العذراء في الرّوحانيّة الشرقيّة

 

العذراء في الرّوحانيّة الشرقيّة

 

 العذراء في الرّوحانيّة الشرقيّة

المقدمة:

عندما طُلبَ إليّ إلقاءُ هذه المحاضرة لتجمّع المبتدئين والمبتدئات في لبنان، إعترضتني صعوبات عديدة، أهمّها: المساحة الكبيرة التي تحتلّها الرّوحانيّة المريميّة في الكنائس الشرقيّة؛ وصعوبة حصرها ولملمتها في دقائق قليلة؛ والرّموز والوجوه والتشابيه الكتابيّة والليتورجيّة التي أغدقها التقليد الشرقي على شخصيّة والدة الإله، إضافةً إلى أقوال آباء الكنيسة وأناشيدهم وغنى الإيقونات في الموضوع عينه.

لذلك، ومنعًا لأيّ التباس، أُوضحُ أنّني سأحصر كلامي في بعض النّصوص من أربعة طقوس شرقيّة فقط: الطقس البيزنطيّ والسريانيّ والقبطيّ والمارونيّ، وسأتوقّف عند مقطع من الإرشاد الرّسولي "الحياة المكرّسة"، هذا من جهّة؛ ومن جهّة أخرى، سأنطلق من نصوص مريميّة وأُرفقها - إن صحّ التعبير - بـ"قراءة رهبانيّة" لها، لكي نصل إلى الغاية المنشودة، ألا وهي إظهار علاقة الرّاهب والرّاهبة بالعذراء أمّ الله. وقد تكون هذه "القراءة الرّهبانيّة" واحدة من كثيرات، ولن تكون الوحيدة.

لذلك، نضع النّصوص بين أيديكم لتتأمّلوا فيها وتستخلصوا منها عُصارة الرّوحانيّة المريميّة في الكنائس الشرقيّة.

 

 

أوّلاً: الإرشاد الرسوليّ في الحياة المكرّسة (1996)

 

أصدر قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني هذا الإرشاد عقب إختتام سينودس الحياة المكرّسة الذي شاركنا شخصيًّا في أعماله. وفي معرض كلامه على الحياة المكرّسة في ينابيعها الكريستولوجيّة والثالوثيّة (الفصل الثالث)، يقول قداسة البابا تحت عنوان: "العذراء مريم مثالٌ في التكرّس واتّباع المسيح":

"لقد عكست مريمُ... الجمالَ الإلهيّ بأسمى ما يكون الكمال... إنّ العلاقة بمريم العذراء الفائقة القداسة... تظهرُ بنتوءٍ أعظم في حياة الأشخاص المكرّسين... لحضور مريم أهميّة ٌ أساسيّة سواءً لإنعاش الحياة الرّوحيّة في كلّ نفسٍ مكرّسة، أم لضمان الصّمود والوحدة والتقدّم في حياة الجماعة بأسرها".

الكلام، إذًا، على علاقة المكرّسين بمريم أمر أساسيّ، لإنعاش حياتهم الرّوحيّة، أوّلاً، ولتأمين الوحدة والترابط بينهم، ثانيًا. فاتّباعهم للمسيح من خلال المشورات الإنجيليّة والحياة المشتركة، يستلزم منهم تعلّقًا بنويًّا بالأمّ السّماويّة التي هي "مثالٌ سامٍ للتكرّس الكامل"، وقد عاشت، في الناصرة، حياةً مستترة بالقرب من وحيدها يسوع المسيح. أمّا مصير الوحدة الرّهبانيّة بسبب تعلّق المكرّسين بالعذراء، فمردّه إلى كون هذه الأخيرة هي أمُّ الكنيسة، وبالتالي هي تسهر على جميع بنيها على السّواء في وعيهم المستمرّ لدعوتهم المسيحيّة والعماديّة والرّهبانيّة. وكم من المؤسّسات الرّهبانيّة إتّخذت العذراء شفيعةً لها، وتعبّدت لها، واستوحت روحانيّتها من حياة أمّ الله!

"يلقى الشخصُ المكرّسُ في العذراء أمّا بطريقة مميّزة جدًّا. فإذا كانت الأمومة ُ الجديدةُ التي نالتها مريمُ عند الجلجلة هي هبة ٌ لكلّ المسيحيّين، فلا شكّ أنّ لها قيمة ً فريدةً للذين وقفوا حياتهم كلّها للمسيح: هذه أمّك".

لا شكّ أنّ العذراء هي "أمّ الرّاهب" مثلما هي "أمّ الكاهن". وهذه الحقيقة الرّاهنة عاشها القدّيسون أمثال شربل ورفقا والحرديني وسواهم الذين - بتركهم أُمّهم الجسديّة - تعلّقوا بتلك الأمّ السّماويّة تعلّقًا مُدهشـًا ونموذجيًّا. وفي ظنّنا أنّ هذه الأمومة التي يدعو إليها الإرشادُ الرسولي تُعاشُ على صعيد الفرد والجماعة في الحياة المكرّسة، تُعاشُ يوميًّا وبخاصّة إبّان المحن والصعوبات وأمام القرارات المصيريّة.

فالعذراء لا تترك أبناءَها المكرّسين وشأنهم. فقلبها يخفق بمحبّتهم، وعينها ترافقهم في رحلتهم الرّوحيّة الطويلة، ويدها ممدودة لمساعدتهم لتدلّهم على يسوع المسيح، "المكرَّسِ الأوّل والرّسولِ الأوّل للآب".

 

ثانيًا: الطقس البيزنطي

إخترنا من الطقس البيزنطي بعض نصوص "دخول والدة الإله إلى الهيكل" الذي يُحتفلُ به في 21 تشرين الثاني من كلّ سنة. ولقد إعتمدتْ رهبانيّات ملَكيّة هذا النهار لقبول الطالبات في سلك الإبتداء، لتوثيق العلاقة مع العذراء التي قُدّمت - في مثل هذا اليوم - إلى الهيكل.

1- النّصوص

* "اليوم الهيكلُ الناطقُ لقداسةِ مجدِ المسيح إلهنا، التي هي وحدها نقيّة ٌ ومباركة، تـُـقدَّم إلى الهيكل النّاموسي لتسكنَ في المقادس، فيفرحُ الآن معها بالرّوح يواكيم وحنّة، ومصافُّ العذارى تُسبِّح الربّ، مرنّمةً النشائد، ومكرِّمةً أمَّه".

* "إنّ القدّيسة البريئة من العيب تُدخلُ بالرّوح القدس إلى قدس الأقداس لتغتذي من يد الملاك. فهي ستكون بالحقيقة هيكلاً كامل القداسة لإلهنا القدّوس الذي - بسكناه فيها - قدَّسَ الخليقة كلّها، وألَّه الطبيعة البشريّة الساقطة".

* "أيّتها السيّدة عروسُ الله، لقد إنطلقت بعد ولادتك إلى هيكل الربّ لتتربّي في قدس الأقداس...".

* "لتفرحِ اليوم السّماء... فها إنّ المولودةَ بحسب الوعد... المنذورةَ مسكنًا لله، البابَ المتَّجهَ نحو المشارق، تُقدَّمُ اليوم إلى الهيكل كتقدمة لا عيب فيها...".

* "اليوم الهيكلُ الذي وَسِعَ اللاّهوت - أعني به والدة الإله – تـُـقدَّمُ إلى هيكل الربّ... اليوم قدسُ الأقداس يبتهج...".

* "لقد أشرق نهارُ السرور والموسمُ الموقّر... لقد إقتربتْ مَن هي رجاءُ الحزانى إلى الهيكل المقدّس، بما أنّها قدّيسة، لكي تُنْذَرَ لسُكنى ملكِ الكلّ... لأنّ التي اختارها الله بسابق علمه ملكة ً للجميع فتحتْ لنا ملكوت السّماوات".

* "يا  باب الربّ، إنّي أفتحُ لكِ أبوابَ الهيكل، فسيري فيه مسرورة".

* "ليبتهج داودُ كاتبُ التسابيح، ويفرح يواكيم وحنّة، لأنّ ثمرةً مقدّسة ظهرتْ منهما، هي مريم المصباحُ الإلهيّ، الحاملةُ النّور".

* "يا كاملة الطهارة، صرتِ أرفعَ سموًّا من السّموات، وهيكلاً وبلاطـًا، فجُعلتِ في هيكلِ الله لتُهيَّئي إلهيًّا لحلوله".

* "أيّتها الكاملة النقاوة عروسُ الله، بما أنّكِ ظهرتِ هيكلاً وسماءً وبلاطًـًا حيًّا للملك، نُذِرْتِ له اليوم، محفوظةً داخل الهيكل الناموسي".

* "أيّتها البتولُ العفيفة، بما أنّكِ صرتِ قدسَ الأقداس، أحببتِ سُكنى الهيكل المقدّس، تخاطبين فيه الملائكة، وتنظرين إقتبال العروس السّماويّ...".

* "اليوم البتولُ النقيّة ُ الكاملة ُ الطهارة، وُضِعَتْ محرقة ً طاهرةً وقدسًا مجيدًا يُحفَظ ُ لسكنى إلهنا ملكِ الكلِّ وحده".

* "إنّ والدة الإله بالحقيقة التي هي وعدٌ مقدَّس، وثمرٌ نفيس جدًّا، قد ظهرتْ للعالم أعلى سموًّا من جميع المخلوقات. وإذ إنّها تـُـقدَّمُ بحسن عبادة إلى هيكل الله، فهي تُتمِّمُ نذرَ الوالدَين، محفوظةً بالرّوح الإلهيّ".

 

2- القراءة الرهبانيّة للنّصوص

أ- ألقاب العذراء

هي: "الهيكلُ الناطق لقداسة مجد المسيح إلهنا"؛ "البريئةُ من العيب"؛ "عروسُ الله؛ "المولودةُ بحسب الوعد"؛ "المنذورةُ مسكنًا لله"؛ "البابُ المُتّجه نحو المشارق"؛ الهيكلُ الذي وَسِعَ اللاّهوت"؛ "والدةُ الإله"؛ "ملكة ٌ للجميع"؛ "رجاءُ الحزانى"؛ "بابُ الربّ"؛ "ثمرةٌ مقدّسة"؛ "المصباحُ الإلهيّ"؛ "الحاملة ُ النّور"؛ "الهيكلُ والبلاط ُ والسّماء"؛ "قدسُ الأقداس"؛ "محرقة ٌ طاهرة"؛ "قدسٌ مجيد"؛ "ثمرٌ نفيس".

هذه الألقاب الغنيّة التي تُتحفنا بها الكنيسةُ البيزنطيّة تضعُ المكرّسين - على خـُـطى العذراء - في جوّ "الهيكل الرُّهبانيّ"، أو الدير، الذي فيه نعاينُ الله ونكتشفُ غنى عطاياه الإلهيّة معنا ولنا. ألسنا مدعوين لنصبح - بدورنا - مسكنًا لله وهيكلاً وبابا يدخله الحزانى والموجوعون والمنسيّون؟ ألا نتحوّل - بنذورنا وعطائنا الكامل لله - إلى "محرقة إختياريّة"، إلى "مصباحٍ حاملِ النّور" للآخرين؟

ب- كلمات رهبانيّة محوريّة

يُشبهُ دخولُ العذراء إلى الهيكل دخولنا في السيرة الرهبانيّة. هي "منذورة"، و"قدّيسة لكي تُنذَرَ لسُكنى ملك الكلّ"؛ ونحن أيضًا منذورون لكي نصبحَ هيكل الله الحيّ. والداها يواكيم وحنّة - مثل أهلنا وعائلتنا - يفرحان معها بدخولها إلى هيكل الربّ، حيث يُقيتُها ملاكٌ من السّماء، دلالة ً على العناية الإلهيّة، على ما جاء في التقليد. "الباب" موضوعٌ رئيسيّ في دخول العذراء إلى الهيكل: هي: "بابُ الربّ" الذي له تُفتحُ أبوابُ الهيكل. ومن المفيد التذكير بما قاله القدّيس باخوميوس (+ 346)، مؤسّسُ الشركة الديريّة في مصر، عن الباب الرّهبانيّ:

"إذا تقدّم أحدٌ إلى بابِ الدير ليكفرَ بالعالم ويدخلَ في شركة الإخوة، تُعطى له النعمة ُ التي يلتمس. يبقى الطالبُ على الباب مدّةً من الزمن". وبعد فترة إستعداد، يُدْخِلُ الرّاهب - البّوابُ الذي كان بمثابة معلّم المبتدئين، يُدخلُ الطالبَ إلى الجمهور، المجتمع للصلاة، فتُعطى له الثيابُ الرهبانيّة.

ج- تربية العذراء في الهيكل

تشير النّصوصُ الليتورجيّة إلى أنّ العذراء التي ولجت هيكل الربّ، أمضت وقتًا تربّتْ فيه على الإصغاء إلى كلمة الله، وترنيم الأناشيد، وتحضير نفسها للرّسالة الخلاصيّة التي رسمها الله لها:

- "إنطلقتِ إلى الهيكل لتتربَّي في قدس الأقداس"؛

- "جُعِلْتِ في هيكل الله لتتهيَّئي إلهيًّا لحلوله"؛  

- "تنظرين إقتبال العروس السّماويّ...".

تشبه هذه المرحلة ُ من حياة العذراء مراحلَ "التنشئة الرّهبانيّة" المتعدّدة التي يمرُّ بها المدعوّ إلى الحياة المكرّسة. فالدير والرهبانيّة هما المناخُ الصالح لهذه التنشئة؛ وقد جاء في رسالة البابا "نور الشرق": "إنّ الدير هو المكانُ النبويُّ الذي فيه تصبحُ الخليقة ُ تمجيدًا لله، ووصيّة ُ المحبّة المُعاشة عمليًّا مثالاً للتعايش الإنسانيّ؛ وفي الدير، يبحث ُ الكائنُ الإنسانيّ عن الله دون حاجزٍ ولا عائق...".

 

ثالثًا: الطقس السُريانيّ

نكتفي بقراءة ثلاثة نصوص مختارة من مار أفرام السُرياني (+ 373)، ومن رابّولا أسقف الرّها (+ 435):

1- مار أفرام

أ- ابنُ مريم الفادي

* النصّ

بَنــــــو الأرضِ  أكثــــــروا           في  الأرض  اللّعناتِ  والأشواك،  فأذَلُّوها.

أدخَلــــــــــــوا  إليهــــــــــا            المـــــــــوتَ،  فرَدَّهــــــــا  خرابًــــــــــــا.

وابْنُ مريمَ ملأَ الخليقة كلّها            حيـــــــــــــــــــــاةً    وأمانًــــــــــــــــــــــا.

بنـــــــو الأرضِ أدخَلــــوا             إلى  العـــــالــــم  المــــــرَضَ  والألـــــــم.

شــــــــرّعوا  الأبــــــوابَ              أمـــــامَ  الموت،  دَخَـــلَ  فداسَ  الجميــع.

وابــــــنُ مــريـــمَ حَمَــــلَ              في شَخْــــصِهِ آلامَ الخليقـــــةِ فأحياهــــــا.

تباركْتِ يا مـريـمُ ابنةُ داود              وتباركــــــتِ الثمــــــرةُ التي وهبتنــــــــا.

تبــارَكَ الآبُ الذي أرسَــلَ              ابنَـــــــــــــــــــــهُ   لِخَلاصِنــــــــــــــــــا.

تبــاركَ الــرُّوح المُعَـــزِّي             الذي  أعلَمَنـــا  سرَّهُ!  تبــــــاركَ اسمُـــه.

                                         (تذكار أمَّ الله، 18/ 28 - 29، 151).

 

القراءة الرهبانيّة للنصّ

المقارنة واضحة بين "بني الأرض" و"ابن مريم"؛ والمكرّس مدعوّ لأن يتشبّه بابن مريم في كُلّ شيء، فيباركُ حيث اللعنة، ويُشيعُ السّلام والأمانَ حيث الخصامُ والحرب، ويحملُ الصحّةَ والعافية إلى حيث المرضُ والألم. حين تطأُ رجلُه عتبة الدير، يتحوّلُ منطقُ العالمِ فيه إلى منطقِ يسوعَ المسيح. ألمكرّسُ نقيضُ العالم بانفعالاته وأفعاله ووُجهةِ سيره ومعنى حياتِه. هو هنا ليحملَ الآمَ النّاس وأوجاعَهم، وليُعيدَ إليهم الرّجاءَ بالخلاصِ الذي تحقّقَ بيسوعَ المسيح، ابنِ مريمَ العذراء.

 

ب- مريم شجرة الحياة

* النصّ

أيقظـي،  يا  كنّارتي،  أنغامَــــكِ        وامـــــــدحي مــــــــــــريمَ البتــــــــــــــول.

إرفعِي  صَــــــوتَكِ  وتَرنَّمِـــــي         بِقـــــــــــــــــــصّةِ  ابنــــــــــــــــــةِ   داوُدْ:

عــــــــــــــــذراءٌ  مُذهِلَــــــــــة          وَلَـــــــــــــدَتْ  لِلعـــــــــــــالَمِ  الحيــــــــاة!

 

مِثلَ  جَبَـــلِ  ســــيناءَ قَبِلْتُــــكِ           ولمْ  أحتَــــرقْ  مــــنْ  نــــارِكِ  المُخيفــــة.

لقـــــدْ  حَجَبْــــــتَ  نـــــــارَكَ           لِــــــــــــــــــــــــــــئلاّ    تُــــــــــــــــؤذيَنِي!

فلــــــــــمْ  يُحــــرِقْني لَهِيبُـــكَ           الذي   يَخشى  السرافونَ   أن   يُحدِّقوا إليه.

 

مريـــــــمُ  الجنَّــــــة ُ رَوَّاهــا           الآبُ   بِمَطَــــــــــــــــــــرِ  البركَـــــــــــــة:

نَـــــــــــضَحَتْ بأمواجِـــــــهِ            وَجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهَ   آدم،

فقـــــــــــامَ مِـــنَ القبرِ حيًّــا            وقــدْ طَمَــــــرهُ في القبـــــــرِ مُبغِــــــــضُوه!

 

شجرةُ  الحيـــــــاةِ  نَبتَــــتْ             مُنْذُ   القِدمِ  في   وســــــــطِ   الفــــــردوس،

فلــــــــــمْ  تُعْــــــــــطِ  آدَمَ             الثَمـــــــــــــــــــــــرَةَ    المُحْيِيَـــــــــــــــــــة!

نَبَتَــــــــتْ في حَشا مـــريَم             وأعْطَتْ  آدمَ  ذاتها  فنالَ  بها  الحيــــــــــــاة.

                                           (تذكار أمّ الله، 18/ 1، 3، 16، 22).

 

القراءة الرّهبانيّة للنصّ

ثلاث أفكار رئيسيّة تختصرُ هذا النشيدَ الأفرامي: العذراءُ "عُلّيقة ُ موسى في جبلِ سيناء"؛ "الجنّةُ الّتي روّاها الآب"؛ وفي داخلها نبتتْ "شجرةُ الحياة".

- لم تحترِق العلّيقة ُ بالرغمِ من إندلاعِ النارِ فيها. والمكرَّسُ الحاملُ الله - كريستوفور - تطهّرُهُ النارُ الإلهيّة من شوائبه ونقائصه وفشله وخطاياه، لكنّها تحفظـُهُ وتمنعه من الذوبان والسّقوط في العدم.

- وهكذا يتحوَّلُ، تدريجيًّا، إلى جنّةٍ غنّاء، تسقيها النعمة ُ بركة ً فتفيضُ من جنباتِها المحبّة، ويُورقُ في أغصانها ربيعٌ دائم.

- وبدلَ "شجرةِ الحياة" العتيقة الّتي أثمرتِ الموتَ في وسطِ الفردوس، تثمرُ شجرةُ الحياة الجديدة حياةً وقداسة ً باتصالها بيسوع، ابن مريم، ينبوعِ كُلّ حياةٍ وقداسة.

 

2- مار رابّولا أسقف الرها

* النصّ: مريمُ أُمُّ الله

المسألةُ التي تطلبونَ منّا جوابًا عليها هي هذه: هل إنّ العذراء مريم هي حقًّا أمُّ الله، أم إنّها تُدعى بهذا الإسم فحسبْ؟ وهل يحقُّ لها أن تُدعى بهذا الإسم؟

فنحنُ نُجاهرُ عاليًا وبجرأةٍ بأنّ مريم هي والدة الله، وبصوابٍ تُدعى بهذا الإسم، لأنّها وُجدتْ على الأرضِ حقًّا أمًّا لله الكلمةِ بإرادته، وليس له بطبيعته الذاتيّة أمٌّ في السّماء... إنّنا ندعو البتولَ القدّيسة أمّ الله، لا لإعتقادٍ منّا أنّها ولَدتِ الطبيعة الإلهيّة، لكن لأنّه منها وُلدَ الإله الكلمةُ المتأنّس...

فهذا إيمانُنا: الذي كان عند الله، الإله الكلمة، وقد وُلِدَ مُنْذُ الأزلِ من الآب بطبيعته الذاتيّة، هو عينُهُ وُلِدَ بالجسدِ من البتول في آخر الأزمنة من أجل خلاصنا... (خطاب في القسطنطينيّة).

 

 القراءة الرهبانيّة للنصّ

نحن أمام الحقيقة المريميّة الأولى والأهمّ، ألا وهي أمومة ُ العذراء الإلهيّة. مريم هي أمُّ الله، وقد أعطتِ العالم ثمرةَ الحياة، المخلّص والفادي، يسوعَ المسيح. وإنّ هذه العقيدة الأساسيّة التي يذكرُها رابّولا، أحدُ آباءِ الكنيسة السريانيّة، لَماثلةٌ، في كلّ لحظة، أمام عيني المكرّس. فبمقدار ما تلدُ العذراءُ يسوع، تلد، روحيًّا وكنسيًّا، المكرّس الذي هو مُعدٌّ ليصبح أيقونة الابن الحيّة من خلال إختباره الرّهبانيّ الطويل والشاقّ والشيّق.

أمومةُ العذراء الإلهيّة ضمانةٌ أكيدةٌ للرّاهب، فيسيرُ في هديها إلى الابنِ الوحيد الذي كرّس له حياته وشبابه ومستقبله. فلا مغالاة مطلقًا إن شدّدنا على هذه الناحية التي تجعلُ اللاّهوت المريمي والرُّوحانيّة المريميّة في توازنٍ رائع وتراتبيّة لا بُدّ منها.

 

رابعًا: الطقس القبطي

نختار من الطقس القبطي ثلاثة رموز مريميّة:

1- مريمُ هي حوّاءُ الجديدة

* النصّ:

"فخرُ جميعِ العذارى هي مريمُ والدةُ الإله. من أجلها أيضًا إنحلّتِ اللّعنةُ الأولى، التي جاءت على جنسنا من قِبَلِ المُخالفة التي صارت فيها المرأةُ، إذ أكلت من ثمرةِ الشجرة. من أجل حوّاءَ أُغلقَ بابُ الفردوس، ومن قِبَلِ مريمَ العذراء فـُـتِحَ لنا مرّةً أخرى. إستحققنا شجرة الحياة، لنأكلَ منها، أي جسدَ الله ودمَه الحقيقيّ. فلنسجد لمخلّصنا، مُحبِّ البشر الصالح، لأنّه ترأّفَ علينا، أتى وخلّصنا".

القراءة الرهبانيّة للنصّ

كانت البشريّةُ تحت اللعنة بسبب مخالفة امرأة، فانحلّتِ اللعنةُ بفضلِ مريم، التي هي حوّاءُ الجديدة.

الفكرةُ الجديدةُ الأخرى هي أنّ شجرةَ الحياةِ تُمثّلُ "جسد الله ودمه الحقيقي". والمكرّسُ يتغذّى يوميًّا من هذا الينبوع الإفخارستي الفيّاض، سرّ المحبّة والوحدة. وعليه أن يشكر العذراء مريم مرارًا وتكرارًا، لأنّها هي التي أعطتنا شجرة الحياة الجديدة، أي ابنها يسوع، تحت أعراض الخبز والخمر.

 

2- مريمُ هي منارةُ الذهب النقيّ

 النصّ

"أنتِ هي المنارةُ الذهب النقيّ، حاملةُ المصباحَ المتّقدَ كلّ حين، الذي هو نورُ العالم غيرُ المُقترَبِ إليه، الذي من النورِ غير المُقترَبِ إليه، الإله الحقُّ من الله الحقّ، الذي تجسّد منكِ بغير تغيير".

 القراءة الرهبانيّة للنصّ

مريم هي المنارة، لأنّها حاملةُ المسيح، النور الحقيقيّ؛ وهو نورٌ من نور، إله حقّ من إله حقّ. فهي، إذًا، منارةُ الذهب النقي، حاملةُ المصباحِ الحيّ الطاهر. بل هي أرقى من منارة الهيكل: فتلك تحتاجُ دائمًا إلى زيتٍ خارجيّ، أمّا مريم، فالنور فيها ومنها. لذلك تُصوَّرُ أحيانًا في الأيقونات حاملةً مسيحًا منه يشعُّ النور.

من هذا المنطق، ندركُ تمامًا العلاقة بين المكرّس والعذراء - المنارة من جهّة، ومن جهّة أخرى بينه وبين المسيح نبعِ النورِ الإلهيّ. المكرّسُ يعيش في سمفونيا أضواء روحيّة وكنسيّة، ويتلألأ، رويدًا رويدًا، ببهاءِ المنارةِ والنور. ألم يصلِ القدّيسون العظام إلى هذه المرحلة من "التجلّي الرهبانيّ"، فأناروا العالم بضياء قداستهم وسحر مثلهم؟

 

 

3- مريم هي الكرمةُ الحقيقيّة

النصّ

"يا والدةَ الإله، أنتِ هي الكرمةُ الحقيقيّة الحاملةُ عنقودَ الحياة. نسألُكِ، أيّتها المملوءة نعمة، مع الرسل، من أجل خلاصِ نفوسنا. مباركٌ الربُّ إلهنا. مباركٌ الربُّ يومًا فيومًا يهيّئُ طريقنا، لأنّه إله خلاصنا".

القراءة الرهبانيّة للنصّ

يتردّدُ صدى إنجيل يوحنّا (الفصل 15) في هذا النشيد القبطي؛ وتُطبَّقُ العبارة "الكرمةُ الحقيقيّة" على العذراء بدل يسوع الذي هو "عنقودُ الحياة".

وفي سعي المكرّس اليومي، وعبر إختباره الطويل، أن يصبحَ - بدوره - كرمةً حقيقيّةً تحملُ يسوع المسيح، فيقتربُ - في الوقت عينه - من الوالدة القدّيسة ومن إبنها الإلهيّ، ويجسّدُ بذلك غاية الحياة الرهبانيّة، التشبّه بالمسيح بمساعدة أمّه البتول القدّيسة.

 

خامسًا: الطقس المارونيّ

يضيق بنا الوقت لنذكر جميع النصوص المريميّة في الطقس المارونيّ - المخطوطة منها والمطبوعة - وجميعها رائعةٌ وغنيّة تدعو إلى التأمّل والتفكير. نكتفي بذكر لقبين مريميين مميّزين:

 

1- العذراءُ هي جرّةُ أليشاعَ الجديدة

النصوص

- "هلمّي بسلام، أيّتها المباركة، يا جرّة أليشاع الجديدة، ففيكِ تحلّتِ المرارةُ التي سكبتها الحيّةُ بين الأشجار".

- "تمثّلتِ، يا مريم، بالجرّةِ الجديدة، لأنّ ابنَكِ هو الملح، وقد حلّى تلك المرارة التي سكبتها الحيّةُ في عدْنٍ فأهلكت الجميلَين".

- "أيّها الملحُ النقيّ الذي طهَّر، بطعمه، الجبلة البشريّة".

 

 البعد الكتابي للنصوص

 - سفر الملوك الرابع (2/ 19 - 22):

"وقال أهل المدينة لأليشاع: إنّ موقع المدينة حسَن، كما يرى سيّدي، إلاّ أنّ مآءها رديء والأرض مجدبة. فقال: ائتوني بقصعة جديدة واجعلوا فيها ملحًا. فجاؤوه بذلك. فصار إلى منبع الماء وطرح فيه ملحًا وقال: هكذا قال الربّ إنّي شفيتُ هذه المياه فلا يكون منها أيضًا موت ولا جدبٌ. فشُفِيَتِ المياه إلى هذا اليوم على حسب كلام أليشاع الذي تكلّم به".

- سفر التكوين (الفصل الثالث) الذي يَروي لنا حيلة الحيّة المشار إليها في نصوصنا المارونيّة.

 

البعد الزراعي للنصوص

أمّا العناصر التي يمكن إستخلاصها من مجمل هذه النصوص، فهي الآتية:

(1) - الإلماح الواضح إلى أليشاع النبي؛

(2) - العلاقة الواضحة بين جرّة أليشاع الجديدة ومريم العذراء؛

(3) - الكلام على الملح في كلا الحالتين؛

(4) - المسيح هو الملح الذي حملته العذراء، الجرّةُ الجديدة، وقد حلّى المرارة القديمة؛

(5) - يطغو، على النصوص، جوُّ سفر التكوين والحيّة ساكبة المرارة بين الأشجار في عدن؛

(6) - الغاية الرّوحيّة من تحويل الماء المرّ إلى ماء صالح إنّما هي شفاء الجهلة وتطهير البشريّة وتحويل مرارة العالم إلى حلاوة؛

(7) - تسمية العذراء والدة الإله.

هذه اللوحة المريميّة الرائعة - ذات الأبعاد اللاّهوتيّة العميقة المتمثّلة خاصّة بأمومة العذراء الإلهيّة للابن الفادي، وبخلاص البشر من الخطيئة المُرّة التي سكبتها الحيّة بين أشجار عدن - مرسومةٌ بألوان زراعيّة زاهية ومتكاملة: فالجرّة - أساس التشبيه - هي من معطياتنا الزراعيّة الموروثة، وهي ذات علاقة حميمة بالماء الذي تحتويه عادةً؛ كذلك الملح الذي يُضفي على المأكل والمشرب طيبةً وحلاوة ونقاء، ولقد أوصى الربّ يسوع تلاميذه أن يكونوا ملح الأرض (متى 5/ 13). أمّا الأشجار حيث جرت جريمة الحيّة في الفردوس فبُعدٌ زراعي آخر. ومن اللافت أن يكون المسيح قد سُمِّيَ، في نصوصنا، الملح الذي يُطهّر ويشفي ويُحوّل المرارة إلى حلاوة.

 

 البُعد الرهبانيّ للنصوص

القراءةُ الرهبانيّة لهذه النصوص ولهذا اللقب المريمي "جرّةُ أليشاع الجديدة" تنبعُ من أبعادها الكتابيّة والزراعيّة، وتُطبّقُ على حياةِ الراهب الرّوحيّة. فهو المكرّسُ كليًّا للربّ، يحملُ في حياته يسوعَ - النور ويسوعَ - الملح. وكم يُطلبُ إليه - بهاتين الصفتين - أن يكون، بدوره، نورَ العالم وملحَ الأرض! وبمقدار إتّحاده الحميم بالربّ، بمقدار ذلك يستطيع أن يُحلّي مرارةَ النّاس الأشرار، ويكسر ظلمَ الظالمين ويحطّم جَوْرَ الجائرين.

لقد إنتقل من جوّ اللّعنة في سفر التكوين إلى رحاب البركة في الإنجيل، وأضحى - مثل العذراء - الجرّة الجديدة، ومثل يسوع - الملحَ الذي يطيّبُ كلّ شيء.

 

2- العذراء هي جزّةُ جدعون

* النصوص

- "أنتِ ندى وجزّةُ جدعون".

- "جدعونُ صوّركِ بالجزّةِ التي قبلتِ الندى السّماويّ".

- "صوّرها جدعونُ القاضي بالجزّةِ المجيدةِ التي منها أشرق المطرُ الذي أروى ظمأ آدم".

- "إيّاكِ صوّرتْ، يا بنتَ داود، البتولُ النقيّة والدة الإله... جزّةُ جدعون ابن يوآش".

 

* البعد الكتابي للنصوص

سفر القضاة (6/ 36 - 40)

"وقال جدعونُ لله: إن كنتَ مخلّص بني إسرائيل على يدي، كما قلتَ، فهآنذا واضع جُزازَ صوفٍ في البيدر؛ فإذا سقط النّدى على الجُزاز وحده، وعلى سائر الأرض جفافٌ، علمتُ أنّك مخلّص إسرائيل على يدي كما قلتَ. فكان ذلك. وبكّرَ في الغد فعَصرَ الجُزازَ، فخرج منه الماءُ ملءُ سطلٍ. فقال جدعون لله: لا تغضب عليّ، فإنّي أتكلّم هذه المرّة فقط وأجرِّب هذه المرّة أيضًا بالجُزاز. ليكن على الجُزاز وحده جفافٌ وعلى سائرِ الأرض ندى. فصنع الربُّ كذلك في تلك الليلة، فكان على الجُزاز وحده جفافٌ وعلى سائر الأرض ندى".

 

* البعد اللاّهوتيّ والزراعي للنصوص

العنصران الأساسيّان في لقب "جزّة جدعون" هما: الجزّة والنّدى، وكلاهما من المعطيات الزراعيّة المعروفة. فالجزّة من صوف، والندى يهبط من علُ على الأرض اليابسة، وهنا على الجزّة، فيُنعشها.

ويضيق الشبه، فإذا بالعذراء هي الجزّة أحيانًا وهي الندى المتساقط على الجزّة أحيانًا أخرى. ويمتدّ الموضوع فيُضحي النّدى - وأحيانًا المطر - إسمًا جديدًا لابن الله، النّدى السّماوي أو المطر، الذي أروى ظمأ آدم.

وهكذا تتوافر لدينا المعطيات الآتية:

(1) - العذراء هي جزّة جدعون النقيّة التي قبلت النّدى دون سائر الأرض، وهي أيضًا جزّة جدعون التي عُصمت عن النّدى. وفي كِلا الحالتين، وَضْعُ العذراء فريد ومميّز.

(2) - النّدى السّماوي المتساقط من العلاء رمز إلى الابن المتجسّد، وكذلك المطر، مرفقًا بفكرة الإشراق.

(3) - شخصيّة جدعون ابن يوآش القاضي الشهير ظاهرة في نصوصنا المارونيّة.

(4) - الغايةُ الرُّوحيّة من هبوط المطر على الجزّة إنّما هي إرواءُ ظمأ آدم.

 

* البعد الرّهباني للنصوص

يفتح لنا هذا اللّقب المريمي: "جزّة جدعون" آفاقًا جديدة:

فالجزّةُ التي ترمز إلى العذراء - ببتوليّتها وأمومتها - تنتظرُ النّدى السّماويّ والمطرَ الموسميّ لكي تنتعشَ من جديد. ونحن المكرّسين نعي قحطَنا وجفافنا وحاجتنا إلى النعمة تبدّلُنا وتحوّلُ صحراءَنا الرُّوحيّة إلى ربيع مخضوضر. ولا نستطيعُ أن نفصلَ هذه البركة عن إشراقتها ونورها، إذ إنّنا، مهما طالَ الليلُ الصوفيّ وغيابُ الربّ عن حياتنا، نظلُّ ننتظرُ عودته بفارغ الصّبر، وهو آتٍ لا محال!

 

الخلاصة

هذه النصوص والخواطرُ من بعض الطقوس والتقاليد الشرقيّة حول الرّوحانيّة المريميّة تفتحُ أمامنا آفاقـًا واسعة، وتجعلنا نركّزُ تفكيرنا على حقائق مريميّة أساسيّة ورموز وألقاب رافقت كنائسنا الشرقيّة طوال تاريخها الطويل. وإنّ القراءة الرُّهبانيّة للنصوص، وإن بدتْ، للوهلة الأولى، سريعة وغير كافية، فهي تُفسحُ في المجال لمزيد من إستنفادها والغوص فيها.

في جميع الأحوال، علّمنا الإرشاد الرّسولي في الحياة المكرّسة أنّ العذراء مريم مثالٌ في التكرّس واتّباع المسيح؛ ولقد حاولنا - من خلال مطالعتنا لطقوسنا الشرقيّة - المقارنة والتقريب بين دخول العذراء إلى الهيكل ودخول الرّاهب إلى الدير؛ كما تبيَّنَّا - عند مار أفرام وربولا - أمومة العذراء الإلهيّة. كذلك أدخلتنا نصوصٌ في منطق مُغاير للعالم، واكتشفنا شجرة الحياة الجديدة بمعناها القرباني.

إضافةً إلى ذلك، ظهرت العذراء حوّاء الجديدة، ومنارةَ الذهب الخالص، وكرمةً حقيقيّةً على مثال إبنها الحبيب. وهي أيضًا جرّةُ أليشاع الجديدة وجزّةُ جدعون.

وفي الختام، نطلب من العذراء أمّ الله أن تتعهّد دعوتكم، وأنتم بعْدُ في زمن الإبتداء، براعم طريّة، وأن ترافق مسيرتكم الرهبانيّة في المستقبل، فتصحّ فيكم العبارة الشهيرة:

"مَن كان للعذراء عبدًا، لن يُدركَهُ الهلاك أبدًا".

 

الأباتي يوحنّا تابت

كتاب "كلمات وعظات" المجلّد الثاني