ظهورات مريم

 

ظهورات مريم

 

ظهورات مريم

 

إكرام مريم وظهورات مريم

 

يعبِّر إكرام مريم في الكنيسة عن إكرام الكنيسة لتلك التي أعطتها المخلّص، وعرفانها للجميل لذلك، وصلاتها لكي تشفع في شعب الله والجنس البشريّ بأسره. يمكن تركيز هذا الإكرام على الأعياد الطقسيّة، وعلى الإيمان الشعبيّ أيضًا. فقد سبق لنا أن رأينا، ونحن نبحث في المؤلّفات المنحولة، أهمّيَّة هذا الإيمان الشعبيّ، "إيمان البسطاء"، وبالانطلاق منهُ توضَّحت العقيدة المسيحيَّة، في ما يختصّ بمريم. وكانت "ثيوطوقوس"، في مجمع أفسس، منذ ذلك الحين، إعتراف الكنيسة بالاعتقاد الشعبيّ وبأصالته. فعلم اللاهوت المريميّ، أكثر منه في جميع مجالات العقيدة المسيحيَّة، في علم اللاهوت المسيحانيّ على سبيل المثال، يُظهر دور إيمان شعب الله في نموّ إيمان الكنيسة، لا نموّ إيمان أناس علماء، بل إيمان حَدْس وحياة. (تصوّر التقليد في الدستور "كلمة الله" في المجمع الفاتيكانيّ الثاني، الرقم 8 ).

 

كان إيمان شعب الله هذا في نشأة مزارات وحجّ كانت ولا تزال مشارف صلاة الشعب المسيحيّ. كان الحجّ في القرون الوسطى يتوخّى الذهاب إلى مكان فيه ذكرى يسوع أو رسله، ولذلك عزيز على تقوى المؤمنين: القدس الشريف ورومة والقسطنطينيَّة وقومبوستيل في إسبانيا. أراد المؤمنون المشاركة في البركة الملازمة لهذه الأماكن المُقدّسة. ولا تزال رومة ومدينة القدس الشريف مكانين للحجّ يزخران بالحياة.

 

فالأماكن التي في أيَّامنا تستهوي الجموع هي الأماكن التي ظهرت فيها العذراء (أو قيل أنّها ظهرت فيها) فقدَّستها بحضورها فيها. لا شكَّ في أنَّ هذه الظاهرة ليست جديدة. ونشهد بأنَّ العذراء مريم ظهرت في جميع الحقب من تاريخ الكنيسة تُـنبِّه عدّة رهبانيَّات في الغرب أنَّ نشأتها تعود إلى ظهور من هذا النوع. غير أنّ هذه الظهورات، في الآونة الحاضرة، أكانت صحيحة أم مقدَّرة صحيحة، تضاعف عددها، ومثل هذه الظاهرة الدينيَّة يقتضي، أكثر منه في كلِّ حين، تمييزًا من قِبل الكنيسة.

 

أظهر علماء اللاهوت، على وجه عامّ، تحفّظـًا في شأنِ مثل هذه الظهورات، وهي ليست في حدِّ ذاتها شيئـًا من إيمان الكنيسة. ومن جهّة أخرى، يُعرف أيضًا حذر كبار المتصوِّفين من الرؤى الفائقة الطبيعة. غير أنّه من المعلوم أيضًا أنَّ الكنيسة، إذ تُقيم قواعد شديدة جدًّا للتمييز، لا ترفض مبدأ الظهورات هذه لِما هو إلهيّ في هذا العالم. إنّها تذكِّر بأمر واحد، وهو أنّه ليس هناك سوى وحي علنيّ عليه تبنيّ إيمانها، الوحي الذي ابتدأ بالأنبياء وانتهى بابن الله، يسوع المسيح (عب 1/ 1). فما من وحي خاصّ يستطيع إذاً أن يُضيف إلى إيمان الكنيسة عنصرًا جديدًا، لا بل إيمان الكنيسة هو معيار صحّة هذه الظهورات.

 

 

1- وصف الظهورات

 

تتَّصف الظهورات المريميّة الحديثة، على وجه عامّ، بثلاث صفات:

- إنّها مبادرة من العذراء، فهي التي تبادر إلى الظهور.

- إنّها ظهور حسِّيّ، يحسُّ به "الرّاءون" الذين يُبصرون وحدهم السيِّدة ويسمعونها.

- غايتها إبلاغ رسالة إلى الشعب المسيحيّ. ففيها جانب كنسيّ.

 

يوضح الأب كارل راهنِر هذا المظهر هكذا: "أقوال هذا الوحي الخاصّة" لا تتَّصل بالحياة الرّوحيَّة لفرد فحسب، ولكنّها مع أنّها خاصَّة، تخاطب، بلسان الذي تأتيه مباشرة، الكنيسة أو جزءًا مهمًّا من الكنيسة: أقوال وحي خاصّة تمثـِّل تقوى جديدة، وتحثّ على التوبة وتبلّغ بعض التعليمات، وتوصي بتعليم روحيّ أو نوع من الحياة الرّوحيّة إلخ... حدثت في أثناء تاريخ الكنيسة أحداث وهي من هذا النوع أثـَّرت على وجه أكيد تأثيرًا مهمًّا".

 

إلى هذه الصفات يمكن إضافة:

-الراؤون هم، على وجهٍ عامّ، أطفال تذكِّر بساطتهم وتواضعهم وروح خضوعهم "بالصِّغار" الذين عرضهم يسوع أمثلة في إنجيله (متى 11/ 25-27).

- العذراء هي عادةً رسولة ابنها، فلا تتكلّم باسمها. وهي أيضًا التي تشفع، وتقيم نفسها محامية الناس لدى ابنها ولدى الآب.

 

 

2- مضمون رسالة الظهورات

 

إذا كان هدف هذه الظهورات عادةً إبلاغ رسالة إلى الشعب المسيحيّ، فيُمكن أن يكون مضمون هذه الرِّسالة مختلفـًا عمَّا هي عليه في هذا الحدث أو ذاك. بل هي دعوة إلى اتّخاذ موقف: ما هو السلوك الذي يجب على المسيحيِّين أن يسلكوه في موقف تاريخيّ مُعيَّن؟ يظهر هذا الطابع "العمليّ" خصوصًا في الرؤى المريميَّة الكبيرة (لورد أو فاطمة). دور هؤلاء الأطفال أن يبلّغوا رغبة ملموسة، وجرت العادة بتبليغ دعوة إلى موقف روحيّ. وتشدِّد خصوصًا العذراء، في هذه الأونة الأخيرة، على ضرورة التوبة والصّلاة. كتب الأب لورنتان في شأن لورد: "رسالة لورد، إذا أوجزت في أبسط صيغة لها، يمكن التعبير عنها على هذا النحو: العذراء البريئة من الخطيئة تأتي إلى نجدة الخاطئين ولذلك تعرض ثلاث وسائل تعود بنا إلى مقدِّمات الإنجيل: ينبوع الماء الحيّ والصّلاة والتوبة... لا يأتينا هذا البرنامج بشيء جديد ولا ينوي أن يُعلّمنا شيئـًا لم يسبق لنا أن عرفناه. إنّه تذكير مُحْي، "وذلك ما يريد أن يكون... إنّه دعوة ندركها من الداخل بالالتزام بها".

 

بيد أنّه يجدر بالملاحظة أنَّ الدعوة إلى موقف روحيّ ملموس تُوَجَّه، بلا شكّ، أوَّل الأمر، إلى "الرّائين" أنفسهم، ولكن، بعد ذلك، إلى الشّعب المسيحيّ كلّه، وهي تسأل أن يظهر هذا الموقف العمليّ في حركات أو مظاهر إيمانيَّة يُقام بها في الجماعة، في الكنيسة. ومن هنا دور رحلات الحجّ إلى أماكن هذه الظهورات، وفيها تتلاقى الجماعة المسيحيَّة لتلبّي الدعوة الواردة في الرّسالة.

 

 

3- علامات صحَّة الظهورات

إذا كان المقصود رسالة موجَّهة إلى الشّعب المسيحيّ، فلا بدَّ من إخضاع هذه الظهورات المريميَّة لسلطة الكنيسة التي "ستعترف" بها أو ترفضها. وفي الجملة، قرار الكنيسة في هذا الشأن منوط بتحقيق عميق يتناول أمرَين:

- تحقيق مفصَّل يتناول الشّخص أو الأشخاص الذين يعتقدون بأنّهم يحظون بهذه الظهورات، وعلى الخصوص شخصيّتهم وتوازنهم الجسمانيّ والنفسيّ، وتصرّفهم قبل الظهورات وبعدها، وانفتاحهم على مرشدهم الرّوحيّ ولا سيَّما تواضعهم.

- تحقيق يتناول الوحي نفسه، فلا بُدَّ من التنبُّه لظرف الرسالة ومضمونها وموافقتها لتعليم الكنيسة، وفائدتها الرّوحيَّة، والمشاعر والتصرُّفات التي تبعثها عند الرّائيّ وأهل جواره.

 

وآخر الأمر، على السّلطة الكنسيَّة أن تقوم بتمييز روحيّ حقيقيّ، لكي تُصدر حكمًا. تمييز بين ما يأتي من الإنسان، أو ما قد يأتي من الشيطان، وتمييز ما يأتي من الله وروح الله.

في رأي بعض علماء اللاهوت، الحجّة القاطعة على الأصل الإلهيّ للوحي تكون معجزة تصحبه وتكون تأييدًا لصحّة هذا الوحي الفائقة الطبيعة.

 

ولا بُدَّ أيضًا من مراعاة العنصر الشخصيّ الذي قد يأتي به "الرَّائيّ" إلى  الرسالة التي يحملها. فالرَّائيّ، على غير شعور منه في أحيان كثيرة، يفسِّر الرؤية والرّسالة وفقـًا لعاداته الذهنيَّة، وثقافته الرّوحيَّة (شأن أنبياء العهد القديم). ومن هنا ضرورة توجيه الأسئلة إليه في أقرب وقت ممكن بعد الظهور، والحذر من الأخبار أو الشهادات التي يدلي بها الذين جمعوا هذه الأخبار، على قدر ما قد ابتعدوا من اللحظة التي حظي فيها بهذه الظهورات.

والأمر الأكيد أنَّ حكم الكنيسة لا يكون موافقة إيجابيَّة على حدوث الظهورات، بل الإذن بأن يُنظر إليها بعين الجـِدِّ فحسب.

هذا هو نصّ من البابا بندكتس الرابع عشر، له سلطة في الموضوع: "يجب أن يُعلم أنَّ الموافقة التي توليها الكنيسة وحيًا خاصًّا ليس سوى الإذن، يُعطى بعد فحص دقيق، بتعريف هذا الوحي لتعليم المؤمنين وخيرهم. لا يجوز ولا يمكن إعطاء قبول إيمان كاثوليكيّ لمثل هذه الظهورات ولو وافقت عليها الكنيسة. يجب إعطاؤها، وفقـًا لقواعد الفطنة، قبول التصديق البشريّ فحسب، على أنَّ مثل تلك الظهورات مُحتملة ويُمكن قبولها بتقوى".

 

موقف المؤمن تجاه هذا الوحي، يجب توضيحه بين مبالغتَين: إفراط في التصديق أو حذر مفرط.

- إفراط في التصديق آتٍ من طلب مفرط لِما هو عجيب وللمعجزات ومشغوف بتنبُّؤات مُطمئنة أو مخيفة ومثيرة للحماسة الخالية من كلِّ صفة روحيَّة.

 

- حذر مفرط يَرد خصوصًا عند أهل الفكر وقد نفروا من سخافة بعض المنشورات وتحمّسها، وأيضًا عند كثير من علماء اللاهوت وقد تضايقوا من إيمان عاطفيّ، عند جميع الذين يتضايقون من مظاهر الإيمان الشعبيّ.

 

ما هو أكيد هو أنَّ الكنيسة، إذ تُظهر حذرًا مفرطـًا في رأي بعض الناس، تسلّم بإمكان هذه الظهورات المريميَّة.

يُضاف إلى ذلك أنّه يجب التذكُّر بأنَّ مريم هي التي يستنجد بها الإيمان المسيحيّ على أنّها أمّ الله، والتي تشفع فينا نحن الخاطئين والتي، لأنّها أمّ الكنيسة، لا يسعها إلّا أن تقود إلى ابنها شعبَ المؤمنين. تكشف لنا ظهوراتها الصحيحة عنها، كما يعرفها الإيمان ويعترف بها. فبهذا المعنى تستطيع، عندما تظهر، تجديد قوّة إيماننا وتذكيرنا بتنبيه المسيح: "إسهروا وصلّوا لئلّا تقعوا في التجربة".

 

 

الوحي الخاصّ والتفكير اللاهوتيّ

 

رأينا قبل قليل دور أحداث الوحي الخاصّ في التقوى المريميَّة: منها تنطلق رحلات الحجّ المريميَّة في عصرنا، أمثال لورد وفاطمة. وما أوحي أيضًا إلى القدّيس دومينيك، منشئ الإخوة الوعّاظ في أوَّل القرن الثالث عشر، هو، على ما يبدو، ما انطلق منه تقوى الورديّة، التي حثّ عليها الباباوات كثيرًا، في الآونة الأخيرة (بولس السادس: الإكرام المريميّ) و البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني (أمّ الفادي). يبدو أنَّ هذا الوحي لا يزال يتواصل في يوغوسلافيا حيث يجلب جمعًا غفيرًا.

كيف نقيم له مكانًا في تدبير الخلاص؟

سنقيم له مكانًا بالنظر إلى الوحي اليهوديّ المسيحيّ.

 

 

1- الوحي اليهوديّ المسيحيّ

إنّه يتميّز ممّا يُقال له الوحي الطبيعيّ الذي يتكلّم عليه القدِّيس بولس في رسالته إلى أهل رومة (1/ 19-20). يظهر الله في أعماله: "فمنذ خلق العالم، لا يزال ما لا يظهر من صفات الله، أي قدرته الإلهيَّة وألوهته، ظاهرًا للبصائر في مخلوقاته". وهو ظاهر أيضًا، في قلب الإنسان، فيجذب إليه الذي خلقه على صورته.

 

الوحي اليهوديّ المسيحيّ دخول الله في تاريخ البشر: يُبادِر الله إلى التحدُّث إلى البشر لكي يعرض عليهم قصد الخلاص وغفران خطاياهم. بدأ هذا الوحي بإبراهيم وذرّيَّته حتى بلغ غايته وكماله في المسيح. وقوامه أحداث وأقوال. إنّه حوار كلّه بين الله وشعبه المختار في أوّل أمره، ثمّ بين الله والبشر، وفيه يعرض الله عهده فيقبله الشعب أو يرفضه. فالوحي، في هذا المعنى، هو كلام الله يُعَبِّر عنه بلغة البشر. ولكن كلام الله صار كلمة بشريَّة في يسوع المسيح على وجه خاصّ. "في وحدة شخص يسوع تتمّ هذه الوحدة من نوع فريد، وفيها ما يفكّره الله ويقوله ويُتمُّه في قصد حبِّه لنا، يعبِّر عنه بكلمات بشريَّة على لسان يسوع، ويندرج في التعبير الشامل لنفسه الذي عليه يقوم وجوده" (برنار سِسْبويه). إنَّ الله كشف عن نفسه في يسوع المسيح على وجه نهائيّ وشامل، ولن يستطيع أيّ وحي آخر زيادة حرف على هذا الوحي، الذي عليه بُنيَ الإيمان المسيحيّ. "إنَّ التدبير المسيحيّ، الذي هو العهد الجديد والنهائيّ، لن يزول أبدًا ولن يُرجى أيّ وحي جديد قبل الظهور المجيد لسيِّدنا يسوع المسيح" (المجمع الفاتيكاني الثاني).

 

فأحداث الوحي الخاصّ لا تزيد إذاً شيئـًا على الوحي الذي نتلقّاه من الأسفار المُقدَّسة والذي ينقله التقليد إلينا ويمكن الرّجوع هنا إلى القدّيس يوحنّا الصليبيّ:

 

"مَن يسأل الآن الله أو يتمنّى منه رؤية أو وحيًا، لا يأتي حماقة فحسب، بل يهين الله، إذ لا ينظر بعينه إلى المسيح على وجه تامّ من غير أن يريد شيئـًا جديدًا. فـ لله أن يجيبه هذا الجواب بقوله: إذا لم أقل كلَّ شيء بكلمتي الذي هو ابني، فليس لديَّ كلام آخر يمكنني أن أضيفه إلى جواب أو أكشف عنه زيادة عليه: أنظر إليه فحسب، لأنّي قلت كلَّ شيء فيه وأوحيت بكلِّ شيء فيه، وستجد فيه أكثر ممّا تسأل وأكثر ممّا يسعك أن تتمنَّى. أنتَ تريد كلامًا أو وحيًا ليس إلّا جزءًا فحسب، وإذا أحسنتَ النظر إليه، وجدت فيه كلّ شيء لأنّه كُلُّ كلامي وجوابي وكلُّ رؤيتي ووحيي، الذي كلّمتك به، وأجبتك به وأظهرته وقد أعطيتك إيّاه أخًا ورفيقـًا ومعلّمًا".

 

 

2- ما لم يتمّ بعد في الوحي

 

فإذا كان الوحي قد تمَّ في المسيح، وإذا قال لنا الله به كلّ شيء في شأنه وفي شأن مشيئته الخلاصيّة، فهو لم يصل إلى البشريَّة كلّها، والكنيسة، وهي المؤتمنة، لم تكشف بعد عن جميع ثرواته. "ما دام تاريخ هذا العالم، وما دام هناك أناس يُقبلون إلى الإيمان، وما دامت تهتدي أجيال وثقافات جديدة، فمضمون هذا الوحي لا يزال يُكشف عنه ويُعمَّق ويميَّز، ويكيَّف وفقـًا للغات جديدة في ضوء الرّوح القدس الذي "يرشدنا إلى الحقِّ كلّه" (يو 16/ 13). وبعبارة أخرى، يتواصل الحوار بين الله والبشر، ويؤلّف التقليد تدريجيًّا (المجمع الفاتيكاني الثاني) في تمثـُّل تدريجيّ للكلمة وفي اختبار الكنيسة الإيمانيّ. فهكذا اختبار الشهداء والقدِّيسين والمتصوّفين والمرسَلين وروّاد الصيغ الجديدة للحياة المسيحيّة، ذلك كلّه شيء جوهريّ.

 

ففي خطّ التفسير هذا، يجب النظر إلى أحداث الوحي الخاصّ أو الظهورات التي تكلّمنا عليها في شأن التقوى المريميّة. فهي لا تأتي بشيء جديد يُضاف إلى الوحي في يسوع المسيح، لا بل هذا الوحي هو المقياس لصحَّة هذه الأحداث الروحيّة. ولكنّها قد تشدِّد على هذا المظهر أو ذاك من الوحي، يحتاج إليه أهل العصور الحديثة. فهكذا تكون فحوى رسالة العذراء في الظهورات المعترف بها، في أكثر الأحيان دعوةً إلى الصلاة والتوبة، وهو أمر إنجيليّ في الأساس، ويلائم حقبة فتور في الإيمان. فهذه الرسالة ليست سوى دعوة إلى التوبة.

 

وخلاف ذلك أنَّ الكنيسة تُظهر تحفـُّظـًا شديدًا بالنظر إلى كلِّ رسالة تخبر بأحداث مستقبلة. ولا يعني ذلك أنَّ الله لا يسعه الكشف لهذا القدّيس أو ذاك عن المستقبل الذي يخصّ به كنيسته في هذه الحال، أو عن دعوة شخص أو جماعة. فمثل هذا الوحي جزء من هبة النبوءة. ونحن نعرف أمثلة لها في سيرة القدِّيسين، ولا سيّما في سيرة المتصوّفين. مار أنطونيوس الكبير وكثيرًا من سائر القدّيسين، مثل خوري أرس. ولكن لا بُدَّ من كثير من الحذر وفقـًا لأوهام ممكنة في كلِّ حين. ففي هذا المجال خصوصًا، لا غنى عن تمييز الأرواح على نحو دقيق جدًّا.

 

ولا ينبغي أن يُنسى أبدًا، حتى إذا اعتُرِف بصحَّة وحي أو ظهور، أنَّ الأمر يبقى مرهونًا بقبول حرّ. الوحيّ الإلهيّ في يسوع المسيح هو وحده الذي يقتضي فعل إيمان حقيقيّ.

   

 


"خلاصة اللاهوت المريميّ"

الأب أوغسطين دوبره لاتور