تاريخ عقيدة الإنتقال ومستنداتها

 

 

 

تاريخ عقيدة الإنتقال ومستنداتها

 

 

هل ماتت مريم؟ أوّل من طرح السؤال هو القدّيس أبيفانُس أُسقف سلامينا، سنة 377. لكنّه، على الرّغم من اطّلاعه على دقائق التقليد الفلسطينيّ، يُقرّ بأنّه يجهل الأمر. فهو لم يسمع بأنّ لمريم قبرًا في أورشليم، أو أنّها ماتت هناك. حتّى وإنّه يجهل إن كانت أم لا. ولذا فهو يفضّل ان يلزم الصّمت، كما فعلتِ الكُتُب: "الكتاب، كما يقول، لزم الصّمت بسبب عظمة الآية العجيبة، لئلاّ يُدهِش للغاية عقولَ البشر. أمّا أنا فلا أجرؤ على التكلّم. إنّي أحفظ ذلك في فكري، وأسكُت... هل ماتت؟ إنّنا نجهل الأمر".

 

 

 

إنّما أغلب الظنّ أنّها، على الرّغم من كونها مُنزّهةً عن الخطيئة الأصليّة التي عاقِبتُها الموت، قد ماتت مثل ابنها الذي عليها أن تقتدي به. قال أحدهم: "بموت البشر بحُكم خطاياهم. أمّا المسيح فلقد مات محبّةً بالخطأة، وماتت العذراء توافُقًا مع ابنها وتمجيدًا له". أمّا كيف ماتت، فلْنسمع القدّيس فرنسيس السالسي يشرح ويقول:

 

"... نارُ حبّها الإلهيّ أذابتها كلّيًّا، مُحرقة طيبٍ وعذوبة. فانتقلت روحها إلى ذراعَي محبّة ابنها. فيا للموت الودّيّ إذ هو يحيي، ويا للحُبِّ إذ هو يُميت!.. كما يسطع الفجر شيئًا فشيئًا، فيتمدّد وينمو باستمرار، دون توقُّف ولا انفصال ولا تقطُّع، هكذا كان الحبّ الإلهيّ ينمو، كلَّ آنٍ، في قلب سيّدتنا المجيدة البتول، بنعومة وسكينة واستمرار، دون اضطراب ولا ارتجاج ولا إكراه...، لأنّ الحبّ هو، في طبيعته، ناعم ولطيف وهادئ وساكن. وإن هو يتهجّم أحيانًا ويَهُزّ الرّوح، فلأنّه يصطدم فيها بالمقاومة... أمّا في قلب الأمّ القدّيسة البتول، فإنّ قوّة الحبّ المقدّس كانت بلا إجهاد، لا سيّما أنّها لم تصطدم بأيّة مقاومة أو أيّ مانع... فكان موت العذراء من النعومة بحيث إنّ ابنها قد اجتذبها "بطيبِ عَرْفِه" المقدّس - (نشيد 1/ 2) - فَوَلَجَتْ حضنه بلطف".

 

 

 

كما ويقول الأُسقف بُوسُّويه: "كان حبّها الإلهيّ يزداد تلقائيًّا، يومًا بعد يوم، ويكتمل، ويضاعف ذاته بذاته، حتّى أنّ الأرض لم تعد تستطيع احتواءَه... فاستودعتْ روحَها بين يديّ ابنها، بلا مشقّة ولا إكراه...، بل بوثبةٍ فائقة من الحبّ الإلهيّ".

 

 

 

أجل، في أغلب الظنّ أنّ مريم قد ماتت. ولكن أين؟ في أفسُس؟ في القدس؟... وفي أيّ سنّ؟ في الستّين؟ في السّبعين؟... من يدري؟ ولكن ما همّ؟ المهمّ هو أنّها، مثل ابنها، لم تتعرّض لفساد القبر، بل أُخِذَتْ إلى السّماء، بالقدرة الإلهيّة، جسدًا ونفسًا.

 

 

 

كيف تكوّنت العقيدة؟        

 

 

 

تاريخ العقيدة

 

إنّ الوثائق التاريخيّة الأُولى التي تشهد لانتقال العذراء مريم بالجسد، تعود إلى القسم الثاني من القرن السّادس. يقول طيوتيكنوس الليفي (Theoteknos de Livas): "كان يليق بالجسد الذي حمل الله وأسكنه، والذي كان مؤلّهًا ومنزَّهًا عن الفساد ومُشرِقًا بالنّور الإلهيّ، أن يُرفَع إلى المجد بنفسه المَرْضيّة عند الله".

 

 

أمّا الوثائق السّابقة، التي تعود إلى القرن الثالث، فهي لسوء الحظّ منحولة، ومحشوّة بالأساطير والتعاليم الغريبة والمشبوهة عن الملائكة والمسيح "الملاك". ولذا، فإنّ كبار اللاّهوتيّين في الجيلين الرّابع والخامس كانوا متحفّظين جدًّا، أو متكتّمين، حيال كنيسة النّياح في القدس... هذا مع العلم أنّ البابا لاون الكبير (440 - 461) كان، في عظته الرّابعة للميلاد، قد وضع أحد مبادئ الإعتقاد بانتقال مريم، لمّا قال: "لو يَثبُت آدم في التصرّف بمقتضى ما قد حَبَا الله طبيعته من كرامةٍ فريدة، فيحفظ النّاموس الذي سَنَّه الله له، لكانت نفسه النّاصعة قد قادت إلى المجد السّماويّ، حتّى ذلك الجسد الذي هو جزءٌ منه"... لنكمِّل عنه التحليل الذي بدأه ونقول: "وفي الحال، إنّ مريم قد ثبَتَت... إذًا، هي اليوم في المجد السّماويّ، نفسًا وجسدًا...".

 

 

مهما يكن، فإنّ عيد الإنتقال كان يُحتفَل به، دون أيّ اعتراض، في الشّرق والغرب، منذ الجيل السّابع. وكان هذا العيد، الذي عُيِّن في 15 آب - أغسطس، من بين الأعياد الأكثر احتفاءً، إذ وضع له البابا لاون الرّابع (847) تساعيّة. كما ويؤكِّد البابا نيقولاوس الأوّل (858) أنّ صوم بَيْرَمُون العيد كان معمولاً به في روما منذ زمن بعيد جدًّا...

 

 

في العصور الوسطى، كلّ الملافنة علّموا أنّ العذراء قد انتقلت إلى السّماء بالنّفس والجسد. وراحت هذه العقيدة تتثبَّت في الكنيسة جمعاء، إلى حدِّ أنّ آباء المجمع الفاتيكاني الأوّل (1869 - 1870) كانوا يعتقدون أنّها أصبحت من البلوغ بحيث يقتضي الأمر تحديدًا عقائديًّا... إلى أن كان الأوّل من تشرين الثاني - نوفمبر 1950، لمّا البابا بيوس الثاني عشر، بعد استشارة جميع المسؤولين في العالم الكاثوليكيّ، أعلن العقيدة في دستوره الرّسوليّ Munificentissimus Deus، بقوله إنّ الإيمان "بأنّ مريم أُمّ الله البريئة من الخطيئة الأصليّة، والدّائمة البتوليّة، لمّا بلغت نهاية مطافها الأرضيّ، قد رُفِعَتْ إلى السّماء نفسًا وجسدًا، في المجد السّماويّ، هو عقيدةٌ مُوحى بها من الله".

 

 

هذا الإعلان لا يَبُتّ أمرَ موتِ مريم أو نياحها، ولا أمر التحديد الفلسفيّ للإنسان (كائن متجسّد)، بل هو يُعلِن بكلّ بساطة، كحقيقةٍ مُوحًى بها من الله، أنّ مريم قد رُفِعتْ إلى المجد السّماويّ، الأمر الذي يطال شخصها كلَّه نفسًا وجسدًا.

 

 

 

 

 مستندات العقيدة

أوّلاً - الكتاب المقدّس

ليس في الكتاب المقدّس إثباتٌ قاطع وصريح لانتقال العذراء مريم. إنّما هناك دلائل متفاوتة في الإثبات:

 

 

"ممتلئة نعمة" (لو 1/ 28)

نعمةُ عدمِ التعرّض لفساد القبر، مُحتواةٌ أيضًا في هذا الإمتلاء، كما هي سائر امتيازات العذراء. وهذا ما أشار إليه البابا إسكندر الثامن.

 

 

"مباركة انت في النّساء" (لو 1/ 42)

فسادُ القبر هو عاقبة الخطيئة واللّعنة التي استوجبتها. فهل تخضع له أُمُّ الله "الكلّيّة البركة؟" بل أُعفيَتْ منه، كما يؤكّد توما الأكويني في "كُرّاس السَّلام الملائكيّ" (Opuscule sur la salutation angélique).

 

 

 

"أضعُ عداوةً بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. وهي تسحق رأسك" (تكوين 3/ 15)

المرأة (مريم) تشترك في انتصار نسلها (المسيح) على الشيطان. فلمّا كان أنّ انتصار المسيح مُثلّت الأوجه (على الخطيئة والشهوة والموت)، ألا يكون من الإنصاف أنّ مريم التي اشتركت في الإنتصار على الخطيئة والشهوة، تشترك أيضًا في الإنتصار على الموت في ثمرته التي هي فساد القبر؟

 

 

 

امرأة سفر الرؤيا:  فصل 12

اختصاصيٌّ كبير في الموضوع المريميّ، الأب رينيه لورَنتين، يطرح السؤال حول معرفة ما إذا كان هذا النصّ يحتوي على وحيٍ صريح في تمجيد مريم الجسديّ، فيجيب قائلاً:

"إنّ ليتورجيا الإنتقال، في خُطى تقليدٍ قديم، تستعمل هذا النصّ، لأنّ فيه تعبيرًا إيحائيًّا عن سرّ الإنتقال، بما هناك من تصوير لتلك المرأة التي تظهر في السّماء فوق تقلُّبات الزمن الدوريّة (1)، والتي أُعطِيَتْ "جناحَي النّسر العظيم" (14)، والتي "أَعدَّ الله لها خلوة" (6)... إنّ اللّيتورجيا لا تتطلّب أكثر من ذلك... أمّا على صعيد العلم الكتابيّ، فما أصعب تقديرَ هذه الإيحاءات!.. فالموقف الحكيم هو موقف البابا بيوس الثاني عشر الذي، وإن هو استعمل هذا النصّ في ليتورجيا قدّاس الإنتقال، وإن هو ذَكَرَه في براءَته Munificentissimus، فهو لم يجعل منه مُستندًا كتابيًّا لتحديد العقيدة الإيمانيّة".

هذا وإنّ البابا بولس السادس يقول إنّ "الآية العظيمة التي شهدها يوحنّا في السّماء، قد فهمتها اللّيتورجيا الكاثوليكيّة بالنّسبة إلى العذراء مريم".

كلّ ذلك، طبعًا، لا يؤلِّف وحده إثباتًا كتابيًّا لانتقال العذراء مريم. فلا بدّ من إضافة التقليد الذي هو، هنا، الإثبات الوحيد الحازم.

 

 

 

ثانيًا - التقليد

ما بين القرنين السّادس والثامن

1- في الغرب

غريغوريوس التُّوري (de Tours) هو أقدم من يذكر بوضوحٍ إنتقالَ العذراء. ويبدو أنّهم، منذ أيّامه (538 - 594)، كانوا يحتفلون بعيد الإنتقال في بلاد الغاليّين (فرنسا)، هذا الإحتفال أمر أكيد في الجيل السّابع. وكانت اللّيتورجيا، في روما، تذكر فساد الموت الذي لم يَنَلْ من العذراء مريم.

 

 

2- في الشّرق

أقدمُ شهادة هي للقدّيس مُودِستُس (Modeste) بطريرك أورشليم (+ 634). يبيّن في إحدى عظاته أنّ عيد الإنتقال لم يكن حديث العهد في أورشليم. إلى ذلك، واستنادًا إلى التقليد الشفهيّ لا إلى الكتب المنحولة، يذكر حضورَ الرّسل، الذين أتوا من بعيد بطريقة معروفة من الله وحده، وظهورَ المسيح الآتي بنفسه لاستقبال أُمِّه، والحرارة التي بها انطلقت نفس مريم صوبه، ثمّ عودتها إلى الحياة، "لكي تشارك جسديًّا وأبديًّا عدم فساد ذلك الذي أخرجها من القبر واجتذبها إليه، بطريقة يعرفها وحده".

يوحنّا الدمشقي (+ 760) يقول في عظته الثانية عن الإنتقال: "اليوم، العذراء البريئة من الدّنس، لم تَعُدْ إلى التُّراب. وبما أنّها سماءٌ حيّة، أقامتْ في الأخبية السّماويّة... اليوم، كنزُ الحياة، لجّة النّعمة، تدخل في ظلال موتٍ يحمل الحياة. تتقدّم منه بدون خوف، تلك التي ولدت مُبيده. هذا، إذا جاز أن نسمّي موتًا رحيلَها المُفعم قداسةً وحياة.

"كيف تقع في سلطان الموت من كانت للجميع ينبوعًا للحياة الحقيقيّة؟ غيرَ أنّها تخضع للشريعة التي وضعها ابنها عينه، وكابنةٍ لآدم القديم، تفي الدَين الوالديّ، لأنّ ولدها الذي هو الحياة في ذاته لم يرفض ذلك. ولكن، بصفتها والدة الله الحيّ، فمِن العدل أن تُنْقَل إليه..." (صلاة المؤمن، جزء 3/ 1020 - 1022).

 

 

وما قبل ذلك؟...

إنّ آباء القرون الخمسة الأُولى لم يذكروا الإنتقال. لماذا؟ ألأنّهم، كما في موضوع الحبل بلا دنس، لم يريدوا أن يتركوا لبعض الهراطقة كالفلانتيّين (Valentiniens) مجالاً للتوطُّد في قناعاتهم الخاطئة حِيالَ جسد المسيح، الذي كانوا يعتقدون أنّه كُوِّن من مادّةٍ سماويّة ممتنعة عن التأثُّر بالألم؟ أم لأنّهم أرادوا أن لا يحرّكوا، بتعليمٍ في غير وقته، ذكرى الرّبّات النّسائيّة العديدة التي عبدها الوثنيّون؟ قد يكون هذا وذاك معًا...

مهما يكن، ينبغي القول إنّ الإيمان بسرّ الإنتقال، المزدهر في الجيلين السّادس والسّابع، يعود إلى أيّام الرُّسُل عن طريق التقليد الشفهيّ. ليس لذلك من تفسير آخر.

 

 

بعد القرن الثامن

تكاثرت الشّهادات الصّريحة التي أثبت بها الآباء والملافنة، في الشّرق والغرب، أنّ الإنتقال أمرٌ أكيد ولائق، ومنهم، في الكنيسة اللاّتينيّة، ألبِرتُس الكبير وتوما الأكويني وبُونفنتورَه وسُواريس... وفي الكنيسة البيزنطيّة الأرثوذكسيّة، هناك المجمع الأورشليمي الذي انعقد، سنة 1673، ضدّ الكلفينيّين، والذي قيل فيه ما كان يقال في الكنيسة اللاّتينيّة.

 

 

ما هي البراهين التي تدعم الإيمان بانتقال العذراء مريم؟

يُوجزها البابا بينيدكتوس الرّابع عشر بما يلي: أُمومتُها الإلهيّة، بُتولتُها الفائقة، قداستُها العظيمة التي تفوق قداسة البشر والملائكة، اتّحادها الوثيق بابنها وتوافُقُها وإيّاه، محبّةُ ذلك الابن لأُمِّه المتفوِّقة في الكرامة... هذا وإنّه لم يكن من باب التّقوى الإيطاليّة أن يجمع البابا بيوس الثاني عشر ويكدِّس، في إعلانه عقيدة الإنتقال، الألقاب المريميّة "أُمّ الله البريئة من الخطيئة الأصليّة والدّائمة البتوليّة". فلهذه الألقاب، هنا، قيمةُ الحَيثيّات العقائديّة: ذلك الجسد البريء من كلّ خطيئة، والذي منه وُلد كلمة الله، والذي حفظ الرّوح القدس بُتولته على الوجه الأكمل، لم يبقَ أسيرَ الموت، بل وافى المسيح في مجد الاتّحاد السّماويّ.

 

 

هذه الأسباب التي تبيّن لياقة الإنتقال، تنبع كلُّها من أُمومة مريم الإلهيّة. يقول توما الأكويني إنّ "كونَ مريم أُمًّا لله، يمنحها شيئًا من الكرامة اللامتناهيّة، منبثقًا من الخير اللاّمتناهي الذي هو الله".

 

 

وفي الواقع، إنّ أُمومة مريم الإلهيّة "تجعلها خليقةً فريدة، وتُقيمها في نظامٍ فريدٍ نسيجِ وحدَه، إذ هي تقرّبها من الله بقدر ما هو مستطاع لكائن مخلوق. جسدها، كما يقول أغسطينوس، هو جسد المسيح. فهل كان يليق بالمسيح أن يترك أُمّه فريسةً لفساد القبر، مِثلَ أيّ جثمان عاديّ؟ أما كان ينبغي بالعكس أن يشركه في سرّ صعوده، أن يستبق من أجلها ساعة القيامة والمجد الفائق؟ أليس انتقال العذراء في الخطّ الطبيعي للامتيازات الرّائعة التي سبقت ورافقت وتبعت أُمومة مريم الإلهيّة؟".

 

 

 

يقول نْيومَن: "ماتت مريم، كما يُعتقد، لأنّ يسوع المسيح المخلّص نفسه قد مات. بَيْدَ أنّها إن ماتت مثل الآخرين، فهي لم تمت على طريقتهم (ميتة الخطأة)... كانت ميتتُها واقعًا فعليًّا لا نتيجة... "... فإن كانت العذراء قد أُقيمت، منذ البدء، في حالة مماثلة لا بل أعلى من الحالة الآدميّة كما كانت قبل الخطيئة التي عُوقِبَت بالموت الإنحلاليّ، لا ريب إذًا في أنّ الله قد جنّبها "فساد جسد الخطيئة" (غل 6/ 8).

 

 

يقول جان غيتُون إنّ العذراء التي أعطت التاريخ مُحرّكه، قد أ ُفلِتتْ منه ووُضِعَتْ فورًا في المنتهى". ذلك أنّ انتقال العذراء ليس حَدَثًا نافلاً صُدْفَويًّا وكيفيًّا، بل هو تتويجٌ طبيعيّ لأُمومتها الإلهيّة، لأنّ الرّوح القدس ما زال، عبر الموت، "يعجن" ذلك الجسد البتوليّ الذي أخصبه يوم البشارة، فهو لم يفعل فقط للتجسّد، بل وللفداء أيضًا، وإلى أن يبلغ المرمى، أي خَلْقَ "سمواتٍ جديدة وأرض جديدة" (أشعيا 65/ 17)، بدءًا بمريم.

 

 

ما هو قائم بين مريم ويسوع ليس فقط ما يتعلّق بالأُمومة البشريّة بل، جوهريًّا، ذلك الاتّحاد الرّوحيّ، في الرّوح القدس وبه. فمن الطبيعيّ أن يتواصل هذا الاتّحاد بدخولها المجد مع ابنها الذي ما لبثتْ، طوال حياتها، تتحرّك في ظلّه...

 

 

وخلاصة القول، لمّا كانت عقيدة انتقال مريم العذراء اعتقادًا عامًّا في الكنيسة، شرقًا وغربًا، فهي بلا شكّ تقليدٌ رسوليّ يرتكز على وحيٍ إلهيّ، بحسب المبدأ الذي اعترف به المجمع الفاتيكانيّ الأوّل. ولذا، فإنّ البابا بيوس الثاني عشر استطاع أن يُعلن انتقال العذراء حقيقةً إيمانيّة. ذلك أنّ "تحديد العقيدة الإيمانيّة لا يكون في أن تُضاف إلى الإيمان حقيقةٌ جديدة، بل في أن يُكشف عمّا يتضمّنه حتمًا فِعلُ الإيمان".

 

 

 

 

 

                                                             الأب جميل نعمة الله السّقلاوي