الشَّهر المريميّ

 

 

 

الشهر المريميّ

 

مدخل:

هوذا شهر أيّار: والكنيسة المنبعثة مع صباح القيامة لا زالت تنشد ربيعها الجديد؛

"الشتاء قضى والمطرُ وقفَ وزال قد ظهرت الزهور في الأرض..."

بقيامتي من الموت حقّقتُ السّلامَ وهدَّأتُ العاصفة.

وبما أنّي في حُكم الجسد، وُلِدتُ من العذراء ومن إرادة الآب، فعادت الزهور تظهر على الأرض (من وحي تعليق أوريجانوس على نشيد الأناشيد 11:2).

 

هوذا شهر أيّار: والكنيسة تُنشد العذراء والرّبيع إنّه سرّ القائم الذي اتّخذ له من العذراء مريم جسدًا ليجعلنا آلهة.

الكنيسة ترى في العذراء الخليقة الأولى المتجدِّدة والمتألّهة.

 

هوذا شهر أيّار: الكنيسة تنشد سرَّ صعود المسيح الذي، بارتقائه إلى أبيه، رفع معه كلَّ الكنيسة التي هي جسده. وصارت السماء والأرض متّحدتين إلى الأبد.

في العذراء مريم ترى الكنيسة من هي بكرها – الأولى التي قبلت سرّ المسيح والتي تبقى لكلِّ الأجيال حتى تقودنا من الأرض إلى السماء.

 

هوذا شهر أيّار: الكنيسة تتحضّر لتلتهب بنار الرّوح القدس. لتصبح علّيقة مضطرمة في قلبِ العالم لتدفئه وتجمعه وتنيره.

إنّها تستعّد لتصبح "مسكنًا لله في الروح القدس" و"هيكلاً لمجده" (روم 3/ 16؛ رؤ 21 و22).

الكنيسة ترى في مريم الخليقة الأولى التي نالت ملء الرّوح القدس، التي جعلت في ذاتها نار الألوهيّة مثل العلّيقة الملتهبة التي رآها موسى في الصّحراء (خر 3).

إنّها تمثـِّل الكنيسة المقدّسة، مزيَّنة من عريسها بمواهب الرّوح القدس، (أف 5/ 26).

 

هوذا شهر أيّار: والليتورجيا تدعونا من جديد، لنغوص في سرِّ المسيح (القيامة – الصعود – العنصرة) ولذلك فهي تعطينا مريمَ، لتقودنا وتنيرنا. إنّها "الشخص البشريّ الأقرب إلى وجه المسيح، فمن يقترب منها يشاهد حالاً وجه النّور" الذي تدعونا الكنيسة لنتأمّله طوال السنة لكي نتشبّه به أكثر فأكثر.

 

 

1- سرُّ القيامة

مريم، الخليقة الأولى المنبعثة

        زمن الصّوم، الذي يبدأ بأعجوبة قانا وينتهي بالصّليب، قد عوّدنا أن نؤالف صورة مريم رمزًا للكنيسة التي تعيش على مدى السنة الطقسيّة، سرَّ موتِ سيِّدها وقيامته.

مريم هي أوّل من عاش سرَّ القيامة من أجل البشريّة جمعاء. ومن خلالها، نحن نحتفل بهذا السرّ نفسه في شهر آب يوم عيد الانتقال – النياح.

في شهر أيّار هذا يتاح لنا التذكُّر إنّه علينا، طوال حياتنا وعلى مدى السنين، أن نعبرَ من الموتِ إلى الحياة وعندها، نستطيع أن نُنشد ربيع الكنيسة التي ما زالت تتجدَّد دومًا (رو 12/ 2) في كلمة المسيح القائم من الموت وتعطي للعالم ثمارَ الحياة:

"من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني، فله الحياة الأبديّة ولا يمثل لدى القضاء بل انتقلَ من الموت إلى الحياة" (يو 5/ 24).

"من يثبت فيّ" (أي في كلامي) يحمل ثمارًا كثيرة (يو 15).

فإن كان من بيننا خليقة آمنتْ وأصغتْ وحفظت الكلمة (لو 2/ 19) وأعطت "ثمرة الحياة" للعالم، فإنّها في الحقيقة، مريم:

"طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها" (لو 11/ 28).

"إذا أحبَّني أحد حفظ كلامي فأحبَّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقامًا" (يو 14/ 23).

مريم تدلّنا إذن على الطريق وتعطينا الوسيلة التي تمكّننا اليوم، من القيام مع المسيح والعبور مثلها، ومنذ الآن، من الموت إلى الحياة.

علينا أن نصغي إلى كلام المسيح المنتصر، ونعود إلى الإنجيل، فيتجسَّد فينا، ويصنع منّا أناسًا منبعثين، مُسحاء جددًا (مسيحيين حقـًّا!) على صورة مريم ونحبُّ التذكُّر أنَّ طريق الارتداد اليوميّ الشاقّ هو الذي تطرحه لنا كنيستنا في تحضير السينودس لكي يكون ربيعًا للكنيسة وقيامة للجميع.

 

 

2- سرّ الصعود

        مريم هي الخليقة الأولى التي جمعت بين الأرض والسماء.

"ولكن الله الواسع الرَّحمة، لحبِّه الشديد الذي أحبَّنا به، مع أنّنا كنّا أمواتًا بزلاّتنا، أحيانًا مع المسيح (بالنعمة نِلتم الخلاص) وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات في المسيح يسوع". (أف 2/ 4-6).

إنَّ التقليد الآبائيّ والإيقونوغرافي غالبًا ما شبَّه مريم بسلّم يعقوب الذي رآه في الحلم بعد يوم من السير المضني والحزن الشديد (تك 2/ 8) وأيقظه ناهضًا (أقامه!) ليتابع سيره (فل 3/ 13).

إنَّ الأناشيد التي خصَّصها رهباننا الشعراء للعذراء عبر الأجيال والتي تعبِّر عن المحبَّة للمسيح وللعذراء تصف مريم كونها:

"السلّم الذي به نزلَ اللهُ من السّماء" وبه أيضًا يصعدنا إليها.

كما أنَّ أيقونة الصعود أيضًا هي لنا بمثابة تعليم حقيقيّ عن هذا السرّ: ففي وسطها نرى العذراء محاطة بالرّسل، وفي الجزء الأعلى، المسيح في المجد تحيط به ملائكة التجسُّد – بينما ملائكة القيامة (باللباس الأبيض) تحيط بالعذراء.

هكذا تلتقي السماء والأرض وإنّها مريم في قلب هذا السرّ – فهي الأولى التي عاشت هذه الوحدة المدهشة في ذاتها الخاصّة بقبولها كلمة الله. (لو 1/ 26- 38).

وفي الأيقونة، ترفع العذراء يديها في علامة صلاة إنّها بلا شكّ، تطلب من أجلنا تحقيق، الملكوت على الأرض. إنّها حقـًّا "باب السّماء" (تك 28/ 17) إذا مررنا بها يكون بلوغ الهدف أكيدًا. وهذا الهدف ليس في نهاية طريق مجهول وغير حقيقيّ، بل هو في صلب عيشنا، "ها إنَّ ملكوت الله بينكم". (لو 17/ 20). في هيكل قلبنا حيث نلتقي مع الله وحيث نقرِّر وحدنا أن ندع الله يصنع فينا أو يحقّق ملكوته الذي مفتاحه التطويبات ومفتاحه مريم التي كانت أوّل من عاش التطويبات: هي الفقيرة (لو1/ 48)، والمحزونة (يو 19/ 25)، والوديعة، أمُّ الرَّحمة، صاحبة القلب الأنقى الممكن أن يوجد على الإطلاق، سيّدة السّلام، محامية كلّ المتهمين الأبرياء. أوليست تحت هذه الألقاب تدعونا الطلبات لننشدها، أوَ ليست قلوبنا شاهدة أنّه هنا، حيث تكمن حقيقة إنسانيّتنا بالرّغم من كلِّ التناقضات والاعتراضات التي في العالم؟

مرّة أخرى تدلّنا مريم على الطريق وتؤكّد لنا أنّه يبلّغنا إلى الهدف، وأنَّ السماء ليست في المستقبل البعيد بل هي هنا على الأرض من خلالها هي ومن خلال جميع الذين يحاولون العيش على مثالها كأبناء الملكوت.

 

 

3- سرُّ العنصرة

مريم، العلّيقة الملتهبة وعنصرة العالم.

في نهاية شهر مريم، شهر أيّار، نحتفل بالعنصرة.

وفي بداية كتاب أعمال الرُّسل نرى الكنيسة مجتمعة حول مريم في العُلّيَّة بانتظار الرّوح القدس.

لقد أبرز التقليدُ الكنسيّ دومًا، هذا الرابط بين مريم والعنصرة وأعطى لهذا العيد طابعًا خاصًّا. نحن مدعوّون لنُصلّي مع مريم لنتمكّن من قبول الرّوح القدس. آباء الكنيسة وكتّابها أنشدوا مريم كالعلّية الحقيقيّة التي فيها أعِدَّ خبز حياتنا. (راجع القديس أفرام).

المسيح جمع رسله في العلّيَّة قبل آلامه ليعطيهم جسده ودمه ويؤسِّس فيها كنيسته.

الكتاب المقدّس أعطانا صورة العلّيقة الملتهبة (خر 3) والآباء تغنّوا بصورة العلّيقة والعلّيّة.

مريم شُبِّهتْ بالعُلّيقة الملتهبة التي جعلت في ذاتها نار الألوهية، بالعليّة حيث تحقق العهد الجديد. في العلّيَّة اجتمع الرّسل يوم العنصرة وهناك مسَّتهم النار الإلهيّة، فصاروا للعالم خبزًا حيًّا.

هذا هو معنى حضور الكنيسة في العالم. إنّها مثل العليّقة الملتهبة.

 إنّ الكاتب أفدوكيموف Evdokimov يشرح هذا السرّ بقوله:

"منذ العنصرة امتلأت الكنيسة بالقدِّيسين، لأنَّ نداء الإنجيل يتوجَّه إلى الجميع – إنّي أدعوكم أصدقاء – العالم أصبح في عهدة القدِّيسين ليجعلوا منه علّيقة ملتهبة – فالأرض كلّها أصبحت مجالي"...

ونتذكّر أيضًا كلمة المسيح: "أتيت لألقي نارًا"... (لو 12/ 49) فالعنصرة إذن، هي عيد الكنيسة – عيد العالم بأسره وقد أصبحَ علّيّة – أصبح علّيقة ملتهبة، يحمل نارًا إلهيّة (نار المحبّة الحقّة!) – شاهدًا لمحبَّته المشتعلة من أجل كلّ إنسان.

العنصرة ذروة الرّبيع في الكنيسة – زهرة شهر أيّار، شهر مريم، ربيع العالم وعنصرة العالم بشخصها. إنّها تدعونا لنصلّي معها، بها وفيها، لكيما يصبح ما قد تحقّق بالرّجاء حقيقة ثابتة لكلّ واحد منّا.

لذا نستطيع معها أن نرتّل في هذا الشهر ونتأمّل النشيد في مطلع الرّسالة إلى أهلِ أفسس الذي هو نشيدها، نشيد الكنيسة: "تبارك الربّ...".

 

 

الأخت كرستين – مي

حياتنا الليتورجية أيّار 1993