ساعة الصّليب

 

 

ساعة الصّليب  

 

ساعة الصّليب

 

كان صلب يسوع، في نظر يوحنّا، ساعة الفصل لرسالته المسيحانيّة، وكان قد ردّ أمّه إلى تلك السّاعة، في عرس قانا. هي السَّاعة التي فيها يذبح الحمل الفصحيّ اليهوديّ في العيد، وفيها يقدّم المسيح ذاته على الصَّليب حملًا حقيقيًا ونهائيًا، رافعًا خطيئة العالم. هي السّاعة التي يظهر فيها حبُّ المخلّص في ذروته. هي ساعة انتقال ابن الله من هذا العالم إلى الآب (13/ 1). هي السَّاعة التي يمجّد فيها الآب ابنه (12/ 23، 27 ـ 28، 17/ 1). هي ساعة الارتفاع عن الأرض التي تجمع في عمل واحد الارتفاع على الصَّليب بالموت والارتفاع إلى السَّماء بالقيامة: "وأنا إذا ارتفعت عن الأرض جذبت إليّ الجميع" (12/ 32). وبهذا دلّ المسيح إلى أيّة ميتة كان مزمعًا أن يموتها (12/ 33)، وإن ارتفاعه على الصَّليب هو تمجيده وانتقاله من هذا العالم إلى الآب، في وقتٍ واحد. فقد قال لنيقوديموس "لم يصعد أحد إلى السّماء إلّا الذي نزل من السّماء، ابن البشر الذي هو في السَّماء. وكما رفع موسى الحيَّة في البرِّيَّة، هكذا ينبغي أن يرفع ابن البشر لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (3/ 13 ـ 15). مريم حاضرة في تلك السّاعة الحاسمة، ساعة الصَّليب، لتشترك مع الجماعة المسيحانيّة الممثلة بالتلميذ الحبيب وبالنسوة، بسرِّ رسالة المسيح، بآية الارتفاع الأخيرة التي تتمّ بطعنة الحربة السريَّة في جنب المصلوب.

إنَّ كلام المصلوب لمريم وللتلميذ يشكّل لحظة رئيسة من الصَّلب. ويتبعه مباشرة ذكر السَّاعة وتتميم كلّ شيء: "ومن تلك السَّاعة أخذها التلميذ إلى خاصَّته. وبعد هذا رأى يسوع أنَّ كلّ شيء قد تمّ. فلكي  يتمّ الكتاب قال: "أنا عطشان" (19/ 27 ـ 28). ثمّ أخذ الخلّ وقال: "ها قد تمّ. وأمال رأسه وأسلم الرُّوح" (19/ 30). إنّ كلام المصلوب لأمّه وللتلميذ الذي كان يحبّه يقع في ذروة تحقيق الفداء بالمسيح حسب الكتاب.

 

معنى كلام المصلوب

 

"وكانت أمّه واقفة عند صليب يسوع وأخت أمّه مريم امرأة كلوبا ومريم المجدليّة. فلمَّا رأى يسوع أمَّه والتلميذ الذي يحبُّه واقفًا قال لأمِّه "يا امرأة، هوذا ابنكِ. ثمَّ قال للتلميذ هذه أمُّكَ. ومن تلك السَّاعة أخذها التلميذ إلى خاصته. وبعد هذا رأى يسوع أنَّ كلّ شيء قد تمّ..." (19/ 25 ـ 28).

تعدَّدت تفاسير هذا النص، في التقليد، واختلفت. ونستطيع تصنيفها إلى خمسة اتِّجاهات ولكلِّ مِن هذه الاتِّجاهات ممثـِّلوها.

 

الاتِّجاه الأوَّل يقول: إنّ يوحنّا هو التلميذ الحبيب، التلميذ الكامل، لهذا يدخل في صداقة حميمة مع المسيح، فيعيّنه يسوع  بديلًا عنه قرب أمِّه، ويصبح عندئذٍ نموذج المسيحيِّ الكامل الذي اختبر صداقة المسيح . "كلُّ إنسانٍ كامل ليس هو الذي يحيا إنّما المسيح يحيا فيه. وبما أنَّ المسيح يحيا فيه يُقال عنه لمريم "هوذا ابنكِ المسيح". من مؤيدي هذا الاتّجاه اليوحنّاوي الذي يبرز امتيازات يوحنّا أكثر من امتيازات مريم، ترتليانوس وأوريجينوس ويوحنّا الذهبيّ الفمّ وتيودور المبسوسطي.

 

الاتِّجاه الثاني يقول: أنّ النص يوضح بتوليَّة مريم الدائمة. ومن مؤيدي هذا الاتِّجاه آباء القرن الرابع الذين دافعوا عن عقيدة البتوليَّة الدائمة. منهم القدِّيس أثناسيوس الإسكندريّ وأبيفانيوس القبرصيّ والقدِّيس هيلاريوس دي بواتييه والقدِّيس إيرونيموس والقدِّيس أمبروسيوس: "لو كان لمريم أولاد، لو كان لها زوج، لما سلّم يسوع مريم إلى يوحنّا...؟".

 

الاتِّجاه الثالث يقول: إنّ النصَّ يُظهر محبَّة المسيح البنويَّة لأمِّه، وهو قدوةٌ لجميع المسيحيِّين. هذا التفسير هو الأكثر انتشارًا لأنّ كبار الملافنة في الغرب أمثال أمبروسيوس وأغسطينوس دافعوا عنه. وأيّد القدِّيس توما الأكويني أغسطينوس. وفي الشرق، قال بهذا الرأي القدِّيسان يوحنَّا الذهبيّ الفمّ وكيريللوس الإسكندريّ. كتب القدِّيس أغسطينوس سنة 416: "أعطى معلّم القدِّيسين ذاته قدوة في هذه الوصيَّة الفريدة، عندما استدرك إبنًا آخر، إن صحّ هذا التعبير، يحلّ محلّه قرب أمِّه التي ولدته كإنسان وها هو يُغادرها...".

 

أمّا الاتِّجاه الرابع فهو نادر وإنّما هو تفسير لاهوتيّ وأكثر واقعيَّة بالنسبة لأسلوب يوحنَّا. يرى هذا الاتِّجاه في مريم رمز الكنيسة.  فالقدِّيس أفرام ( + 373)، في تعليقه على دياتيسيرون (Diatesseron) (وهو الإنجيل الموازي المنسوب إلى تاسيان)، يشرح هذا النص بمناسبة خطاب المسيح عن خبز الحياة (يو 6). يسوع هو موسى الجديد الذي يعطينا خبز السَّماء الحقيقيّ. وهو تحقيق نبوءة موسى "يقيم لك الرَّبُّ إلهك نبيـًّا من بينكم من إخوتك مثلي له تسمعون" (تث 18/ 15). فكتب القدِّيس أفرام: "مشى يسوع في البحر وظهر في الغمام. وكنيسته افتداها من الختان. وأقام يوحنّا، وهو بتول، مقام يشوع بن نون (رئيسًا من الله)، وأعطاه مريم كنيسته كما أعطى موسى الشّعب يشوع ليتمِّم ما قاله موسى "مثلي". وفي الوقت الذي يموت فيه يسوع، موسى الجديد، يسلّم مريم إلى يوحنَّا، أي الكنيسة إلى الرَّسول الأمين، كما سلّم موسى الشّعب إلى يشوع ليقوده إلى أرض الميعاد.

 

إلى هذه الشَّهادة السُّريانيَّة يُضاف التفسير الغربي، تفسير القدِّيس أمبروسيوس الميلاني. لقد تطوّر فكر هذا الأسقف العظيم، في هذا الموضوع، خلال أسقفيَّته، حسب المتطلبات الرعويَّة التي اختبرها. فهو المؤلف الملفان الذي جعل من نصِّ يوحنّا (19/ 25 ـ 27) أكثر النصوص استعمالًا.  ففي المرحلة الأولى من تفسيره، استخدم النص برهانًا على بتوليَّة مريم الدائمة، ضدَّ أعدائها. فافترض أنَّ يوسف كان حيـًّا عندم صُلِب يسوع، وهذا قابل للجدل، فكتب: "لو كان بينهما إتِّحاد جسديّ لَما تركت زوجها ولَما وافق هذا الرَّجل البارُّ على أن تبتعد عنه" ورأى أيضًا في هذا النصِّ بُرهانًا على حقيقة التَّجسُّد "لم ينكر المسيح أنّ له أمًّا، حسب الفخ الذي نصبه له بعض الهراطقة (تعليقًا على لو 8/ 21)، بل اعترف بها وهو على الصَّليب" وفي مرحلة ثانية، وهي الأهم، يرى أمبروسيوس في كلام المسيح عملًا بنويًّا ووصيَّة عائلية: "إنَّ لدينا مُعلّم تقوى، يُعطينا نموذجًا في الحُبِّ الأموميّ ويتبعه الاحترام البنويّ. ينبغي على الأمَّهات أن يُقدِّمْنَ ذواتِهُنَّ في سبيل مخاطر أبنائِهن، وعلى هؤلاء أن يتألموا لعزلة أمَّهاتِهم أكثر مِن ألمهم لموتهم الشَّخصيّ". ويرتبط هذا التأويل أيضًا بالبُرهان على بتوليَّة مريم يُعطيها إبنها شخصًا يحميها: "لقد ترك للأمِّ الدفاع عن بتوليَّـتها وشهادة على بكارتها، وترك للتلميذ حراسة الأمِّ ونعمة التقوى".

 

وينتقل أمبروسيوس، في مرحلة ثالثة، من المعنى الحرّ (في البرهان على البتوليَّة الدائمة) والمعنى الأوليّ (رمز التقوى البنويّة) إلى المعنى الصوفيّ الذي يذكّرنا بالقدِّيس أفرام وهو من صفات أسلوب يوحنّا ـ مريم عند الصَّليب هي رمز الكنيسة "إن في تسليم يسوع مريم ليوحنّا، وهو أصغر الرُّسل، لَسِرًّا، يجب أن نوليه اهتمامًا كبيرًا. فالمقصود هنا هو سِرُّ الكنيسة. كانت مريم من قبل متَّحدة بالشَّعب القديم رمزيًّا لا واقعيًّا. وبعد أن ولدت الكلمة وزرعته في أجساد البشر ونفوسهم، بالإيمان، عند الصَّليب، وفي دفن جسد المسيح، اختارت، نزولًا عند أمرِ الله، جماعة الشّعب الأكثر فتوَّة. تبدو مريم هنا رمز الكنيسة  فتنفصل عن إسرائيل لِتَتبنَّى الأمم، الشَّعب الأكثر فتوَّة المرموز إليه بالتلميذ الحبيب، يوحنَّا الرَّسول الفتى، ويذكر القدِّيس أمبروسيوس في موضع آخر، في حديثه عن يوحنّا مثال التلميذ المسيحيّ، مريم رمز الكنيسة. وفي حديثه إلى المسيحيِّين حثّهم على السَّير في أثر بطرس ويعقوب ويوحنّا، فكتب: "ستصير إبن الرَّعد إذا كنت إبن الكنيسة. ليقل لكَ المسيح مِن على الصَّليب "هذه أمّك"، وليقل إلى الكنيسة "هوذا ابنك" عندئذٍ تبدأ بأن تصير إبن االكنيسة، عندما ترى  المسيح منتصرًا على الصَّليب... فابن الكنيسة هو الذي يرى في الصَّليب نصرًا ويعرف صوت المسيح المنتصر".

لقد توسَّعنا بعض الشيء في شرح هذا الإتِّجاه الرَّابع لأنَّه يدبو لنا الأهم والأقرب إلى روح يوحنَّا.

 

وأخيرًا الإتِّجاه الخامس جاء متأخِّرًا في التاريخ. يقول مؤيِّدوه إنَّ كلام المسيح لمريم ويوحنَّا يؤسِّس أمومة العذراء الرُّوحيَّة لجميع البشر. ويمتدُّ هذا التفسير المريميّ في الشَّرق، في القرن التاسع، مع الأسقف جورجيوس النيقوديمي (+ بعد 880)، في خطاب باراسيفا، يتوسَّع في خطاب المسيح لمريم: "أتركُ لكِ أيضًا من خلاله (التلميذ الحبيب) بقيَّة تلاميذي. أريد أن تعيشي معهم وتظلّي بقربهم. فتضمنين لهم حضورك الجسديّ بدلًا من حضوري. كوني لهم كلّ ما تكون الأمَّهات بالطبيعة لأولادهِنَّ أو بالأحرى كلّ ما أكونه أنا بحضوري بينهم. وهم يكونون لكِ أبناء بررة يقدِّمون لكِ الاحترام الواجب لكِ كأمِّ سيِّدهم. وكما صرتُ حاضرًا بينهم، بواسطتك، كوني أنتِ وسيطة لهم عندي، سهل الحصول عليها" ثم يتوسَّع في كلام المسيح للتلميذ الحبيب فيقول: "ومِن الآن أقيمها (مريم) دليل التلاميذ وأمًّا ليس لكَ فقط بل وللآخرين جميعًا، وأريد أن تكون مكرَّمَة بكامل حقوقها كأمّ. وإذا منعتكَ أن تدعو لكَ أبًا على الأرض فأريد أن تدعو هذه أمَّك وأن تُكرِّمَها كأمّ...". وبعد هذا كلّه نستطيع أن نتصوَّر كيف تطور تفسير هذا النص.

 

أمَّا في الغرب فقد تطورت فكرة أمومة مريم الرُّوحيَّة ابتداءً من القرن الثامن، والشاهدون على ذلك هم: أمبروسيوس أوتيرت (+ 784) وأودون دي كلوني (+ 942) وفولبرت دي شارتر (+ 1029): "دُعيَتْ مريم أمّ المؤمنين، أمّ الجميع وأمّ الرَّحمة" إلّا أنَّ التفسير الأوَّل لنصِّ يوحنَّا (19/ 25 ـ 27) بمعنى أمومة مريم الروحيَّة تبنَّاه الأسقف أنسيلم دي لوك (+ 1086) الذي صار مُرشدًا روحيًّا للكنوتسة ماتيلدا دي توسكانيا. فقد كتب في كلام يسوع "هوذا ابنك": "يعني هذا القول أنّ الأمّ المجيدة تشفع بجميع المؤمنين في محبَّة ورعها العظيم، وتحمي خاصَّة جميع الذين اتخذتهم أبناءً لها، الأسرى المفتدين".

 

ويتابع القدِّيس أنسيلم دي كونتربري، وقد استشارته ماتيلدا دي توسكانيا، في رؤيته لأمومة مريم الرُّوحيَّة التي ينقلها إلى تلاميذه فيقول: مريم هي أمَّنا ويسوع أخونا. وقد اختصر أحد تلاميذه، ادمر (1124) تفسير العهد الوسيط لنصِّ يوحنَّا (19/ 25 ـ 27) قائلًا: "يا سلطانة، إذا أصبح ابنكِ بواسطتكِ أخانا، ألم تصيري أنتِ أمّنا؟ لأنَّه، عند موته على الصَّليب لأجلنا، قال ليوحنَّا الذي كان يمثلنا في هذا الظرف: "هوذا أمّك". ويتوصل الأب روبرت دي دوتز Rupert de Deutz  (+ 1130) إلى فكرة ولادة المؤمنين إلى الخلاص بمريم لاشتراكها في آلام المسيح. هكذا ولدت مريم إلى العالم خلاصنا، محتملة هنا حقيقة، أوجاع الولادة (مز 47)، في آلام ابنها الوحيد. لهذا السبب هي أمُّ الجميع".

 

لقد مضى زمن طويل على تفسير القدِّيس أمبروسيوس (البتوليَّة الدائمة والمحبَّة البنويَّة ورمز الكنيسة) الذي يوجز تفسير الآباء حتى القرن الثاني عشر (مريم، أمُّ  المؤمنين، تكبرهم بمحبَّتها). والتفسير الذي يرى في كلام المصلوب عمل محبَّة بنويَّة هو الأكثر انتشارًا. فهل هو التفسير الوحيد المُمكن الذي يتناسب بحقّ مع رواية الإنجيليّ اللّاهوتيّ والصوفي؟ فإذا لم نرَ في كلام المسيح لأمِّه سوى اهتمامه بمستقبلها فإنّنا نصطدم بصعوبات جمَّة.

 

وإذا لم يكن لكلام المسيح سوى بُعد المحبَّة فيمكننا التساؤل لماذا لم يهتمّ المسيح بمستقبل أمِّه الشخصيّ إلّا عند موته؟ فقد رأينا مريم وحدها، ورأيناها أرملة بدون شكّ في بداية رسالة ابنها العلنيَّة في قانا، ورأيناها لا تتبع يسوع في تنقلاته. لقد ترك يسوع إذًا أمه طيلة حياته وفكر في تسوية وضعها في تلك اللحظة فقط؟ وفي غير مكان نرى مريم في صحبة أقربائه (إخوة يسوع، متى 12/ 46 والموازية)، ونراها عند الصَّليب مع أختها أو قريبتها سالومه، أمّ ابنيّ زبدى، أو مريم زوجة كلوبا (متى 27/ 56، مر 15/ 40، يو 19/ 25) يحيطها أقرباؤها وليست وحيدة وليس من الضروري الاهتمام بنوع خاص بمستقبلها الشخصيّ.

 

نلاحظ أنّ يسوع يتوجَّه أوَّلًا إلى أمِّه ليوكل إليها التلميذ وثانيًا إلى التلميذ ليسلّمه إلى أمِّه. فلو كان الأمر لا يتعدى المحبَّة البنويَّة لكان اكتفى بتوجيه كلامه الأوَّل طبيعيًا إلى التلميذ ليوكل إليه أمّه. ولكن يسوع يوجِّه كلامه أوَّلًا إلى مريم ليدلّها إلى التلميذ كابنها ممَّا يدلُّ إلى أنَّ هذا الكلام يتعدَّى التفسير الخاص. أنّ له بعدًا آخر.

أضف إلى ذلك أنَّ الصِّفة الرَّسميَّة التي يتخذها وضع المسيح وكلامه لا يتفق مع التفسير الأدبي فقط إلاّ بصعوبة. خمس مراحل تشكّل مراحل الصَّليب (19/ 16 ـ 37) وكلٌّ منها عمل دليلي إمَّا بذاته وإمَّا بتتميمه نبوءة من النبوءات:

1) الصَّلب مع الكتابة "ملك اليهود".

2) إقتسام الثياب مع الاستشهاد بالمزمور (22/ 19).

3) مريم والتلميذ مع كلام يسوع.

4) موت يسوع مع التلميح إلى المزمور (69/ 22).

5) الطعن بالحربة مع الإشارة إلى الخروج (12/ 46)، والاستشهاد بالمزمور (34/ 21) وبزكريا (12/ 10).

 

وفي المرَّات الثلاث التي يرجع فيها المسيح إلى العهد القديم، يربط الإنجيليِّ الحدث بالاستشهاد بالعهد القديم بالجملة "قد تمَّت الآية. أو لكي يتمّ الكتاب (المراحل: 2، 3، 5، يو 19/ 23، 28، 36 ـ 37). وتذكر المرحلة الأولى كتابة لا رجوع عنها "ما كتب قد كتب" (19/ 22). ومع مريم والتلميذ تنتهي المرحلة الثالثة التي تضع كلام المسيح على صعيد العمل الفدائي، بدون الإشارة إلى الكتاب: "وبعد هذا رأى يسوع أنَّ كلّ شيء قد تمّ ولكي يتمّ الكتاب قال أنا عطشان" (19/ 28). هذه المراحل الخمس يربطها الإنجيل بإحدى النبوءات من الكتاب، وبالعمل الفدائي المتمم على الصَّليب. فكيف يُمكننا، في مثل هذا الإطار الهام، أن نقبل بتفسير كلام يسوع لمريم والتلميذ تفسيرًا عائليًّا وخاصًّا؟ وأخيرًا نقول: لو كان الإنجيليّ يشير إلى مريم كأمّ يسوع، فيسوع لا يناديها بلقبها الطبيعيّ كأمّ، بل كإمرأة. وإذا  كانت هذه المرحلة تعني فقط اهتمام يسوع البنويّ فلماذا لا يدعوها بشكلٍ طبيعيٍّ "أمِّي"، مِمَّا يناسب معنى النص الأدبيّ والعادة اليهوديَّة؟ ولكن يسوع أعطى أمَّه لقبًا كما في قانا أبعدها عنه وأزال اعتبار أمومة مريم الجسديَّة وبنوَّة المسيح، ليضع مريم على صعيد أكثر موضوعيَّة "يا امرأة هوذا  ابنك".

 

ليست في نيتنا أن نبعد التفسير الذي يرى في هذه المرحلة عطيَّة المسيح البنويَّة لأمِّه. ومهما فهمنا الجملة الختامية: "أخذها التلميذ إلى خاصَّته"، فإنّها تدلُّ إلى قبول التلميذ لمريم في بيته. سلّم يسوع أمَّه للتلميذ الحبيب. ولكنّ النص يمنعنا، كما رأينا، من التوقـُّف فقط على هذا المعنى، فلا نبعده كما أنَّنا لا نبعد المعنى التاريخي لمراحل الصَّلب الأربع؛ كتابة بيلاطس والقرعة على القميص وعطش يسوع وطعن جنبه بالحربة. ولكن مرحلة مريم والتلميذ تتطلّب، كبقيَّة المراحل، تعمقـًا في السِرّ، بحسب أسلوب إنجيل يوحنّا. يجب أوَّلَا أن نقبل المعنى التاريخيّ المباشر كما فعل أغلبيَّة المفسِّرين. ويمكننا أن نُضيف إليها أنَّ مريم كانت أرملة وقتئذٍ وليس لها أولاد غير يسوع، وإلّا لكان من المستغرب أن تسكن عند التلميذ. ونجد تفسيرًا في تقليد الآباء: إنّ كلام المسيح هو فعل محبَّة بنويَّة من المسيح ولا معنى له إلّا لأنَّ مريم وحيدة. إلى هذا المعنى التاريخيّ المباشر نُضيف معنًى صوفيًّا يقصده المسيح والإنجيليّ.

 

"مريم أمّ الرّب ورمز الكنيسة"

ماكس توريان