مريم "أمّ الكنيسة"

 

 

مريم "أمّ الكنيسة"

 

 

مريم "أمّ الكنيسة"

 

 

بعد استجلاء علاقة مريم بالثالوث، نوضِّح علاقتها بالكنيسة على مستويات ثلاثة: مريم شفيعة الكنيسة – مريم نموذج للكنيسة – مريم قدوة للمؤمنين.

 

مريم شفيعة الكنيسة

تشترك مريم في شفاعة يسوع المسيح والرّوح القدس اشتراكًا مميّزًا. فالمسيح والرّوح فقط يشفعان لدى الآب، غير أنَّ البشر يشتركون في شفاعتهما. فبين شفاعتهما وشفاعة البشر فرق "نوعيّ"، إذ إنّهما أساس الشفاعة. وأمّا شفاعة مريم - المتأصِّلة في شفاعتهما – فمختلفة عن شفاعة سائر البشر، لا من حيث "النوعيّة"، بل من حيث "الدرجة"، أي أنّها تتميَّز من بينهم وتفوقهم في الشّفاعة من جرّاء علاقتها المميَّزة بالآب والابن والرّوح كما اتَّضح لنا ذلك آنفـًا.

فاختيار الآب لها وتجاوبها معه يشركانها في حنان الآب للبشر وعطفه عليهم واهتمامه بهم، فضلاً عن اتِّحادها المميَّز بابنها وهو يُشركها إشراكًا مميَّزًا في شفاعته عن يمين الآب. ثمَّ إنّ كونها عروس الرّوح الذي يشفع في المؤمنين يوحِّدها بصفة خاصَّة بشفاعته.

ونودُّ إظهار أساس شفاعتها هذه من منطلق مشهدَين من الإنجيل بحسب يوحنّا حيث الحديث عن "أمِّ يسوع" في بدايته أثناء عرس قانا الجليل (2/ 1-12) وفي نهايته عند الصّليب (19/ 25-27)، وفي ذلك قصد أرادَه يوحنّا.

ففي عرس قانا الجليل، تدخَّلت مريم من تلقاء نفسها لتتوسَّل من أجل المدعوِّين، فأجابها يسوع:

"ما لي ولكِ، أيّتُها المرأة، لم تأتِ ساعتي بعد".

إنَّ يوحنّا يُظهر دائمًا يسوع مبادِرًا إلى القيام بالمعجزات – "الآيات" على حسب تعبير يوحنّا – ولا يقبل أن يتدخَّل أحد (يو 4/ 47-48)، على خلاف ما يُظهره الإنجيليّون الإزائيّون. فتعبيرًا عن حرِّيَّته الكاملة تجاه أمّه، أجابها: "ما لي ولكِ". ثمَّ وضَّح لها أنَّ ساعته لم تأتِ بعد. فما هي هذه "الساعة"؟

إنَّ "ساعة" يسوع هي ساعة الصّلب المجيد (يو 12/  23، 27، 13/ 1، 17/ 1، 7/ 30، 8/ 20). ففي هذه "السّاعة"، إذ

 "هناك عند صليب يسوع، وقفت أمُّه"،

في هذه الساعة – لا في ساعة عرس قانا الجليل – كلّف يسوع نفسه أمَّه – ولم تكلّف هي نفسها مثلما فعلت في عرس قانا الجليل – بأن تتشفّع من أجل يوحنّا عندما قال لها:

"هذا هو ابنكِ".

فلو قصد يسوع الاطمئنان على مصير، أمِّه، لوجَّه كلامه إلى يوحنّا أوّلاً موصيًا إيَّاه:

"هذه هي أمُّكَ"،

ولكن يسوع وجَّه كلامه إلى أمِّه أوّلاً، قاصدًا من خلال ذلك تكليفها برسالة الشفاعة تجاه يوحنّا، ومن خلال يوحنّا تجاه الكنيسة جمعاء.

هذا هو أساس شفاعة مريم وهي شفاعة فريدة من نوعها ضمن "شفاعة القدِّيسين"، مبنيَّة على تكليف خاصّ من يسوع. وقد قبلت مريم أن تحوِّل أمومتها من شخص يسوع إلى تلاميذ يسوع، فأصبحت فعلاً "أمَّ الكنيسة".

ولقد تغنَّى اللاهوتيُّون والرّوحانيّون بشفاعة مريم هذه. وأوّلهم يوحنّا اللاهوتيّ الذي يضع على لسان يسوع تسمية أمّه في قانا الجليل وعند الصّليب – "المرأة"، وهي تسمية تعظيم وتبجيل لها: فكما أنَّ حوَّاء هي "امرأة" (بالعبريّة: "إيشا"، والرّجل "إيش")، فمريم هي "المرأة" التي تسحق رأس الحيَّة وتصيب عقبه، وذلك بفضل ابنها يسوع وهو ذرِّيَّتها (تك 3/ 15). وهي "حوّاء الجديدة"، فأمّا حوَّاء الأولى فقد جلبت الموت على أبنائها، وأمّا حوّاء الثانية فبفضل ابنها المخلّص جلبت عليهم الحياة. هي "أمُّ الأحياء" حقـًّا (إبيفانيوس)، فحلّت بإيمانها ما عقدته حوّاء بمعصيتها (إيريناوس). هي "أمّ جميع الذين يعيشون بمقتضى الإنجيل" (نياس، أسقف أنقرة).

وينبغي لفت النظر إلى ما يشوب هذه الشفاعة من تعابير قد تبدو متطرِّفة، إذ تُطلق على مريم ما يخصّ يسوع وحده. فهو وحده المخلّص والوسيط والشّفيع. وإن قيلت هذه الصّفات في مريم، فإنّما اقتباسًا من خلاصه ووساطته وشفاعته:

"سبب الخلاص لذاتها وللجنس البشريّ بأسره" (إيريناوس).

"ستخدمين خلاص كلِّ الناس لكي يتمّ بواسطتِكِ قصد الله الأزليّ" (يوحنّا الدمشقيّ).

"إنّها صارت بالحقيقة سيِّدة الخليقة عندما صارت أمًّا للخالق" (يوحنّا الدمشقيّ).

"أيّتها الكلّيَّة القداسة، والدة الإله، خلّصينا" (الليتورجيا البيزنطيّة).

"رأس خلاصنا" (الليتورجيا البيزنطيّة).

"الوحيدة التي، بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ، جعلت من الله ابنًا للإنسان، وحوَّلت البشر إلى أبناء الله" (غريغوريوس البلماسي).

"تستطيع حتى نقل حدود الأوقات التي حدّدها هو" (نيقولا كاباسيلاس).

"عمود من نار يقود المؤمنين إلى أورشليم الجديدة" (فلاديمير لوسكي).

 

مريم نموذج للكنيسة

يقول أمبروسيوس:

"إنّ مريم نموذج الكنيسة" (Maria est typus Ecclesiae).

وبتعبير التقليد الشرقيّ، إنّها "أيقونة الكنيسة"، كما أنَّ يسوع المسيح "أيقونة الله الذي لا يُرى" (قول 1/ 15)، وكما أنّ الإنسان "أيقونة الله" (تك 1/ 27). فصفات الكنيسة تظهر في مريم بشكل خاصّ، والكنيسة تتحلّى بصفات مريم. فيقول أوغسطينس مثلاً: كما أنّ مريم أمّ وعذراء وشريكة في الخلاص، هكذا الأمر بالنسبة إلى الكنيسة. فثمّة دائرة بين مريم والكنيسة. ورد في سفر الرؤيا:

- "امرأة ملتحفة بالشمس والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا، حامل تصرخ من ألم المخاض..." (رؤ 12/ 1ت).

إنّ مثل هذا المشهد ينطبق على الكنيسة أساسًا وعلى مريم العذراء أيضًا. ويدخل المؤمنون في هذه الدائرة في سفر نشيد الأناشيد حيث ترمز "الحبيبة" إلى الكنيسة والعذراء مريم والمؤمنين أيضًا. ولقد قال أحد الآباء الشرقيّين في هذا الصدّد:

"الشيء نفسه يُقال "شموليًّا" في الكنيسة، و"خاصّة" في مريم، و"فرديًّا" في النفس المؤمنة (Isaac de l’Etoile).

ويردِّد المعنى عينه أحد اللاهوتيِّين الكاثوليك المعاصرين:

"علاقة مريم بالكنيسة تكون لكلِّ واحد منّا علاقة مريم بنفسنا". (Henri de Lubac s.j.).

ونودّ أن نقارن بسرعة بين صفات أربع للكنيسة ومريم على حدٍّ سواء: عروس – عذراء – أمّ – مقدَّسة.

 

* العروس

إنّ الكنيسة عروس يسوع المسيح العريس. وإنّ مريم عروس الرّوح القدس فكلتاهما عروس.

 

* العذراء

إنّ الكنيسة عذراء كما يصوِّرها بولس:

"خطبتكم لعريس واحد خطبة عذراء طاهرة تُزفُّ إلى المسيح" ويُردِّد إقليمنضس الإسكندريّ الكلام نفسه في قوله:

"لا توجد سوى عذراء أمّ واحدة، يطيب لي أن أسمِّيها الكنيسة".

وأمّا عن بتوليَّة مريم التي يؤكِّدها متّى (1/ 23) ولوقا (1/ 26)، فتستدعي شرحًا من منطلق ما يعتمد عليه متّى في تفسيره لأشعيا 7/ 14:

"ها إنَّ الصبيَّة تحمل ابنًا وتدعو اسمه عمّانوئيل".

وأمّا نصّ متّى فيعتمد على الترجمة السبعينيَّة وقد استبدلت لفظة "الصبيَّة" (بالعبريّة "علمه"، وباليونانيّة: "Neanis") بلفظة "عذراء" (بالعبريّة: "بقوله"، وباليونانيَّة: "Parthenos"). فلفظة "علمه" تعني إمّا "صبيَّة"، وإمّا "امرأة حديثة الزواج لم تنجب بعد"، ولكنّها لا تعني "عذراء"، فلقد فسّرت الترجمة السبعينيَّة النصّ العبريّ الأصليّ، عندما استخدمت لفظة "عذراء"، وقد اعتمد متّى على هذا التفسير. ولكن، مهما كان الأمر فكان متّى من جهَّته ولوقا من جهَّته يقصدان أنَّ مريم كانت "عذراء". وإن استخدم متّى الترجمة السبعينيَّة، لا النصّ الأصليّ العبريّ، فلأنَّ هذه الترجمة كانت تفيد ما كان يقصده أنّ مريم عذراء.

وبناء على ذلك، تحدَّث بطرس الإسكندريّ (المتوفّى سنة 311) عن مريم "الدائمة البتوليَّة" (Aeiparthenos)، ومن بعده كلّ الآباء الشرقيّين والغربيِّين. وأمّا شكّ أوريجانس وترتليانس في دوام بتوليَّة مريم (اعتمادًا على متّى 1/ 25: "على أنَّ (يوسف) لم يعرف (مريم) حتّى ولدت ابنًا"، فلم يحظَ من مؤيِّدين سوى المصلحين. ولقد قال أوغسطينس في هذا الصدّد:

"عذراء وهي تحبل، Virgo concipiens

عذراء وهي تلد، Virgo pariens

عذراء وهي تموت، Virgo moriens".

 

* الأمّ

إنَّ الكنيسة أمّ المؤمنين، لأنّها تعمِّدهم فتلدهم حياة جديدة لعريسها يسوع المسيح. وإنّ مريم أيضًا أمّ المؤمنين. ويقول أحد اللاهوتيِّين الألمان في العلاقة بين أمومة مريم وأمومة الكنيسة:

"نرى السِّمة الفائقة والأكثر تأصُّلا ً لأمومة مريم بالنسبة إلى أمومة الكنيسة، وفي الوقت نفسه الوحدة العضويَّة بين الواحدة والأخرى. إنّ أمومة الكنيسة تعمل على أساس أمومة مريم وبقوَّتها. وأمومة مريم تستمرّ في العمل في أمومة الكنيسة وبها" (Scheeben).

 

* المقدّسة

لقد سبق أن أظهرنا الكنيسة "مقدّسة"، وكذلك مريم. غير أنَّ قداسة الكنيسة تشوبها الخطيئة على مُستوى وجوديّ، لا أنطولوجي - كما رأينا - على نقيض مريم التي ظلّت مقدَّسة وبلا خطيئة ومنزّهة عن كلِّ عيب أنطولوجيًّا ووجوديًّا. ورغم ذلك، يقول أوغسطينس إنّ قداسة الكنيسة لأعظم من قداسة مريم، لأنّ مريم عضو من أعضاء الكنيسة، وإن فاقت سائر الأعضاء في القداسة.

 

 

مريم قدوة للمؤمنين

إنَّ جميع الكنائس والطوائف الكاثوليكيّة والأورثوذكسيَّة تعتبر مريم قدوة يُحتذى بها في الإيمان والمحبَّة والاتِّحاد بالمسيح، كما يقول أمبروسيوس، في روح التطويبات عامّة ولا سيّما في التواضع والفقر الروحيّ، في قبولها وطاعتها لقصد الآب، في تسليمها للرّوح القدس ولعمله، في استماعها وتأمُّلها وصلاتها وعملها بكلام الله، في اهتمامها بأبنائها  المحتاجين، في وفائها حتّى الصَّليب... فلأنّها قد

"ولدت الطريق ووضعت نفسها في الاتِّجاه السَّليم (...) فإنّها الأولى والسبَّاقة" (Paul Evdokimov).

ولذلك فالمؤمنون يُعظّمونها ويطوِّبونها ويكرِّمونها من جيل إلى جيل (لو 1/ 46ت)، ويتشفّعون بها. فمريم وقد استلمت جسد ابنها نازلاً من على الصّليب فدُفن بين ذراعيها، تدفن آلام أبنائها أيضًا، إذ تشفَّع من أجلهم لدى ابنها. فمريم في علاقة وطيدة بالكنيسة قاطبة، وعندما تعظّم الرَّب وتبتهج بالله، فإنّما تسبيحها تسبيح الكنيسة كلّها. فمريم قبل البشارة ترمز إلى "البقيّة الصغيرة" وإلى "أناويم يهوه" (مساكين الله) الذين كانوا ينتظرون المسيّا ويرجون الخلاص والعهد الجديد، ولذلك "رفع الله المتواضعين وأشبع الجياع". إنَّ مريم "بنت صهيون"، لذلك خاطبها الملاك بتحيَّة: "إفرحي، أيّتها الممتلئة نعمة..."، فمصير مريم يجمع الشعب اليهوديّ الأمين ومصير المؤمنين بابنها يسوع المسيح.

 

مريم صورة البشريَّة الممجَّدة

وترمز مريم إلى البشريَّة في نهاية الأزمنة، عندما يصبح الله "كلّ شيء في كلِّ شيء". هذا هو معنى العقيدة الكاثوليكيَّة عن انتقال مريم إلى السّماء بجسدها وروحها، كما أعلنها البابا بيوس الثاني عشر في 1/ 11/ 1950، في رسالته البابويَّة "الله الفائق السَّخاء" (Munificentissimus Deus). جاء في النصّ:

"إنَّ والدة الإله المنزّهة عن كلِّ عيب، مريم الدائمة البتوليَّة، بعد أن أنهت مجرى حياتها الأرضيَّة، رُفِعت بجسدها ونفسها إلى المجد السَّماويّ".

ويُمكن فهم هذه العقيدة بحسب الأوقات الزمنيَّة الثلاثة: ماضي البشريَّة  فمستقبلها فحاضرها.

 

ماضي البشريَّة الخالدة

في البدء أراد الله البشر

"قدِّيسين، بلا عيب، في المحبَّة" (أف 1/ 4)، بدون أن يموتوا، غير أنّه بالخطيئة دخل الموت... أجرة الخطيئة هي الموت" (روم 5/ 12، 23).

فلأنَّ الخطيئة فصلت الإنسان عن الله، فلا حياة للإنسان بدون الله، بل هناك موت.

وإذ لم تخطأ مريم -  بموجب "الحبل بلا دنس" – رأى بعض اللاهوتيِّين أنّها لم تمت، بل "رقدت" أو "تنيَّحت"، فـ"انتقلت" مباشرة إلى السَّماء، كما كان قصد الله بالنسبة إلى البشر أجمعين لولا الخطيئة. فلأنَّ حياة مريم كانت كلّها تجاوبًا مع اختيار الله لها، لم تذق فساد الموت، بل انتقلت جسديًّا وروحيًّا إلى الأمجاد السَّماويَّة. وأمَّا البشر، فمن جرَّاء خطيئتهم يختبرون الموت جسديًّا في نهاية حياتهم الأرضيَّة، إذ يعود جسدهم إلى التراب وقد أتى من التراب (تك 3/ 9)، كما أنّهم يختبرون الموت روحيًّا كلّما خطِئوا فابتعدوا عن الله، لأنَّ مَن انفصلَ بالخطيئة عن الله، مصدر الحياة، فقدَ الحياة الجسديَّة (بالموت الذي لم يكن في قصد الله) والرُّوحيَّة (وهذا هو معنى نار جهنَّم). فانتقال مريم بجسدها وروحها إلى السَّماء يذكّر البشر بأنّهم كانوا مدعوّين إلى الحياة الأبديَّة جسدًا وروحًا، وباختيارهم الخطيئة ينفصل جسدهم عن روحهم فيعود الجسد إلى التراب. فلم يكن الموت - أي انفصال جسد الإنسان عن روحه -  في قصد الله، بل إنّه يحدث بسبب الخطيئة. وأمَّا مريم، فبفضل اختيار الله لها وتجاوبها معه، لم تعرف الموت، أي انفصال جسدها عن روحها، بل انتقلت إلى السَّماء بجسدها وروحها.

 

مستقبل البشريَّة الخالدة

لا يمتّ انتقال مريم إلى السّماء بصلة إلى ماضي البشريَّة فحسب، بل إلى مستقبلها أيضًا. فبالرّغم من خطيئة البشر، قد حرَّرهم يسوع المسيح من الموت بموته وقيامته:

"آخر عدوّ يُبيده هو الموت" (1 قور 15/ 26).

فانتقال مريم حدث سبّاق لتحرير البشر أجمعين من سلطان الموت وعودتهم إلى وضعهم الفردوسيّ الأوَّل، أي، بتعبير اللاهوت الشرقيّ: Apokastasis. لذلك يقول المجمع الفاتيكاني الثاني إنَّ انتقال مريم "علامة رجاء وطيد" رجاء في أنّ قيامة الأموات بفضل يسوع المسيح ستتمّ وتحدث، وانتقال مريم إلى السّماء بجسدها وروحها علامة لقيامة البشر. وبصفة خاصّة، فإنّ انتقالها "صورة للكنيسة" القائمة مع رأسها وعريسها.

 

حاضر البشريّة الجديدة

 يستقي حاضر البشريَّة معناه من الماضي والمستقبل. فإنَّ ماضي انتقال مريم

"يعلّمنا أنَّ تجلّي الكون – الذي منبعه قيامة المسيح – قد بدأ فعلاً يُخرج ثماره في مريم، وأنّه فجر الخلق الجديد الذي تتسرَّب أشعّته في ظلام هذا العالم. فالطاقة الإلهيَّة تعمل من الآن" (Jean Daniélou s.j.).

وكما يقول بولس إنّنا قمنا من الآن مع يسوع المسيح وصعدنا من الآن معه، فإنّما انتقال مريم العذراء علامة واضحة بأنّ القيامة تعمل فعلاً في حاضر البشريَّة.

ويقول بولس إنّنا نلنا ذلك بـ"الرّجاء"، أي أنّنا نلناه / لم ننله بعد كاملاً، فيؤكّد انتقال مريم أنّ ما لم نلنه بعد سنناله مثلها. وفي إشكاليَّة "التألّه" الشرقيَّة، يمكن القول بأنّ مريم "بانتقالها إلى الحياة" هي "أوّل كائن يتألّه" (Paul Evdokimov)، فتألّهها علامة لتألّه البشريَّة جمعاء، ويبدأ التألّه من الآن.

فبما أنّ البشريَّة تصبح بفضل قيامة يسوع المسيح "خلقـًا جديدًا"، كما يقول بولس، فإنّما مريم هي "وجه البشريَّة الجديدة" وهي توحي بـ"الدّعوة الأسمى" الموجَّهة إلى البشريَّة قاطبة: "إفرحي". وعندما حيَّاها الملاك بهذه التحيَّة، حيَّا البشريَّة جمعاء بالفرح، لأنّ المسيح يخلّصها ويُقيمها ويُحييها، فمريم تلد بالرّوح القدس الخلق الجديد للآب في يسوع المسيح (Elisabeth Behr-Sigel).

ويقول المجمع الفاتيكانيّ الثاني في حديثه عن الكنيسة: إنّ انتقال مريم "بداية لكمالها في الدهر الآتي"، فمن الآن تتنعَّم الكنيسة، بل البشريَّة قاطبة، بكمال الأبديَّة، إذ إنّ مريم – وهي عضو من أعضاء الكنيسة وبنت البشر – قد نالت الكمال.

 

الخاتمة

إنَّ مريم "أمرأة". وهذا ليس صدفة، بل قصد من الله. نريد إبراز هذا القدر من المجد الذي بلغته مريم المرأة.

فكون الله قد استثنى امرأة من الخطيئة الأصليَّة، ومجَّد شخصها كلّه في السّماء بجواره، يوحي إلينا بأنَّ في الله نفسه مبدأ الأنوثة. فالله يشبِّه نفسه بالأمّ التي لا تنسى رضيعها وتحبّ بأحشائها ورحمها. ويسوع المسيح أراد عدَّة مرّات أن يجمع أورشليم مثل الدجاجة الأمّ التي تجمع فراخها. وفي الرّوح القدس عنصر الأنوثة والأمومة والحياة، كما رأينا. فالعنصر النسّائيّ هو "مبدأ روحيّ حاضر في الله". وإنّ رائد هذا التيّار هو Alexandre Boukharev الروسيّ (1822- 1871) وقد عمَّم فكره Paul Evdokimov.

والخليقة الجديدة لها وجه امرأة، وجه مريم. فإنّ امرأة، وامرأة واحدة في تاريخ البشريَّة، قد تجاوبت مع الله تجاوبًا كاملا ً لا تشوبه الخطيئة. ولذلك مجَّدها الله عند انتهاء حياتها الأرضيَّة.

ثمَّ إنَّ مريم نموذج للمرأة التي تتقبَّل ذاتها، مثل ابنها الذي يقبل ذاته من الآب ويعطيه ذاته، بيد أنَّ الرجل يعطي أكثر ممّا يتقبَّل، بمعنى أنَّ المرأة "طبيعة" مرتبطة بالطبيعة عن طريق جسدها فتتقبَّل ذاتها من الطبيعة، بينما الرجل "تاريخ"، يصنع التاريخ ويعمل لأجل التاريخ بحسب تمايز الفيلسوف – اللاهوتيّ المعاصر Jean Guitton. فليس غريبًا ألّا يكلـِّف يسوع القائم أمّه بأيّة رسالة كما كلـَّف الرُّسل، سوى أن تكون أمًّا لهم، فليست قيمتها في عملها وخدمتها، بل في حضورها الملهم. فمريم تظلّ لجميع الأجيال نموذج النفس المتصوِّفة، عروس المسيح التي تتقبَّل منه كلّ شيء، مثل "حبيبة" نشيد الأناشيد.

وإنّ مريم هي المثل الأعلى للإنفتاح والشفافيَّة، للتضحية ونكران الذات. وعند البشر، كثيرًا ما يتعلّم الرَّجل ذلك من المرأة. فمريم تظلّ لجميع الأجيال المثل الأعلى للنفس المنفتحة على الله وعلى عمله، فتنكر ذاتها في سبيل ذلك.

وفي عالم يستغلّ المرأة ولا سيَّما جسدها، ويحتقرها ولا سيَّما أنوثتها، تعيد مريم إلى المرأة كرامتها، فتشعّ كالشعاع المضيء في وسط الظلام، شعاع القمر الذي يستقي نوره من الشمس، شمس ابنها ومخلّصها.

 

"من أنتِ أيّتها  الكنيسة؟"

الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ