عذراء فقيرة

 

                                                                                               عذراء فقيرة                                                                

 

عذراء فقيرة

 

في الدقة الواضحة عند متّى (1/ 18 ـ 25) ولوقا (1/ 27 ، 34 ـ 35)، وفي رواية القدّيس يوحنّا التي تبدو أكثر تماسكًا (1/ 13)، دلائل تلزم الإيمان المسيحيّ الحقيقيّ بالاعتراف ببتوليّة مريم، قبل أن تلد المسيح. والدوافع لإنكار هذه البتوليّة هي، في أكثر الأحيان، غير لاهوتيّة. لقد وضع بعض اللّاهوتيِّين البروتستانت، أحيانًا، بتوليّة مريم موضع الشَّكّ، أثناء حبلها بالمسيح. لا يستطيع هؤلاء الإدّعاء بسهولة بأمانتهم التقليديّة للكتاب المقدّس. فإذا كانوا غير أمناء لشرح النصوص المقدّسة حول هذه الفكرة بالذات، فلماذا يلومون غيرهم من لاهوتيِّي الكنائس الأخرى على عدم أمانتهم للكتاب المقدّس حول أفكار أخرى؟ وإذا كانت هذه هي الحال فيبقى كلّ واحد منهم يستقي من الكتاب المقدّس ما يناسب مذهبه، ويستحيل عندئذٍ الرّجوع إلى معطيات موضوعيّة موحاة. وما يقسم المسيحيِّين على أنفسهم لم تعد شروحاتهم المُختلفة لفكرة كتابيّة موضوعيّة، بل اختيارهم الاعتباطيّ لفكرة من هذا المعطى تنسجم مع موقف شخصيّ غير لاهوتيّ. ولا نرى حينئذٍ على أي أساس متين يستطيعون استعادة وحدتهم المفقودة.

 

بتوليّة مريم هي معطـًى موضوعيّ في الكتاب المقدّس لا يقبل أي شكّ. ولكن أي معنى نعطيه للقب "بتول" الوارد في رواية البشارة عند لوقا؟

لنلاحظ أوّلًا أنّ كلمة "بتول" في العهد القديم تحمل، غالبًا، معنى الاحتقار. فبنت يفتاح تبكي بتوليّتها (قض: 11/ 38)، أي أمومتها قبل أن تعرف شرف الزواج والأمومة. ولقب "بتول" المُعطى لابنة صهيون، رمز الشّعب الاسرائيليّ، يحمل أحيانًا معنى العار (يؤ: 1/ 8 ـ عا: 5/ 2 – مرا: 1/ 15 ، 2/ 13). ونلاحظ، في هذه النصوص، أنّ بتوليّة ابنة صهيون، رمز إسرائيل، التي تنتظر ولادة المسيح دون التوصل إليها بعد، تثير فيها الألم والحزن، لأنّها تخشى الموت قبل أن تعرف معنى الأمومة، وولادة المسيح الذي ينجيها من عارها وعذابها إلى الأبد.

 

والحال أنّ مريم، ابنة صهيون، وبتول أيضًا، عنيت بوعد أمومة المسيح الرّبّ القريبة التي طالما انتظرها الناس. فبتوليّتها التي تدلّ، مرّة أخرى، على ابنة صهيون، لا يمكن أن تكون عارًا لأنّ هذه البتوليّة ستخصب وتلد ابن الله.

 

فإذا كانت البتوليّة، بدون رجاء بالزواج والأمومة، أمرًا محزنًا في إسرائيل، فقد كانت مكرّمة وفي علاقة بالوظائف المُقدّسة. كذلك قلّ عنِ العفة في الزواج (أح: 21/ 7 ، 13 ـ حز: 44/ 22) وعند اقتراب العهد المسيحيّ، كان مفهوم البتوليّة قد اتّخذ معنًى صوفيًّا، فنرى  في أدب قمران أنّ "معسكر أبناء النّور" كان محظورًا على النساء طيلة الحرب المعادية، لأنّ أبناء النّور شُركاء الجنود السَّماويِّين، وبجوار الله وبالتالي ملزمون بحياة ملائكيّة ونجد، في الأدب الرابيني، أثرًا لعلاقة البتوليّة والعفّة بجوار الله. فيذكر هذا التّقليد أنّ موسى، منذ رؤيته العلقيّة المتّقدة، انفصل عن امرأته صفورة: "... لأنّ موسى، ذا اللّحم والدّم، انفصل عن امرأته يوم تراءت له العليقة".

 

ليس للتّقليد الرابيني صفة معياريّة بالنسبة لنا. فقد وجدنا، على ما نظنّ، في رسالة بولس إلى الغلاطيِّين، تقليدًا يقول إنّ سارة  حبلت بإسحق بصورة عجائبيّة (غل 4/ 22 ـ 31) وتنطبق نبوءة أشعيا (54/ 1) المتعلّقة بابنة صهيون، على سارة ثمّ على الكنيسة: "أورشليم العليا أمّنا": "افرحي أيّتها العاقر التي لم تلد اهتفي وارفعي الصّوت، أيّتها التي لم تتمخّض".

 

إنّ أبناء المهجورة أكثر عددًا من أبناء ذات البعل" (غل 4/ 27). ويذكر بولس، في موضع آخر، المولود بحسب الجسد (إسماعيل) والمولود بحسب الرّوح (إسحق) بالمقابلة مع إسرائيل بحسب الجسد وإسرائيل بحسب الرّوح أي الكنيسة.

 

ومن الواضح أنّ التقليد الذي كان متداولًا، عند ولادة المسيح، غني بالفكرة التي يوحيها "جوار الله" لأبطال الإيمان عن البتوليّة والعفّة. هذا التّقليد اليهوديّ، غير القانونيّ يتيح لنا فهم العقليّة المتعلّقة بالبتوليّة زمن ولادة المسيح، وأتاح، بكلّ تأكيد، للإنجيليِّيَن متّى ولوقا أن يُعطيا بتوليّة مريم كلّ معناها الرّوحيّ.

 

إنّ البتول مريم، التي ولدت المسيح، هي إبنة صهيون. أمّا بتوليّتها فلم تعد عارًا لأنّ الرّوح القدس أخصبها، بل هي علامة جوار الله. من هنا، وبحسب التقليد اليهوديّ المحيط، تكون مريم في سلالة سارة التي ولدت "بحسب الرّوح"، وفي سلالة موسى الذي انفصل عن امرأته صفورة لمجرّد دعوة الله له في العلّيقة المتّقدة، وفي سلالة أبناء النّور المشتركين مع الملائكة في المعركة النهائيّة.

جعل يسوع من نفسه صدى لهذه الصِّلة بين العفّة وبين الحياة الملائكيّة، وفي جوابه على سؤال "الصدوقيِّين" عن حالة المرأة التي تزوَّجت سبع رجال، يوم القيامة.

 

"إنّ أبناء هذه الدنيا يتزوَّجون ويُزوِّجون. أمّا الذين وجدوا أهلًا للفوز والقيامة من بين الأموات، فلا الرِّجال منهم يتزوَّجون ولا النساء يُزَوَّجْن، ولا بعد ذلك يموتون لأنّهم أمثال الملائكة، وهم أبناء الله لكونهم أبناء القيامة" (لو 20/ 34 ـ 36).

 

ومن الغريب أن يتبع هذا الجواب المدهش ذكر العلّيقة المتّقدة ليؤكّد أنّ موسى تسلّم تعليمًا عن القيامة. إلّا أنّنا لا نستطيع التّشديد على هذا التقارب ولكن أليس في فكر المسيح ترابط سرِّي بين ظهور العلّيقة المتّقدة لموسى وبين العفّة والقيامة حتى يذكرهما معًا في حديث واحد؟ هذا الحديث لا يجعل من البتوليّة حالة متميِّزة بالنسبة للزواج، بغية القيامة. بل هناك تأكيد على الفكرة اليهوديّة المذكورة، التي بموجبها يستطيع "جوار الله" أن يجرّ البتوليّة والعفّة بهذا المعنى يجب أن نفهم جواب المسيح لبطرس: "الحقّ أقول لك ليس أحد يترك بيتًا أو امرأة أو إخوة أو أخوات أو والدين أو بنين، من أجل ملكوت الله، إلّا نال أضعافـًا في هذه الدنيا ونال في الآخرة الحياة الأبديّة" (لو 18/ 29 ـ 30 ـ مت 19/ 27 ـ 29 ـ مر 10/ 28 ـ 30) تتضمّن دعوة المسيح لأتباعه هذا التجرّد الكامل الذي يقود إلى الامتناع عن الزواج "من أجل ملكوت الله"، وهذا التجرّد يساوي لمن يقبله أضعافـًا في هذه الدنيا والحياة الأبديّة.

 

وتبرز هنا من جديد الصِّلة بين "جوار الله" وبين التخلّي عن الزواج. وتصبح البتوليّة والعفّة علامة أنّ العالم الجديد قد ابتدأ، وأنّ نظام الخليقة والطبيعة ليس نظامًا مُطلقًا، وأنّ نظام الملكوت قد ظهر على الأرض فقلب مفاهيمنا المُصاغة ومؤسَّساتنا الثابتة وتقاليدنا التي لا تتبدل، وفتح على الحياة الأبديّة العتيدة نافذة يشعّ منها نور العالم الملائكيّ. وهنا تظهر أكيدة الصِّلة بين العفّة وبين جوار الله وصداقته، بدون أي تقدير للبتوليّة أو تحقير للزواج. بل كلّ ما هنالك إنّما هو على صعيد الرَّمز، ولنا عودة إلى شرح هذه الفكرة الدقيقة.

 

ويُشير سفر الرُّؤيا إلى البتوليّة دليلًا إلى الشَّراكة الفريدة مع الله، وهو موضوع المئة والأربعة  والأربعين ألفًا الذين يرمزون إلى جمع المختارين: "هؤلاء هم الذين لم يتنجسُّوا بالنساء فهم أبكار. هؤلاء هم الذين يصحبون الحمل كيفما سار. هم الذين افتدوا من بين الناس باكورة الله والحمل. لم تنطق أفواههم بالكذب، إنّهم لا عيب فيهم" (رؤ 14/ 4 ـ 5).

 

نحن هنا في مجال الرَّمز وليس الموضوع فئة متميِّزة، بل جماعة من المفتدين. فالتنجس يرمز إلى عبادة الوثن، والمفتدون لم يسجدوا للحيوان، والكذب يرمز إلى عبادة الآلهة الكذبة، والمفتدون لم يصلّوا للوحش. ولقد تقدّسوا باسم المسيح فهم لا عيب فيهم. يتبعون الحمل، كما كان إسرائيل يتبع الله في الصَّحراء، وهناك يحتفلون بخطوبتهم الأبديّة: فهم أبكار لا يخصُّون إلّا المسيح. فالبتوليّة هنا بالمعنى المجازي ترمز إلى صداقة المفتدين مع الحمل، المسيح المُمجَّد. فقد وهبوه أنفسهم تمامًا وتعلّقوا به من أجل الحياة الأبديّة. ونلتقي مرَّة أخرى بالمعنى المجازي  للبتوليّة الذي يرمز إلى الحياة بجوار الله أي الاستعداد لقبول مشيئته والاتّحاد المتين بشخصه وتكريس فريد وكامل للذي هو الكلّ في الكلّ.

 

أمّا لقب "بتول" الذي أعطاه لوقا لمريم يدلّ إلى أنّها، في بيئتها وحياتها الدينيّة، شبيهة بكائن منفصل عن سائر الكائنات، اصطفاها الله باختيار متميّز وبدعوة خاصّة لأجل مهمّة فريدة. وتدخل مريم بتولًا، في علاقة فريدة مع الله لتحقـِّق مخطـَّط تجسّده. تدلّ بتوليّة مريم إلى قربها المميّز من الله. قال لها الملاك "الربّ معك". والبشارة، بالنسبة لمريم، هي العلّيقة المتقدة حيث تحقّقت أنّ إله اسرائيل أعدّها واختارها منذ الأزل ليكون معها في علاقة لم يعشها أحد من قبل، فيصبح إبنها في يسوع المسيح. وبتوليّتها هي رمز هذه العلاقة الخارقة.

 

وسنخطئ في فهمنا لقب "بتول" المعطى لمريم إذا ما قارناه بقداستها. فمريم ليست بتولًا لأنّها قدّيسة، ولا هي قدّيسة لأنّها بتول. فيجب علينا أن نميّز بين الصِّفتَين وألّا ننتقص من قيمة الزواج المسيحيّ الذي هو أيضًا مقدّس.

ومن الأنسب أن نرى في قداسة مريم وبتوليّتها نتيجتَين متميِّزتَين لإعدادها الأزليّ، لأنّها المُمتلئة نعمة، ولأنّها موضوع اصطفاء فريد من الله استحقّ لها ملء النعمة، فهي قدِّيسة وبتول وملء النعمة يحدث في مريم قداسة فريدة ويجعلها في علاقة مميَّزة مع الله فلم يعد بإمكان أي شيء آخر أن يملأها. وبتوليّتها هي علامة اكتفائها بحبِّ الله الكامل لها فلم تعد تنتظر غير حضور الله العجيب بِحبلها. وتعيش مريم بتوليَّتها بالقداسة. والمهمّ، في كلّ ذلك، هو أن نميِّز القداسة من البتوليّة، فنفهمهما في بعدهما الحقيقيّ وفي ارتباطهما المباشر بملء النعمة الذي استحقه اصطفاؤها الأزليّ. إنّ بتوليّة مريم صفة تكريسها. لقد انفردت عن سائر النّاس لتصير أمّ المسيح. وتضعها صلتها الفريدة بالرّوح القدس في جوار الله فتنفرد عن النّاس وترمز إلى اختيار سيّدها لها. ويذكر أحد النصوص الرابينيّة أنّ صفورة، امرأة موسى المهملة، عندما علمت بحلول الرّوح على الداد وميداد (عد 11/ 26) صرخت: "الويل لامرأتيّ هذين الرّجلين". وذلك لأنّ "جوار الله"، في نظرها، يعني الامتناع عن الزواج.

 

في هذا المنظور اليهوديّ يجب أن نفهم معنى بتوليّة مريم. إنّها بتول ومُصطفاة ومكرّسة، لأنّها أعدّت منذ الأزل ليزورها ربّها: الرّوح القدس يحلّ فيها وقوّة العلي تظلّلها، والغمامة المنيرة تظلّلها، كما ظلّلت موسى في طور سينا (خر 24/ 16 ـ 18)، وكخباء المحضر في الصَّحراء (خر 40/ 34 ـ  35) وكالمسيح وموسى وإيليّا أثناء التجلّي (لو 9 / 34). أضف إلى ذلك أنّها قبلت ابن الله في تأنّسه وأصبحت مسكن الله الذي يملأ مجد يهوه (خر 40/ 35). هذا الحدث الفريد في تاريخ الخلاص أعطى مريم صفة التّقديس وأفرزها عن سائر الناس فكانت بتوليّتها علامة هذا التّقديس. وبالرّغم من أنّها بشر كامل وخليقة كاملة، فهي "مباركة في النِّساء"، وتحتلّ مكانًا فريدًا في مخطـَّط الله، وتكون بتوليّتها علامة هذا السرّ الغريب. مريم وحدها مع الله فتقبله لأنّ ملء الربّ يسكن فيها ولا أحد سواه يملأها. ويجب أن تقبل هذا الملء بدون أيّ عون بشريّ، في فقر بتول إسرائيل، إبنة صهيون، المُمتلئة نعمة. هنا تبدو البتوليّة علامة التّقديس والعزلة والعجز الذي يمجِّد الله وقوَّته "قوَّة العلّي تظلّلك".

 

لننتقل الآن إلى صفة الفقر في بتوليّة مريم، بعد أن رأينا تكريسها. إنّ بتوليّة مريم هي أيضًا صفة فقرها وتواضعها وانتظارها الله الذي يستطيع وحده أن يملأ الذين اختارهم. البتوليّة هي علامة فراغ وثقة كاملة بالله الذي يُغنينا نحن الفقراء، وبالتّالي هي دعوة إلى التأمّل الذي يستطيع وحده أن يملأ من لا ينتظر شيئًا من الإنسان وكلّ شيء من الله.

 

وبتوليّة مريم هي غياب الحبّ البشريّ الذي يلد إلى الحياة، بحسب النظام الطبيعيّ، إنسانًا جديدًا. فالحبّ البشريّ هو تملّك الإنسان وقدرة على الخلق. ولكي يعني أنّ ابن الله أتى حقيقة من الآب، منذ لحظة الحبل به، أنّ الخلاص ليس ثمرة عمل بشريّ، اختار المسيح عذراء بتولًا ليولد منها بيننا. والقراءة الأكثر ترابطًا لمقدّمة إنجيل يوحنّا توضح جيدًا معنى البتوليّة كعلامة الفقر البشريّ: "وهو ليس من دمّ، ولا من رغبة ذي لحم، ولا من رغبة رجل، بل الله ولده" (يو 1/ 13) ومهما كانت هذه الترجمة فهي مرضية وتعبّر تمامًا عن معنى بتوليّة مريم. مريم بتول لتثبت أنّ الله الآب هو الذي ولد المسيح، وأنّ المخلّص ليس إنسانًا متفوّقـًا (سوبرمان)، ثمرة الجهد البشريّ للخلاص. ليس من دمّ، يعني ليس من وراثة بشريّة. ولا رغبة ذي لحم، يعني ليس جهد خليقة خاطئة. ولا من رغبة رجل، أي ولا من قرار أب بشريّ. ليس واحد من هذه الأمور في أصل خلاصنا الأبديّ، بل الله وحده، في تصميمه الأزليّ، أعدَّ مريم منذ الأزل ليحلّ فيها، ومنها يلد ابنه الوحيد، مخلّص العالم. فكلّ شيء به ومنه وفي فعل التجسُّد.

 

بتوليّة مريم إذًا هي علامة فقر الإنسان وعجزه عن تحقيق خلاصه، وعن إيجاد الكائن الكامل الذي يستطيع خلاصه.

اعترفت مريم، في نشيدها "تعظـِّم نفسي الرَّبّ"، بفقرها أمام ملء الله، فقالت: "نظر إلى تواضع أمته" (لو 1/ 48). ليس هو اعترافـًا بالخطيئة، بل هو مجرّد تأكيد أنّ مريم، في تواضع فقراء إسرائيل، تنتظر كلّ شيء من خالقها ومن ملئه. بتوليّتها علامة فقرها وانتظارها، وأنّها خليقة ضعيفة تنتظر كلّ شيء من الله. الرَّبّ معها والرّوح القدس يحلّ فيها وقوَّة العلّي تظلّلها، كما ظلّلت الغمامة المنيرة تابوت العهد، ليجعل منها مسكنه. بما أنّها بتول، تظهر كلّ ما فيها من العلي، وأنّها لم تبذل أي جهد بشريّ لتنال الخلاص. إنّها ممتلئة نعمة، وكلّ ما فيها نعمة وعطيّة الحبّ الذي لا يأتي إلّا من الله.

 

ولنتأمّل الآن في العار الذي جلبه لها مؤقتًا فقرها المرتبط ببتوليّتها. لقد شكّ فيها يوسف وعزم على تركها سرًّا. قبل أن يُطمئنه الملاك (مت 1/ 18 ـ 25)، استغراب محيطها المحتمل. وعلى مريم أن تقبل هذا كلّه كشكل من أشكال فقرها وتواضعها وخدمة خالقها الذي أراد لها هذه البتوليّة ليعظـّم قدرته وعمله الخلاصيّ، عمله هو وحده، هو الله الذي تنازل إلينا ليصير "عمّانوئيل" الله معنا.

 

مريم تنتظر كلّ شيء من الله، ملئها. وبتوليّتها، علامة فقرها وتواضعها، هي أيضًا استعداد الخليقة لحبِّ خالقها الصّوفيّ. ومريم لم تعرف حبًّا غير حبّ الله، لأنّها ستكون أمّ المسيح وتشترك معه، فاتجهت كليًا إليه تنتظر جوابه. هي وحدها مع الله في هذا الحبّ وفي هذه الصَّداقة. ولن تحبَّ سواه، في تأمّل خالص،  فهو ربّها ووعدها وفرحها وانتظارها وحاميها ومقدّسها. هكذا أهّلتها بتوليّتها لحياة تأمّل، في سلام انتظار الخالق الذي سيصبح ابنها فتحبل به وتلده خلاصًا للعالم كلّه. في هذه البتوليّة عزلة صوفيّة تشع أمام أليصابات عندما أنشدت مريم نشيدها "تعظـِّم نفسي الرَّبّ". ونجد في الإنجيل آثار هذه الحياة التأمليّة عند مريم التي تتغذّى بسرّ تجسّد الله العجيب، ابن العذراء، ليظهر مجده وقدرته وعطاياه المجانيّة للبشر فجاء يقتسم مصيرهم. وأخيرًا بعد أن رأينا صفتَي التّقديس والفقر، ننتقل الآن إلى الجدّة التي تعنيها بتوليّة مريم ـ فهي علامة تحقيق الله عملًا جديدًا  وابتداء الزمان واقتراب الملكوت.

 

يذكر الإنجيل، غير مرّة، العفّة والبتوليّة مرتبطتين بمجيء الملكوت (مت 19/ 12 ، 29  مر 10/ 29  لو 18/ 29 ـ  20/ 35 ـ  1 قور 7/ 29). إنّ التخلّي عن الزواج بملء الحريّة يعني أنّ نظام الخليقة لم يعد، منذ مجيء المسيح، حتميًّا وأنّ سنّة الخلق، يمكن أن تتحطـَّم عند نظام الملكوت الجديد. وأنّ بعض النّاس في الكنيسة، على خُطى المسيح، يتلقّون الدّعوة إلى التخلّي عن الزواج والعائلة، لكي يشيروا إلى قرب ملكوت الله. حيث لم يعد لشريعة الزواج من رواج. ألم يقل المسيح: "من له أذنان سامعتان فليسمع"؟ (متى 19/ 12).

 

سأل الصدوقيّون المسيح عن المرأة التي تزوَّجت سبعة رجال لأي واحد منهم ستكون في يوم القيامة، فأجابهم: "إنّ أبناء هذه الدّنيا يتزوَّجون ويُزوِّجون. أمّا الذين وُجدوا أهلًا للفوز في الآخرة والقيامة من بين الأموات فلا الرّجال منهم يتزوَّجون ولا النساء يزَوَّجن، ولا بعد ذلك يموتون لأنّهم أمثال الملائكة وهم أبناء الله لكونهم أبناء القيامة" (لو 20/ 34 ـ 36 ، مر 12/ 25 ، مت 22/ 30) لنستنتج أنّ البتوليّة هي علامة القيامة، إذ في  القيامة لا يتزوَّجون ولا يُزوَّجن. وتذكّرنا البتوليّة في الكنيسة بنظام الإنجيل الجديد، بينما الزواج لا يزال من النظام القديم. يبلغ الحبّ في ملكوت الله درجة لا يشعر الإنسان بعدها بالحاجة إلى حبٍّ محدود، بل بالعكس يبدو هذا الحبّ المحدود نقصًا في الحبّ. وهكذا يكون المسيحيِّون، الذين يحفظون بتوليّتهم، علامة امتلاء الحبّ الذي يتمّ في الملكوت، وتكون البتوليّة، في صلتها بالقيامة من بين الأموات، علامة الأبديّة وعدم الفساد والحياة. إنّ غاية الزواج الطبيعيّة التناسل الذي يضمن استمراريّة الجنس البشريّ بولادة كائنات جديدة، لأنّ البشر معدون للموت ويلزمهم من يخلفهم ليستمرّ وجود البشر. إلّا أنّ الذين اعتبروا أهلًا لقيامة الأموات لن يعرفوا الموت: "لن يموتوا بعد لأنّهم أمثال الملائكة، وهم أبناء الله لكونهم أبناء القيامة". ولم يعد من الضَّروريّ، في العالم الآخر، أن يتركوا وراءهم ذريّة لأنّهم خالدون. ولم يعد في الملكوت سوى أبٍ واحد، إذ إنّهم جميعًا كالملائكة ويدعون أبناء الله. إنّ حالة البتوليّة المسيحيّة هي علامة العالم العتيد لعلاقتها بقيامة الأموات والأبديّة وبالملائكة.

 

كانت بتوليّة مريم، عند تجسّد ابن الله الذي افتتح العهد الجديد، علامة أنّ نظام الخلق القديم لم يعد ضرورة مطلقة مع اقتراب ملكوت الله  ودخول نظامه في العالم. وتأتي معجزات المسيح علامات أخرى تشير إلى انقلاب العالم الذي أحدثه وجود الله بيننا وإدخاله نظام الملكوت في نظام الخلق. إنّ بتوليّة مريم تقلق وتدهش، كما وأنّها تطرح سؤالًا على الإنسان العادي الذي دخل في جِدَّة الملكوت مع تجسّد ابن الله. كذلك سيصبح الرّهبان، في تقليد الكنيسة، موضوع القلق والدّهشة والسُّؤال، وسيقتصر دورهم على توجيه البشر إلى التطلع إلى الأمر الضّروريّ وهو الامتلاء من حبِّ الله الذي يملأ، يومًا ما، كلًّا في الكلّ.

 

أدخلت العذراء مريم جِدَّة الملكوت الذي جاء مع المسيح إلى هذا العالم حيث صار الزواج الشّريعة العامّة بحسب نظام الخلق.

هكذا تكون بتوليّة مريم علامة مثلّثة: علامة تقديس لخدمة الله فقط، وعلامة فقر تطلب غنى الله، وعلامة جِدَّة الملكوت الذي أحدث انقلابًا في شرائع الخلق. هذه الوجوه الثلاثة للبتوليّة وللعفّة يظهرها بكلّ وضوح الترهُّب في الكنيسة، لأنَّ الترهُّب استعداد للتّقديس والفقر والتأمل والجدِّة المعادية.

 

يطيع الرَّاهب، في الكنيسة، دعوة خاصَّة تتجسّد بثلاثة التزامات كلاسيكيّة هي: العفّة في البتوليّة والفقر في الخيرات المُشتركة والطاعة في قبوله في السُّلطة.

إنّ كلًّا من هذه الالتزامات، على صعيده الخاص، هو علامة استعداد للتّقديس وعلامة فقر وتأمل وعلامة جِدَّة معادية. فلنبدأ بالحديث عن الالتزام الأوّل أي العفَّة.

 

إنّ الرَّاهب، وهو يلتزم بعفّة البتوليّة، مدعوّ لأن يكون علامة تقديس فتعزله البتوليّة المسيحيّة وتكرّسه لخدمة الله والقريب فقط. وهذا لا يعني أنّ المسيحيّ المتزوّج لا يستطيع تحقيق هذا التكريس وهذا الاستعداد. إلّا أنّ حالته الزوجيّة تقيّده، بحسب إرادة الله، بالتزام محدود، لأنّه مسؤول عن حياته الزوجيّة والعائليّة (1 قور 7/ 32 ـ 35). أمّا الرَّاهب فتُلزمه حالته باستعداد لا يعرف حدودًا: استعدادًا للتّكريس فقط لخدمة الله والكنيسة والقريب. ولنحذّر من إصدار أحكام أخلاقيّة فوقيّة أو دونيّة على البتوليّة أو الزواج، إنّ راهبًا، بالرّغم من حالته، قد يكون خائنًا دعوته، أو قليل الاستعداد للتكريس، وإنَّ رجلًا متزوِّجًا، بالرُّغم من حالته التي تحدّه شرعًا، قد يكون على أحسن استعداد لخدمة المسيح والكنيسة والقريب. وقد برهن على ذلك القدّيس أوغسطينوس بكلّ وضوح. عندما نتحدّث عن البتوليّة والزواج فإنّنا لا نحكم على حالتهم المناسبة لدعوتهم التي تهيِّئهم إمّا لاستعداد محدود في الزَّمان، بحسب إرادة الله، وإمّا لتكريس بدون تحفّظ لخدمة الله في الحياة النسكيّة. للبتوليّة الرّهبانيّة معنى التكريس لله في أفضل استعداد ممكن، بدون أن يتصنّع الرُّهبان تقواهم، معترفين بكلِّ بساطة برسالة مريم المثاليّة في الكنيسة، لأنّهم يستطيعون أن يعيشوا عفّتهم في البتوليّة، معتبرين هذه العفّة تكريسًا كاملًا واستعدادًا تامًا لعمل الله، كما كانت بتوليّة مريم اصطفاءً وتكريمًا واستعدادًا لعمل الله فيها وبها.

 

وعندما يلتزم الرَّاهب عفّته في البتوليّة فإنّه يُدعى لأن يُصبح علامة فقرٍ صوفيّ. فبتوليّته، علامة فقره وحرمانه البشريِّيَن، هي دعوة إلى حبِّ الله وصداقته. فإذا عاش الرَّاهب بدون حياة صلاة حارَّة أصبح في عزلة بشريَّة وفي شقاء روحيّ. ولكن وحدته مع الله، في الصَّلاة والتأمل، هي فقر يقوده إلى حياة صوفيّة، وبالتالي إلى تقدمة ذاته محبَّة بالجميع. إنّه في وحدته البشريّة كلٌّ للكلّ. وحده مع المسيح، يتّجه إلى الحوار مع الله بالصّلاة والتأمّل، وإلى عبادة الله بالليتورجيّا والفرض اليوميّ وبالافخارستيّا. إنّ الفقر الذي تشكلّه بتوليّته يعطيه كلّ الوقت ليتكرّس للتّسبيح والتضرّع أمام الله، محبّة وتضحية من أجل جميع البشر إخوته.

 

وأخيرًا يُدعى الرَّاهب، عندما يلتزم بالعفّة في البتوليّة، إلى أن يكون علامة الجِدَّة المعادية، فيظهر بحالته مجيء الملكوت، حيث يتمثّل حبّ المسيح الزواج والحبّ البشريّ، في عرس الحمل المعادي، فيصبح الله كلًّا في الكلّ، وتتجاوز المحبّة الشّاملة الأبديّة روابط الحبّ البشريّ، ويظهر الرَّاهب، بحالته هذه، انقلاب نظام الخلق بظهور الله المُفاجئ في العالم، وبتجرّده اللّازم من الأمور الأرضيّة، ليبلغ إلى ملء الحياة بالله: كلّ شيء جديد في الخلق وفي البشريّة، لأنّ الربّ أتى، وهو آتٍ. والرَّاهب هو رمز حيّ للهتاف في الليتورجيّة الأولى: ماران آتا: الرب آتٍ.

 

وتحيا الكنيسة كلّها في هذا الاستعداد المكرّس والفقر الصوفيّ والجِدَّة المعادية المرموز إليها ببتوليّة مريم. إنّ الكنيسة، كعروس المسيح وأمّ المؤمنين، أمينة على بتوليّتها الرُّوحيَّة. فهي كلّها لربّها، ولا حبّ عندها  إلّا من أجله ومن أجل البشر الذين مات لأجلهم: "لقد أحبَّ المسيح كنيسته وبذل نفسه عنها ليقدّسها ويطهّرها بماء الاستحمام، وبما يتلى من الكلام، ويزفّها إلى نفسه كنيسة  سنيّة لا شائبة فيها ولا تغضّن ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة بلا عيب (أف 5/ 25 ـ 27). فالكنيسة كمريم بيت عنيا "جالسة عند قدميّ يسوع تسمع كلامه" (لو 10/ 39) متجرّدة بإرادتها الحرّة من قوّة هذا العالم. وهي سنيّة ممّن جِدَّة الملكوت التي تخفيها في نفسها، وتنتظر ظهورها المجيد: "يقول الرّوح والعروس تعال" (رؤ 22/ 17).

 

يؤكّد تقليد الكنيسة العريق بتوليّة مريم الدائمة. وقد أقرّ زعماء الإصلاح أنفسهم في القرن السّادس عشر بأنّ مريم دائمة بتوليّتها. هذا الاعتقاد القديم يستند إلى معاني بتوليّة مريم الثلاثة التي ذكرناها. كانت مريم بكليّتها وقفًا لإلهها، ولم يكن تكريسها واستعدادها مرتبطين فقط بحدث التجسّد، لأنّ عطايا الله لا تتبدّل، لهذا ظلّت مريم مكرّسة لله، كما أرادها له. هذه الدّعوة إلى التكريس الكامل يشير إليه دوام بتوليّتها. ثمّ إنّ لا شيء يستطيع أن يملأ مريم بعد أن ملأها المسيح بتجسّده منها، لأنّ بتوليّتها الدائمة تعني أنّها أخذت كلّ شيء من ابن الله الذي صار ابنها، ولن يشغلها شيء آخر غير الابتهاج بالتأمل بنعمة كهذه. وأخيرًا بما أنّ بتوليّة مريم هي علامة الجدّة المعادية التي دخلت بواسطة سرّ التجسّد ومجيء الملكوت، فهي علامة أبديّة كالبتوليّة "من أجل ملكوت السَّماوات" التي تحدّث عنها المسيح (مت 19/ 12). ونحن لا نستطيع التّأكيد، بشكلٍ قطعيّ، أنّ عقيدة بتوليّة لمريم الدّائمة واضحة كلّ الوضوح في نصوص العهد الجديد، مع أنّ بعض مفسِّري الكتاب المقدّس يؤكّدون، استنادًا لرواية البشارة عند لوقا، أنّ مريم قرّرت البتوليّة. وما قلناه عن الآراء اليهوديّة المُعاصرة آنذاك، وبخاصَّة المتعلّقة بموسى قد تُعطينا، في كلّ حال، تماسكًا منطقيًا مقبولًا للقول بعقيدة مريم الدّائمة بتوليّتها.

إنّ النبيّة حنّة التي ترمَّلت بعد سبع سنوات من زواجها، "ولم تفارق الهيكل، متعبِّدة بالصَّوم والصَّلاة ليل نهار" (لو 2/ 26 ـ 37)، لهي خير مثال على حياة العفّة المكرّسة للتأمل بالله. ولا ننسَ المثل الأعلى عند الأسينيِّين الذين طبعوا بشدَّة العصر الذي عاشت فيه مريم، "فكانوا يعزفون عن الزواج من أجلهم". ومن المعقول جدًا أن يكون أحد اليهود المعاصرين لمريم قد فكّر في إمكانيّة تطبيق مثال العفّة عند الرَّجل والمرأة. ولدينا، في كلّ الأحوال، إن لم يكن نصوص كتابيّة أكيدة، فعلى الأقل ترابط منطقيّ مقبول لعقيدة بتوليّة مريم الدّائمة، ولا يمكن الاعتراض على هذه العقيدة بذكر إخوة يسوع وأخواته (مت 12/ 46 ، 13/ 55)، فقد يكونون أبناء يوسف من زواج سابق أو، استنادًا إلى المعنى الواسع لكلمة أخ في روابط القرابة في اليهوديّة التي تعني "قريب أو قريبة". ولا تُعطينا دراسة الأسماء ترابطـًا منطقيًا يؤكّد لنا أنّ الأشخاص المذكورين هم إخوة حقيقيون ليسوع. فيعقوب ويوسف المدعوّان أخوي يسوع (مت 13/ 55) يُشار إليهما كأبناء لإمرأة أخرى غير العذارء اسمها مريم كانت واقفة عند الصَّليب (مت 27/ 56 ، مر 15/ 40)، لا يمكننا الاستناد إلى النصوص الكتابيّة لنؤكّد أنّ مريم ولدت أولادًا غير يسوع.

 

آمن التقليد الكنسي ببتوليّة مريم الدّائمة كعلامة تكريسها وامتلائها من نعمة الله. واحترم مصلحو القرن السادس عشر أنفسهم هذه العقيدة:

فقد بشّر لوثر بعقيدة بتوليّة مريم الدّائمة طول حياتها، وفي الثاني من شباط سنة 1546، يوم عيد تقدمة المسيح للهيكل قال: "... كانت بتولًا قبل الحبل والولادة وظلّت بتولًا حتى الولادة وبعدها". ولم يكن زفينكلي أقلّ تأكيدًا من لوثر، فتكلّم كثيرًا عن بتوليّة مريم الدّائمة، فأعلن في مدينة برن، في كانون الثاني سنة 1528 : "إنّي أستشهد بكنيسة زوريخ التّقية وبجميع مؤلفاتي لأعترف بمريم بتولًا دائمًا وقدّيسة".

 

أخيرًا شجب كالفان كلّ الذين ادّعوا أنّ لمريم أولادًا غير يسوع . كان هلفيديوس، في نهاية القرن الرابع، يقول أنّ مريم العذراء، بعد أن ولدت المسيح عجائبيًا، انجبت من يوسف عدّة أولاد، هم الذين دعاهم الإنجيل إخوة وأخوات الربّ. فدحض هذا القول القدّيس جيروم، في مؤلّفه : " في بتولية مريم الطوباويّة الدّائمة، ضدّ هلفيديوس" (De perpetua Virginitate beatae Mariae, adversusu Helvetium).

 

وشجب كالفان قول هلفيديوس، في تعليقه على نصّ (متى 13/ 55) قائلًا: "لقد قلنا، في موضع آخر، أنّ عادة العبرانيِّين كانت تقضي  بأن تطبّق كلمة "إخوة" على كلّ الأقارب. ومع ذلك فقد ظهر هلفيديوس جاهلًا بقوله: إنّ لمريم عدّة أولاد، لأنّه ورد ذكر لإخوة يسوع في أماكن مختلفة من الإنجيل". وفي شرحه لمتى 1/ 25 كتب: "لم يذكر الإنجيل شيئًا ممّا حدث منذ الولادة... وهذا لا يقبل أحد الجدل فيه إلّا بعض الفضوليِّين ، ولن يعارضه أحد على الإطلاق، إلَّم يكن بعض المتصلّبين في آرائهم أو المستهزئين".

 

أخيرًا تبلورت فكرة كالفان في عظته عن (متى 1/ 22 ـ 25)، المنشورة سنة 1562، استنادًا إلى نوتات دنيس راغنو Denis Ragueneau المختزلة: "أراد بعض الخياليّين أن يروا في نصّ (متى 1/ 25) أنّ لمريم أولادًا غير ابن الله، وأنّ يوسف ساكنها منذ وبعد وهذا ضرب من الجنون، لأنّ الإنجيليّ لم يُرِدْ أن يقصّ ما جرى بعد الولادة، وإنّما أراد فقط أن يعلن عن طاعة يوسف، وأن يؤكّد أنّ الله هو الذي أرسل له ملاكه، فلم يساكنها إطلاقـًا ولم يعاشرها. ونرى أنّ يوسف لم يراعِ اعتبار شخصه بالذات بامتناعه عن المرأة. فقد كان بإمكانه أن يتزوّج إمرأة أخرى، وخاصّة أنّه لم يكن يجامع المرأة (مريم) التي تزوجها، ففضّل التنازل عن حقّه الشّرعي  والامتناع عن الزّواج مع أنّه متزوّج شرعًا. قلت إنّه فضّل أن يظلّ هكذا ليكون أداة لخدمة الله على أن ينظر إلى ما أتاه بطيبة خاطر. ولقد نسي كلّ هذه الأمور ليخضع لله تمامًا.

 

"ومع ذلك دُعي ربّنا يسوع  المسيح "البكر". وليس معنى ذلك أنّه كان لمريم ولد ثانٍ أو ثالث. وإنّما نظر الإنجيليّ إلى السّابق. ويتحدّث الكتاب هكذا فيسمّي يسوع "البكر" مع أنّه لم يكن من ثانٍ أبدًا. وهنا يظهر قصد الرّوح القدس. لهذا فإنّ التمادي بهذه التفاصيل الدّقيقة الجنونيّة إساءة إلى الكتاب المقدّس الذي هو لبنياننا، كما يقول القدّيس بولس".

 

وفي نظر كالفان وسائر المصلحين، كما وفي نظر التقليد، لم يكن لمريم سوى ابن واحد هو ابن الله الذي ملأها نعمة وفرحًا.

إنّ موقف مريم من احترامها سرّ اعدادها الأزليّ يجعلنا نقرّ أنّ عقيدة مريم الدّائمة بتوليّتها التقليديّة تنسجم، على الأقل، مع دعوة مريم الفريدة، المكرّسة تمامًا لخدمة الله، والمُمتلئة نعمة الله، المتّجهة كليًّا نحو ملكوت الله. مريم، في بتوليّتها، علامة الخليقة المصطفاة والمكرّسة والمُمتلئة من ملئ الله، التي لم تعد تنتظر شيئًا غير الاكتمال النهائي في ملكوت الله الظاهر، وتعيشه الآن بشكلٍ خفيّ ومسبق. هي علامة الكنيسة المقدَّسة التي لا تنتظر ولا ترجو سوى عودة المسيح.

 

كتب القس شارل دريلانكور Charles Drelincourt  في منتصف القرن السابع عشر، صلاة جميلة وتأمّلًا في سرّ التجسُّد وولادة سيّدنا ومخلّصنا يسوع المسيح، جاء فيها: "أيّها الإله العظيم، إنّك في قدرتك اللّامتناهيّة وغير المُدركة، أخرجت من إنسان (آدم) أمّ الأحياء (حوّاء)، بدون مشاركة المرأة، بحسب غنى كنوز حكمتك التي لا تنضب، ورأيت مناسبًا أن تكوّن أمير الحياة، من جوهر امرأة، بدون تدخّل رجل. لقد جلبت لنا امرأة ثمرة الموت، وها امرأة أخرى تقدّم لنا ثمرة الحياة والخلود.

 

لقد أردت، يا إلهي، أن تولد من عذراء، ومن عذراء مخطوبة، لتكرّم، بالفعل ذاته، البتوليّة والزواج، وتُعطي الأمّ القدّيسة سندًا وشاهدًا على براءتها...

وهنا، يا إلهي، كوّنت آدم على صورتك ومثالك، من حفنة تراب عذراء، وألبسته البرارة والقداسة، ولكنّك من الدّم البتوليّ كوّنت آدم الجديد، الذي هو صورتك الحيَّة وسناء مجدك وطابع شخصك المنحوت".

 

"مريم أمّ الربّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان