تعيش حياةً خيّرة.

بالتالي، حمدتُ الربّ وتمنّيتُ لو أنني أستطيع أن أصلّي صوتيًّا

كما تصلّي هي.

 

وفي مناسبة أخرى، قالت تريزيا الأفيليّة: "لن يتمكّن أحد من أن يأخذ منكم هذه الكتب ("الأبانا" و"السلام عليك يا مريم")، وإذا كنتم تتوقون إلى التعلّم، فلن تحتاجوا إلى أيّ شيء آخر، شرط أن تكونوا متواضعين". ولكن، كيف نصبح متواضعين؟ من الواضح أنّ أوّل شيء يجدر بنا القيام به هو الاعتراف بإخفاقاتنا. إلاّ أنّ هذا الاعتراف وحده ليس كافيًا البتة. ذلك أنّنا إذا ركّزنا على خطايانا وحسب، سنبدأ سريعًا بفقدان الأمل. لا ينبع التواضع الحقيقيّ من الانغماس في وحل إخفاقات الماضي، بل يقضي برفع عيوننا والنظر من الوَحل إلى عرشِ الرّحمة. ويعلّمنا القدّيسون مرارًا وتكرارًا أنّ التواضع ينبع في الواقع من مشاهدة طيبة الله وخيره أكثر ممّا ينبع من مشاهدة حجم بؤسنا في كلّ فرصة. في النصّ العائد إلى القرون الوسطى والذي يحمل عنوان: غيمة غير المعروف، نقرأ التالي:

أنا أقول مرّة أخرى لكلّ مَن يرغب في أن يصبح مشاهدًا حقيقيًّا

على غرار مريم المجدليّة، فليسمح لتجاوز الله الرائع وبرّه بأن

يعلّمه التواضع بدلا ً من التفكير في خطاياه؛ عندئذٍ، سيكون

تواضعه ممتازًا. فليهتمّ أكثر بطبيعة الله المختلفة تمامًا، بدلاً

من التركيز على بؤسه.

 

عندما نصلّي، مهما كانت المحن التي نمرّ فيها، يكمن الأساس في تحويل فكرنا بأمل نحو قداسة الله والقدّيسين. ولذلك نحن نردّد في صلاة "السلام عليكِ يا مريم": "يا قدّيسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة". ومن بين الصفات كلّها التي ميّزت بها الكنيسة مريم، لا شكّ في أنّ صفة "أمّ الرّحمة" هي من أجمل ما لـُقـِّـبَت به مريم. نحن نعرف، من خلال إيماننا، بأنّ مريم قد حبلت وولدَت بدون دنس. كذلك، إنّها ملجأ الخطأة. وعلى الرغم من كونها بريئة من الخطيئة منذ البدء، فهي لا تزال "أوّل مَن تمّ افتادؤهم". بالتالي، سيبقى كلُّ نفـَـسٍ تأخـُذهُ نفسَ رحمة، وترتيلها رحمة، الآن وعلى الدوام. حتّى إنّنا قد نقول أيضًا: بما أنها بقيت بريئة من الخطيئة، مولودة بدون دنس بعمل وحيد من طيبة الله المحبّة ورحمته الإلهيّة، فإنّ مريم تبقى أقرب إلى محتاجي الرّحمة ممّا هم القدّيسون كلّهم.

 

ثمّة قصّة عن وساطة مريم تعود إلى أيّام الرهبانيّة الدومينيكيّة الأولى. ففي إحدى المناسبات، أثناء سهرة صلاة، عندما كان الرّهبان يرتّلون كلمات السلام عليك أيّتها الملكة، "إنعطفي بنظركِ الرؤوف نحونا"، تراءت مريم والدة الإله لأحدهم، وهي تتشفّع فعليًّا في السماء "من أجل سلامة الرّهبانيّة كلّها". كان جلّ ما يهمّها يكمن في تفصيل لا يُنتسى: في حين كانت مريم تصلّي، اعتُبِرَت في الواقع "متجسِّدةً في حضورِ ابنها".

 

كذلك، تجدر الإشارة في هذا السياق إلى صورة وردت في قصيدة للشاعر الإيرلنديّ الذي عاش في القرن السادس عشر مويرشرتاخ أو سيونغا. لقد كتب عن قوّة شفاعة مريم وتوسّطها: "إنّ حبّ مريم الشامل هو حبّ يساوي نموّ حقل حديث التشذيب". الصورة ملفتة جدًّا. فهي تدرّ علينا صورة الأزهار التي لا نتوقّعها أبدًا، وتبدو كذلك صورة طبيعيّة ورائعة الجمال. ونتابع في السَّطر التالي من القصيدة: "أن تجمع في قلبها سلالتها كلّها في بيت واحد هو إنجاز رائع". من الواضح أنّ ما يريد سيونغا التعبير عنه هنا بعبارة "سلالة" هو البشريّة كلّها. ولكن، ليس صعبًا علينا أن نتخيّل الأمر، فبخصوص "سلالتها" – شعب إسرائيل – تمتدّ شفاعة مريم المحبّة بطريقة وحيدة ومميّزة. وفي القرن الثاني عشر، كتب ويليَم من نيوبرغ، وهو راهب من يوركشاير في إنكلترا، منبّهًا إيّانا إلى هذا الوجه من اهتمام مريم الفعّال:

يجدر بنا أن نعلم بأنّ مزايا والدة رحومة تساعد بشدّة خلاص إسرائيل. في رأيك، كم تصلّي يوميًّا لابنها الكلّيّ القدرة من أجل سلالتها؟... لقد قالت: تذكّر، يا ابني، أنّك تجسّدت منهم، وعملت الخلاص فيهم ومن خلالهم على الأرض، وأنّهم لا بدّ من أن يشاركوك غناك الرّوحيّ، هؤلاء الذين لم تخجل من اتّخاذ بشريّتهم. ذلك أنّهم أوّل مَن يتمّ خلاصهم، كيف لا، والخلاصُ صادر منهم.

 

إنّ مريم هذه، والدة الإله، هي مَن يمكن كلَّ فردٍ منّا أن ينعطف نحوها سائِلَها المساعدة، مهما بدا لنا الوضع صعبًا، وهذا أمر اكتشفته الأجيال كلّها مرارًا وتكرارًا. بالتالي، قد يعلن أحد أبرز مبشّريّ القرن الثامن والشمّاس بول على سبيل المثال بارتياح وثقة واضحَين، أنّ "أمّ الرّحمة هي أشدّ رحمة". ومن ثمّ، تمكّن أن يقول بفرح، بمساعدة فكرة طبيعتها الطيّبة العظيمة، إنّها: "تعرف كيف ترحم نقاط الضعف البشريّة، لأنّها تعرف الموادّ التي منها خُلِقنا".

 

الفصل السابع: "الآن وفي ساعة موتنا"

عندما نتأمّل، لسبب أو لآخر، واقع الموت، ليس مستغربًا أن نبدأ بالتفكير في الخطايا التي اقترفناها في ماضينا، والفشل الذي سبق أن عشناه. وبحسب عدد كبير من الناس، قد يشكّل هذا التفكير سبب حزن عظيم، لا بل يأس واكتئابٍ حتّى. على أيّ حال، لطالما قيل لنا إنّ الماضي يبقى ماضيًا؛ ولا يمكن تصحيحه أبدًا؛ وإنّنا لم نستغنم فرصة نيل النعمة التي لن نحصل عليها بعد الآن. ولكن، عندما نتلو صلاة السَّلام عليك يا مريم، ثمّة رسالة مختلفة تمامًا كامنة في كلمة صغيرة من الصَّلاة، وبناءً عليها، يمكننا أن نغيّر تفكيرنا وحياتنا.

إنّها كلمة: "الآن". "صلّي لأجلنا الآن". ما اكتشفته مريم في أعماق كيانها أثناء البشارة هو أنّ لا شيء مستحيل عند الله. ففي لحظة واحدة، في لحظة نعمة، كلّ شيء قد يتغيّر. لا شكّ في أنّ هذا صحيح، أو على الأقلّ، قد يكون صحيحًا ومطبّقًا على كلّ فرد منّا. ثمّة عظة دومينيكيّة تعود إلى القرن الرابع عشر تعلن أنّ "الإنسان قد يكون أحيانًا في حالة لعنة قبل أن يباشر صلاته، وقبل أن ينتهي منها، يصبح في حالة خلاص".

في كتاب القدّيس يوحنّا السلّميّ السلّم نحو الجنّة (Stairway to Paradise)، لم يضعفْ المؤلّفُ جرأةً بخصوص ما قاله عن تأثير الصَّلاة القويّ الممكن في حياتنا حتّى من خلال جملة قصيرة أو كلمة صغيرة. فالإيجاز هو ما ينصح به القدّيس يوحنّا، بدل الثرثرة. لقد كتب:

عندما تصلّي، لا تجهد فكرك بحثـًا عن الكلمات. ففي عدد من المناسبات،

لطالما كان تلعثـُمُ الأطفال الرتيب يُرضي أباهم الذي في السموات.

لا تحاول أن تكون ثرثارًا خشية أن يرتبك عقلك أثناء بحثه عن الكلمات.

لقد نال جابي الضرائب غفران الله بجملة وحيدة قالها، ذلك أنّ كلمة ً

بسيطة ً ملؤها الإيمانُ كانت خلاصًا للسّارق.

يتذكّر المرء هنا القول الصَّحيح "لكلّ قدّيس ماضٍ، ولكلّ خاطئ مستقبل". وفي حين كانت القدّيسة تريزيا الأفيليّة تتأمّل بحياتها الماضية في إحدى المناسبات، تأثـّرت شديدًا لدرجة أنّها صرخت: "آه! كم تأخّرت رغباتي في الاشتعال...!".

من الواضح أنّ تريزيا كانت تعود بذاكرتها إلى الماضي بندم على الوقت الذي مضى هدرًا قبل عودتها إلى الله، في حين أنّ الله، على مدى وقت طويل، يبحث عنها. وعلى الرّغم من وعي نفسها "الوقتَ الضائع" ذاك، وعلى الرّغم من الواقع، تعترف بأنّ الناس "غالبًا ما يقولون إنّ الوقت الضائع لا يمكن تعويضه". ولكنّ تريزيا، بعد أن تذكّرت المسيح وقوّته العظيمة ورحمته الواعدة، تشدّد معلنة ً التالي: "أنت يا ألله قادر على أن تعوّض علينا الوقت الضائع ذاك". وهي تصلّي: "يا ربّ، أنا أعترف بسلطتك العظيمة. فإذا كنت قويًّا كما أنت فعلا ً، فلا مستحيلَ لديكَ، أنت القادر على كلّ شيء!" ومرّةً أخرى: "على الرغم من بؤسي، أنا أؤمن بشدّة بأنّك قادر على أن تقوم بما ترغب فيه". ثمّ أنهت تريزيا صلاتها المملوءة ثقة ً في الصّمت، محوّلة ً نعمة "الآن" قائلة: "عوّض يا ربّ الوقت الضائع وأغدق عليّ النعمة في الوقت الحاضر... لأنّك إذا أردت، فأنت قادر على ذلك".

يمكننا أن نقول إنّ في حياتنا لحظتين شديدتَي الأهميّة: لحظة موتنا، واللحظة هذه، لحظة الآن. إنّ جزءًا ممّا يشكّل روعة صلاة "السّلام عليكِ يا مريم"، هو أنّها تحتوي بين كلماتها هاتين اللّحظتَين معًا:

"يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة، الآن وفي ساعة موتنا".

إنّني أفضّل صلاة "السلام عليك يا مريم" على كلّ ما سبقها من صلوات جميلة مقدَّمة إلى مريم. مع ذلك، أريد أن أنهي الآن بلفت الانتباه إلى صلاة أخرى أو تأمّل آخر لمريم العذراء. إنّها صلاة كتبها الراهب القدّيس أنسلمُس في القرن الحادي عشر، في ظِلِّ فقرٍ روحيٍّ واضح، ولكن، بأمل عميق.

يا أمّ حياة نفسي،

يا مربّية فادي جسدي،

أنتِ مَنْ أرضعتِ المخلّص

الذي خلّص كلّ كياني...

يا مريم، أنا أرجوكِ

بواسطة هذه النعمة التي تجعل الربّ معكِ،

والتي جعلتك تقبلين أن تكوني معه،

امنحيني رحمتكِ،

املئيني بحبّ دائم تجاهكِ،

وليبقَ اهتمامي بكِ أنتِ على الدوام.

 

  

تأمّل في "السّلامُ عليكِ يا مريم"

("بول مورايّ" أستاذ في جامعة القدّيس توما بروما)