الحبل بلا دنس عند آباء الكنيسة

 

 

الحبل بلا دنس عند آباء الكنيسة

 

حتّى مجمع نيقيا (325)

حتّى مجمع نيقيا الأوّل، سنة 325، كان الآباء يؤكّدون على كون مريم حوّاء الجديدة والدة آدم الجديد الكلمة المتجسّد. يقول يوستينُس: "تمخّضتْ حوّاء، وهي عذراء بلا فساد، بكلام الحيّة، فوَلَدَتْ عِصيانًا وموتًا. أمّا مريم فتمخّضَتْ بالإيمان والفرح، لمّا بشرّها الملاك جبرائيل وقالت ليكن لي حسب قولك. فوُلد منها ذاك الذي به يُبيد الله الحيّة". ويقول إيرينايُس: "كما أنّ الجنس البشريّ قد أُخضِعَ للموت بسبب عذراء، هكذا أيضًا تحرّر بعذراء، إذ كُفـِّرَ عن مَعصية عذراء بطاعة عذراء".

فإنْ قيل في حوّاء الأولى إنّها "عذراء بلا فساد" (يوستينُس)، ألا يَصِحُّ القول، أكثر فأكثر، في حوّاء الجديدة؟ بكلّ تأكيد، لا سيّما أنّ الآباء كانوا يعتبرون لطخة الخطيئة الأصليّة "فسادًا" يَصِمُّ بني آدم، أمّا الفداء فعودةٌ إلى "عدم قابليّة الفساد".

وسُرعان ما انتقل الآباء من ذلك إلى كلامٍ يتضمّن فكرة الحبل بلا دنس، كما يلمّح هيبّوليتُس (+ 325) عندما يشبّه المخلّص بتابوت العهد المصنوع من "خشب غير قابلٍ للفساد"، ويقول: "الربّ منزَّه عن الخطيئة لأنّه، في طبيعته البشريّة، من خشبٍ غير قابلٍ للفساد، أي من العذراء والرّوح القدس". فإن كانت العذراء "خشبًا غيرَ قابلٍ للفساد"، فهي إذًا، مثل الذي كوّنتْه من ذاتها، "منزّهةً عن الخطيئة" وكلّيّة النّقاء.

 

 

حتّى مجمع أَفسُس (431)

في الحِقْبة الممتدّة بين مَجمَعَي نيقيا وأَفسُس، كان الآباء يؤكّدون على كون مريم كلّيّة القداسة. إنّها "العذراء النّقيّة دائمًا وفي كلّ شيء"، جسدًا وروحًا ونفسًا. لماذا؟ لأنّه، حسب ديديمُس الإسكندريّ، "كما أنّ الإنسان الأوّل قد خُلِقَ وكُوِّنَ من التُّراب النّقيّ، كذلك كان ينبغي للإنسان الكامل أن يُولد من عذراء نقيّة".

وفي نظر أبّيفانُس، "هي مريم من أدخل العالم إلى الحياة الحقيقيّة، لأنّها وَلَدَتْ الحيّ الكبير، ولأنّها أمُّ الأحياء". دورٌ مثلُ هذا يقتضي نعمةً فائقة وقداسةً فريدة. لذا فإنّ أبّيفانُس يصف مريم بأنّها مَسْكِنٌ وهيكلٌ قد هيّأهما الله، بأُعجوبةٍ خارقة، لتجسُّد الكلمة. كما ويقول إنّ مريم ليست "العذراء القدِّيسة" فحسب، بل هي "المُمتلئة نعمة كلّيًّا". أليس في ذلك تلميح إلى الحبل بلا دنس؟

هذا ما ينوّه به مار أفرام "مدّاحُ أمّ الله" عندما يقول، مردِّدًا ما طاب له كلمة "كلّيًّا": "مريم ممتلئة نعمة، طاهرةٌ كلّيًّا، نقيّةٌ كلّيًّا، بلا خطيئة كلّيًّا، بلا دنس كلّيًّا، بلا لوم كلّيًّا، جديرةٌ كلّيًّا بالتمجيد، نزيهةٌ كلّيًّا، طوباويّةٌ كلّيًّا... عذراءُ نفسًا وجسدًا وروحًا... سفينةٌ مقدّسة نجّتْنا من طوفان الخطيئة، جميلةٌ من طبيعتها، بيتُ قربانٍ مقدّس وهو صُنْعُ يدَي الكلمة الإلهيّتين... غريبةٌ كلّيًّا عن كلّ دنس وكلّ لطخة خطيئة". ذلك أنّ مريم هي، أوّلاً بأوّل، أمُّ الكلمة المتجسّد. وهو قد "كوَّن أمَّه" بنفسه. فما أجمل وما أكمل ما كوّنه المسيح الفادي!... ويهتف مار أفرام قائلاً: "يا أيّتها القدّيسة كلّيًّا، يا أمّ الله! انت وحدك الطاهرة كلّيًّا في جسدك وفي نفسك. أنت وحدك الأعلى بكثير من كلّ طهرٍ ونقاء وكلّ نزاهةٍ وكلّ بتوليّة. أنت وحدك الصائرةُ كلّيًّا مقرَّ نِعَمِ الرّوح القدس كلّها!" ثمّ يخاطب المسيح ويقول: "في الواقع، أنت وأمّك في منتهى الجمال من جميع الوجوه. ففيكَ يا ربُّ لا مكان للعيب، ولا في أمّك مكانٌ للدّنس".

 

القدّيس أمبروسيوس يؤكّد ذلك التنزُّه "عن كلّ لطخة خطيئة". أمّا القدّيس أغسطينوس فيقول إنّ مريم، و"لشرف الربّ"، قد مُنِحَتْ "نعمةً فائضة من أجل إحراز الإنتصار المُطلق على الخطيئة". ذلك أنّها "إستحقّت أن تحمل فتلد من كان، بلا ريب، منزَّهًا عن الخطيئة". ويتابع قائلاً: "كان للشّيطان أن يذوق مرارة الهزيمة من الجنسين، كما كان قد تذوّق حلاوة الغلبة على الإثنين". وبكلام آخر: "كما أنّ إنتصار الشّيطان كان إنتصارًا تامًّا على آدم وحوّاء اللّذين إنجرّا إلى خطأٍ شخصيٍّ كان نقطة إنطلاق الخطيئة الأصليّة، كذلك لا بدّ لآدم الثاني وحوّاء الثانية من أن يُحرِزا عليه إنتصارًا تامًّا، هما المنزَّهين عن كلّ خطأٍ شخصيٍّ وأصليّ.

وقصارى القول، إنّ في تعليم الآباء، قبل مجمع نيقيا وبعده، عن الإمتياز المريميّ المجيد الذي هو الحَبَل بِلا دنس، بذارًا وأُصولاً واستباقًا...

 

 

بعد أفسُس، في الشرق

كان لمجمع أفسُس (431) تأثيرٌ بالغ على تطوّر اللّاهوت المريميّ في الشَّرق. كان قد أعلنَ رسميًّا أنّ العذراء مريم هي حقًّا أمّ الله (طيوتوكوس)، فلفتَ الأنظار إلى الشَّرف الفائق المتعلِّق بهذا اللّقب. من هنا كان إنطلاقُ المدائح المريميّة الرّائعة، والتشابيه اللّطيفة، و"الطلبات" اللّامتناهيَّة، والأعياد المريميَّة.

يقول طيودوتُس أسقف أنقرة في غلاطية: "مريم الكلّيّة النّقاوة نبتت كالزّنبقة وسْط الأشواك... تمنطقتْ بالنّعمة الإلهيّة كمن يتمنطق بالثّوب... المتميّزة ولدت المتميّز، والفائقة الوصف ولدت الفائق الوصف، والعَليَّة وَلدَتْ العَليّ".

القدّيس بروكلـُس، بطريرك القسطنطينيّة، علّم بصراحةٍ مُعتقد الحَبَل بِلا دنس، وإن هو لم يستعمل هذه العبارة: "إنّ الله لم يتدنّس بتجسّده في تلك التي كوّنها بلا عيب... مريم هي حَرَمُ المنزَّه عن الخطأ، وهي الهيكل المقدّس لله... هي خليلةُ نشيد الأناشيد البهيّة التي خلعَتِ الغِلالة البالية... هي الفردوس المُخضوضِر وغيرُ القابل للفساد، حيث غُرِسَتْ شجرة الحياة لتمنح الجميع ثمرة الخلود. هي القُبّة الزرقاء في الخلق الجديد، حيث عُلـِّـقَتْ شمسُ البِرّ".

والكاهن الأُرشليمي هيزيكيوس يُخاطب ابن الله قائلاً: "إن كنتَ لؤلؤة، فالعذراء الطيوتوكوس هي لها السَفَط. إن كنتَ شمسًا، فهي لكَ سماء...".

القدّيس أندراوس الكريتي يتكلّم على تدخُّل خاصّ من الله، لحظة الحَبَل بمريم، ويقول: "مريم طينٌ كوّنه الفنّان الإلهيّ، ومادّةٌ تُناسِب تمامًا التجسّد الإلهيّ... إنّها الخمير المقدّس الذي جبله الله، والذي بفضله يتخمّر عجين الجنس البشريّ كلّه". كما ويقول إنّ تكوين مريم في بطن أمِّها "إصلاحٌ تامّ، والإصلاح هو بلوغ التألُّه، والتألُّه هو عودةٌ إلى الوضع الأوّل...، أي خلقٌ جديد". لماذا؟ لأنّه "كان ينبغي تحضيرُ الصَّرح للملك الآتي، ينبغي أن تُحاك مُسبقًا القُمُطُ الملوكيّة للولد الملوكيّ، ينبغي للخزف أن يُهيّأ قبل مجيء الخزّاف... مريم هي الأرض العذراء التي أخذ الخزّاف منها الطّين ليجدّد الإناء الذي كسرتْه الخطيئة". هل من عَجَبٍ أن يقول بعد ذلك: "أنتِ حقًّا الجميلةُ حقًّا... أنتِ بعد الله، في المرتبة الأولى...؟".

أمّا القدّيس جرمانوس، بطريرك القسطنطينيّة، فإنّه يذهب إلى أبعد بكثير ويتجاسر فيقول، في عظةٍ له عن تقدمة مريم إلى الهيكل: "ليس هو الهيكل ما يقدّسها، بل هي من يقدّس قُدْسَ الأقداس!".

ولقد جاء، في الكنيسة الأرمنيّة، على لسان فَرْتان الكبير (القرن 12): "أيّها الكلمة الإلهيّ، المولود من الآب مثل النّور بلا والدة، قد اخترتَ لك أمًّا بريئة من الدّنس وُلِدْتَ منها بلا أب". ويخاطب مريم قائلاً: "أنتِ أمُّ الربّ والدةُ الإله المرتفعة فوق السّاروفيم والكاروبيم. أنت تابوت العهد، وإناء الذّهب، والخِباء السرّيّ الذي نزل فيه كلمة الآب" (السّلام عليك يا مريم، للأب متري هاجي أتناسيو، ص 287)... كما ويقول البطريرك يعقوب الأوّل (أواخر القرن 13) في عيد ولادة العذراء: "اليوم نبتتْ من حنّة تلك العوسجةُ، أعني مريم العذراء، التي اتّقدت فيها النّار الإلهيّة بنورٍ لا يُدرَك، فرأَى فيها موسى رمزًا إلى البتول. اليوم أعطانا الحملان يواكيم وحنّة تلك الجِزّة السّماويّة التي نزل عليها النّدى، فأَمطرتِ النّعمة وسال منها نبعُ الحياة".

ولقد جاء، في الكنيسة الكلدانيّة، على لسان يوحنّا الموصلي: "من يستطيع أن يُدرِك عظائم تلك التي قُدِّستْ منذ أن حُبِلَ بها واختارها الله من الرَّحِم؟ مباركة أنت يا جزَّة رآها جدعون فعرف سرَّك، لأنّ النّدى الذي نزل عليك لم ينحدر على سِواكِ، والسّيلَ الذي انصبَّ على كلّ الأمكنة فأفسدها، لم ينزل عليك منه نقطة واحدة!".

كلّ ذلك يبيّن بوضوح أنّ الشَّرقيّين، بعد مجمع أفسس، آمنوا صراحةً بالحَبَل بمريم بلا دنس الخطيئة الأصليّة... وهو عندهم موضوعُ لا مجالَ فيه للشكّ ولا للإعتراض. ولذا، فهم لم يتكلّموا عليه إلاّ بالتّلميح والإشارة... حتّى الإنفصالُ الذي حدث، في الجيل الحادي عشر، بين الكنيسة الرّومانيّة والكنيسة البيزنطيّة، لم يؤثّر في هذا المعتقد، لا بل تصاعدَ عندهم اللاهوت المريميّ وبلغ الذروة بين الجيلين 14 و15. وكلُّ الخُطَب تُجاهِر، إمّا صراحةً وإمّا بالمُعادلة، بالحبل بلا دنس بتلك التي كانت "إناءً مختارًا أهلاً لأن يكون أداةً صالحة للإتّحاد الأُقنوميّ بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة" (غريغوريوس بلاماس، رئيس أساقفة تيسالونيكا).

وأمّا مسبِّبات هذا الإمتياز الفريد، فإنّ اللاهوتيّ البيزنطيّ، نقولا كباسيلاس، يلخّصها كما يلي:

1- لم يكن تجسُّد ابن الله ليحصل إلاّ في خليقةٍ كلّيّة البراءة. فلو أنّ الخطيئة مسّت العذراء، وإن من بعيد، فلمّا كان الله قد أتى إلينا فيها.

2- كان الإنسان الأوّل قد عرقل، بخطيئته، خطّة الله بشأن الإنسان الكامل. فكان لا بدّ، صونًا لشرف الله، من خليقةٍ، بشريّةٍ كلّيًّا، تُحقّق من جديد فكرة الله المثاليّة في الإنسان الكامل. فقضى الله بأن تكون العذراء مريم هي تلك الخليقة.

3- كان الله، لإصلاح طبيعتنا وتتويجها بروائع الإتّحاد الأُقنومي، ينتظر عونًا جديرًا بأن يكون شريكه. فأوجد مريم.

وقُصارى القول، إنّ عقيدة الحَبَل بِلا دنس قد انتشرت، وحُوفِظَ عليها بسلام، في الكنيسة الشَّرقيّة... أمّا عيد الحَبَل بِلا دنس فلقد احتفلت به ابتداءً من أواخر الجيل السَّابع، تحت اسم "حبل حنّة".

 

 

بعد أفسُس، في الغرب

1- فجر الإعتقاد الصّريح (القرون 5 - 11)

مريم، في نظر الآباء، هي حوّاء الجديدة، أداة الخلاص، أمّ الأحياء في نظام النّعمة. وهي قد هُيّأتْ مُسبقًا "لتتقبّل في أحشائها، كما يليق، ابنَ الله الوحيد" (القدّيس غريغوريوس)، و"خُطِبَتْ ليسوع المسيح في حشا أمّها، في بدء وجودها" (القدّيس بطرس الكريزولوجي). إنّها "مسكنٌ لائق بالمسيح، لا بصفاتِ جسدها، بل بالنّعمة الأصليّة" (القدّيس مكسيموس التُّوريني). إنّها جميلة "كالزّنبقة بين الأشواك... ولقد نُزِّهتْ تمامًا، في النّفس والجسد، من كلّ شرّ ودنس، لأنّ الحكمة الإلهيّة قد اختارتها لتُصبح لها مقرًّا" (القدّيس فْلُوبير)... أمّا عيد الحَبَل بِلا دنس فانطلق في مدينة نابّولي الإيطاليّة، أواسط القرن التاسع، وفي إيرلندا وإنكلترا، أوائل القرن الحادي عشر.

 

 

2- مرحلة النّقاش (القرون 11 - 15).

إنتشر عيد الحَبَل بلا دنس في فرنسا، أواسط القرن الثاني عشر، وفي ألمانيا، أواخر القرن نفسه. وكما هو طبيعيّ، أُثير الجدل حول مضمون العيد. فذهبوا إلى أبعد الحدود في الإعتراض، إنطلاقـًا من شموليّة الخطيئة الأصليّة: "إجتاز الموت، كما يقول القدّيس بولس، إلى جميع النّاس، لأنّهم جميعًا قد خطئوا في آدم... بزلّةِ إنسانٍ واحد كان القضاء على جميع النّاس" (روم 5/ 12، 18)... وإذا بالحقيقة تنجلي، وبالمُعتقد يستتبّ تمامًا ونهائيّا، لا سيّما بتأثير القدّيس أَنسلم رئيس أساقفة كَنتُوربري (إنكلترا)، الذي استخلص مفهوم "التطبيق المُسبَق"، على مريم، لاستحقاقات المخلّص. يقول إيدْمَر، أحدُ تلامذة أَنسِلم، إنّه لولا ذلك التطبيق "كيف يتحقّق تمامًا اتّحادُ الجسد (جسد مريم) بالنّقاء الأعلى؟ كيف يغدو الإنسان والله، بالتجسّد، واحدًا إلى حدِّ أنّ كلّ ما هو لله هو للإنسان، وكلّ ما هو للإنسان هو لله؟".

 

 

3- مرحلة الظَفَر (القرون 15 - 18)

ترسَّخَ هذا الإثبات اللّاهوتي للإمتياز المجيد، أكثر فأكثر، بعد مجمع بازل (Bâle) المسكونيّ (1431 - 1449)، فيقول ديونيسوس الرّاهب، باسم الجميع: "يُثير منّا الإشمئزاز مجرَّدُ التفكير بأنّ تلك المرأة المُعَدَّة لتسحق يومًا رأس الحيّة الجهنّميّة، قد نالت منها الحيّة، فكانت، هي أمُّ الله، ولو لحظةً واحدة، بنتَ الشيطان!".

وراح تكريم العذراء ينتشر بشكلٍ غريب، فتتدخّل السّلطة الكنسيّة، مرّةً للموافقة ومرّةً للكبح... هكذا وافق رسميًّا سيكْستوس الرّابع (1471 - 1484) على عيد الحَبَل، وحدّد إسكندر السّابع (1655 - 1667) موضوعه كما نعترف به اليوم، وعمّمه إكليمنضوس الحادي عشر (1700 - 1721) على الكنيسة الجامعة.

 

 

4- الإعلان (القرن التاسع عشر)

قُدِّمَتْ إلى الكرسيّ الرّسولي عرائضُ تُطالب بالإعلان الرّسمي لعقيدة الحَبَل بِلا دنس... أُعطيَتْ مُوافقات للإحتفال بالقدّاس الخاصّ بالحَبَل بِلا دنس... ثبَّتَ بيوس السّابع (1802) قوانين "جمعيّة الحبل بلا دنس" التي أُنشئت في بَرشِلُونة، وفي السنة التالية حركةً أسبانيّة باسم "رابطة حَبَل العذراء الطوباويّة بِلا دنس"، كما وسَمَحَ (1806) لفرنسيسكان مملكة نابّولي بأن يُضيفوا، إلى مقدّمة (Préface) القدّاس الخاصّ، الصّفة "بلا دنس" إلى الموصوف "الحَبَل"... والبابا لاون الثاني عشر (1824) طمأنَ الملافنة المحلّفين بنقل التّعليم الصّحيح والذين كانوا يتساءلون بقلقٍ إن كان في وسعهم، أن يدافعوا عن معتقد الحَبَل بِلا دنس... والبابا غريغوريوس السادس عشر (1831) منح الغفرانات للمؤمنين الذين يكرِّمون "أمّ الله التي حُبل بها بلا خطيئة"، باشتراكهم في القدّاس الخاصّ بالحَبَل بِلا دنس.

هذا وإنّ راهبة المحبّة، كاترين لابُوريه، أُنعِمَ عليها، في 27/ 11/ 1830، بظهور للعذراء تراءتْ فيه وهي تسحق برجلها رأس الحيّة، ثمّ أحاطت بها هذه الكلمات: "يا مريم الحُبل بها بلا خطيئة، صلّي لأجلنا نحن الملتجئين إليك". بعد ذلك، سَمعَتْ كاترين صوتًا يقول: "إضربي أيقونةً على هذا الشّكل. وكلُّ من يلبسَها مُغفَّرَةً ينال نِعَمًا كبيرة، لا سيّما إذا لُبِسَتْ مُعلّقةً في العنق. وستكون النّعم عزيرةً لذوي الثقة". فعلتْ، فكثُرتِ النّعم، وكثُرتِ العجائب، حتّى أطلقوا على الأيقونة لقب "العجائبيّة". فراح المؤمنون، بدافع التقوى وعرفان الجميل، يُبدون التمنّي لو أنّ الكنيسة تكرّس نهائيًّا إمتياز الحَبَل بِلا دنس...

وبعد أن سُمِحَ بأن يُضاف إلى "طلبة لُوريت" الإبتهالُ "يا سلطانةً حُبل بها بلا دنس"، راحت الإلتماسات تتوافد بكثرة إلى الكرسيّ الرّسولي، من أجل إعلان العقيدة رسميًّا. فكانت آخرُ مراحل التهيئة أنّ البابا بيوس التاسع وافق، سنة 1847، على "فرض" خاصّ بالحَبَل بِلا دنس، مُرفَق بقدّاس ليوم العيد وطوال التساعيّة. وفي السّنة التالية، أنشأ مجلس لاهوتيّين لدرس مسألة الإعلان. ثمّ عيّن لجنةً تحضيريّة للمرحلة ما قبل الأخيرة (antépréparatoire). وأذاع، سنة 1849، رسالته العامّة "Ubi primum" التي أعلم بها الأساقفة أنّه عازمٌ على أن يعرض مسألة الحَبَل بِلا دنس للتدقيق الأخير. وافق الجميع ما عدا أربعة أو خمسة، من أصل 603. ولقد عارض أولئك الأربعة أو الخمسة، لا العقيدة بحدّ ذاتها، بل فكرة الإعلان... فكان أنّ البابا بيوس التاسع، في 8/ 12/ 1854، أعلن رسميًّا عقيدة الحَبَل بالعذراء مريم بِلا دنس، في رسالته Ineffabilis Deus.

بعد مرور أربع سنوات على هذا الإعلان، ظهرت مريم في لورد لبرناديت سُوبيرُوس. ولمّا سألتها الفتاة، بإيعازٍ من كاهن الرَّعيّة، مَن هي وما اسمها، قالت: "أنا الحَبَل بِلا دنس" (باللّغة الإقليميّة الجنوبيّة، وكما هو مكتوب على قاعدة ثمثال العذراء في لورد: (Que soy era Immaculada Councepciou).

 

 

الأب جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازريّ