مريم رمز الكنيسة

 

مريم رمز الكنيسة

 

 

مريم رمز الكنيسة

 

شبّه يسوع، في كلامه الأخير إلى التلاميذ، موته بولادة مؤلمة: "أنتم تحزنون ولكنَّ حزنكم يؤول إلى فرح. المرأة حين تلد تحزن لأنَّ ساعتها قد أتت. ولكنَّها متى ولدت الطفل لا تعود تتذكّر شِدَّتها من أجل الفرح، لأنّه قد وُلد إنسان إلى العالم. وأنتم الآن تحزنون. لكنِّي سأراكم فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16/ 20 ـ 22). في هذا الكلام من إنجيل يوحنّا نجد صورة ولادة ابنة صهيون للخلاص المسيحانيّ مجسِّدة شعب الوعد. ونظنُّ أنَّ الرَّسول فكَّر بنصوص أشعيا لقوَّة الصِلة بينها. يرى أشعيا في نشيده الرؤيويّ، أورشليم تلد شعبًا جديدًا.

أش:

66/ 7:       "قبل أن تتمخَّض ولدت

                قبل أن يأخذها الطلْق ولدت.

 8:           من سمع مثل هذا

                من رأى مثل هذه

                أتنتجُ أرضٌ في يومٍ واحد

                أمّ تولد أمَّة في مرَّة واحدة

                فإنّ صهيون أوَّل ما تمخضت

                ولدت بنيها....

10 :          إفرحوا مع أورشليم وابتهجوا بها، يا جميع محبِّيها،

                تهلّلوا معًا تهلّلًا، يا جميع النائحين عليها

12:           لأنَّه هكذا قال الرَّبّ

                ها أنذا أميل السَّلام كالنهر

                ومجد الأمم كالوادي الطافح

                فترضعون وفي الحضن تحملون

                وعلى الركبتين تدلّلون

13:           كمن تعزِّيه أمُّه كذلك أعزِّيكم أنا

                وفي أورشليم تُعزَّون

14 :          وتنظرون فتسرُّ قلوبكم

                وتزهر عظامكم كالعشب...".

 

إنّ الوعود الواردة في إنجيل يوحنّا (13/ 16) شبيهة جدًا بالوعود الواردة في كتاب التعزية عند أشعيا (40 ـ 66). يعد المسيح تلاميذه المدعوِّين "بالأبناء الصِّغار" (13/ 33) بألّا يتركهم يتامى (14/ 18) وبأن يعود إليهم فيراهم (16/ 22)، ويرسل إليهم الرُّوح المعزِّي وفي كلامه الوداعي يُظهر المسيح عطف الله كالأمِّ وعطف الرُّوح القدس والكنيسة فيتابعان عمله. والعلاقة بين هذا الكلام وبين روح كتاب التعزية عند أشعيا أكيدة (أش: 40 ـ 66). عندما يتكلّم المسيح عن موته وعلى وقع هذا الموت في قلوب التلاميذ، يذكر بشكلٍ طبيعيّ صورة المرأة النبويَّة، إبنة صهيون الحزينة التي تتوجَّع في مخاضها ثمَّ تفرح لأنَّه وُلِد طفلٌ إلى العالم: "كمَن تُعزِّيه أمُّه كذلك أعزِّيكم أنا. وتنظرون فتسرُّ قلوبكم" يقول الرَّبُّ في أشعيا (66 ـ 14). وفي كلام المسيح إلى تلاميذه، بعدما حدَّثهم عن فرح المرأة بعد خلاصها، صدى لكلام أشعيا: "ولكنَّني سأراكم فتفرح قلوبكم" (يو 16/ 22).

 

في خطاب المسيح الأخير (يو : 16/ 20 ـ 22) إشارة إلى المرأة والأمومة والسَّاعة (لأنَّ ساعتها قد أتت)، وبالتالي إشارة إلى وقت الصَّلب "أتت السَّاعة" التي تدعى فيها مريم "إمرأة" وأمُّ التلميذ الحبيب. وفي الإعلان عن ساعة موته المؤلمة، ذكر يسوع صورة ابنة صهيون النبويَّة التي تلد في الآلام عندما تأتي ساعتها، والأمُّ تعزِّي أبناء إسرائيل. وفي ساعة الصَّلب، هناك أمٌّ ستصبح إبنة صهيون الرَّمزيَّة مجسِّدة الكنيسة ـ الأمّ، معزيَّة اليتامى. ولولا الرُّوح القدس الذي يُرسله الآب، لأصبح التلاميذ، إخوة المسيح الممثلون في شخص التلميذ الحبيب، هم اليتامى. ومريم التي دعاها المصلوب "إمرأة"، ثمّ أعطاها أمًّا إلى التلميذ الحبيب، هي، عند الصَّليب، رمز الكنيسة ـ الأمُّ التي تعزِّي مؤمنيها. ويسلّم إليها الرُّوح القدس المعزِّي كما يسلّمه للرُّسل، ليتمّ فرح الكنيسة التي، بعد أن تلد بالأوجاع، تنسى آلام ولادتها لأنَّه وُلِدَ شعب الله الجديد، عند الصَّليب، بقوَّة الرُّوح القدس.

 

إنّ أوجاع المرأة عند الولادة (16/ 20 ـ 21) تعلن عن عذاب التلاميذ عند موت المسيح: "الحقَّ أقول لكم أنَّكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح وأنتم تحزنون، ولكن حزنكم يؤول إلى فرح. المرأة حين تلد تحزن لأنّ ساعتها قد أتت". وسيختبر التلاميذ عذابًا شبيهًا بعذاب الولادة، لأنّ الجماعة المسيحيَّة، عند موت مخلّصها، ستكون كالمرأة التي تلد بالحزن والألم. إلّا أنّ الحزن والألم سينقلبان فرحًا، يوم قيامة المسيح. هناك مشاركة الجماعة المسيحيَّة في عذاب المسيح الذي يشبه ولادة إبنة صهيون الشّعب الجديد (أش 66/ 7 ـ 9). وعند موت المسيح، ستختبر جماعة الرُّسل أوجاع ولادة الكنيسة في الإيمان، على خلاف كلِّ وضوح، وفي الرَّجاء، على خلاف كلِّ رجاء. ولم تعد الجماعة المسيحانيَّة عند الصَّليب ممثلة إلّا بمجموعة صغيرة من النساء، تنفصل عنهنَّ مريم، أمُّ  يسوع، وبالتلميذ الحبيب الذي يرمز إلى الأمانة حتَّى الموت.

 

هذه هي البقيَّة الصغيرة الباقية من الجماعة المسيحانيَّة والرَّسوليَّة التي اختبرت، عند أقدام الصَّليب، أوجاع ابنة صهيون بالاشتراك مع العبد المتألم. ومريم، بنوع خاصّ، التي ولدت ابن الله، تتألم في جسدها وفي نفسها بالاشتراك مع مخلّصها الذي هو أيضًا إبنها الحبيب. اختبرت الأوجاع البشريَّة في إمرأة ترى ابنها الوحيد مائتًا. واختبرت الألم الرُّوحيَّ في مؤمنة ترى رجاءها يموت فتلد إيمانها بالقيامة، متألمة لرؤيتها أنَّ كلَّ شيء يبدو ضائعًا. وهنا تتحقـَّـق نهاية نبوءة سمعان "إنّ سيفًا سيجوز قلبك".

 

وبما أنَّ مريم هي رمز الكنيسة، فإنّها تشترك بكلِّ جوارحها بآلام المصلوب. وألم إبنة صهيون التي تلد رجاءها بالقيامة، في ولادة الكنيسة، الشَّعب الجديد، تحسُّه أيضًا في أمومتها الجسديَّة. ولن تستطيع الكنيسة أن تولد عند الصَّليب في قوَّة الرُّوح الذي سلّمه المصلوب إلّا إذا كانت البقية المؤمنة من الجماعة المسيحانيَّة تؤمن، على خلاف كلِّ وضوح، وترجو، على خلاف كلِّ رجاء؛ "ستجري من جنبه ينابيع الماء الحيّ. وإنّما كان يقول عن الرُّوح الذي سيقبله المؤمنون به" (يو 8/ 38 ـ 39).

 

تلد مريم، عند الصَّليب، بالألم، الإيمان بوعد المسيح: "إنَّ ابن البشر مزمع أن يسلّم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم" (متى 17/ 22 ـ 23). ومريم هي، بالإيمان، إبنة صهيون التي تلد رجاءها بالألم. وهي الكنيسة المؤمنة والأمينة حتى النهاية. هي حقـًا رمز الكنيسة، أمُّ المؤمنين في الإيمان بالمصلوب الذي سيقوم، وفي أوجاعها كأمٍّ مؤمنة. ولكونها كذلك، نظر إليها يسوع وقال "يا امرأة هوذا ابنك". والتلميذ الحبيب، الأمين، هو حقـًا إبن الكنيسة ـ الأمّ التي ترمز إليها مريم باشتراكها بإيمان المصلوب وبإيمانها ورجائها بالقيامة.

 

إنَّ نص هذا المشهد، في ترجمته الحرفيَّة، يفرض هذا التأويل الرَّمزيّ لشخصَيّ مريم والتلميذ الحبيب. "فلمَّا رأى يسوع أمَّه والتلميذ الذي يحبُّه واقفًا قال لأمِّه: "يا امرأة هوذا ابنك". ثم قال للتلميذ "هذه أمُّك" ومن تلك السَّاعة أخذها التلميذ إلى خاصَّتِه" (19/ 26 ـ 27).

 

لم تُسمَّ مريم باسمها كما حدث في قانا وإنّما قُدّمت كأمِّ يسوع (19/ 25). هذا هو اسم دعوتها الذي يهمُّ الإنجيليّ. وينتهي النصّ بدعوتها مرَّتين باسم "الأمّ" (19/ 26). ويوحنّا المُشار إليه "بالتلميذ الذي كان يسوع يحبُّه"، يدعى، في النصِّ مرَّتين، باسم "التلميذ" فقط (19/ 27) وقد أراد الإنجيليّ بذلك، على ما يبدو، الإشارة إلى صفة مريم، أمِّ يسوع، الرَّمزيَّة، التي دُعيت أخيرًا "بأمّ" كما لو أنّ هذا اللقب هو اسمها الشخصيِّ الجديد. كذلك قُلْ عن التلميذ. عند أقدام الصَّليب، حين أتت السَّاعة التي ردَّ إليها يسوع أمَّه في عرس قانا الجليل، أصبحت أمّ يسوع، الأمُّ، رمز الكنيسة ـ الأمّ، وأصبح التلميذ الذي يحبُّه يسوع رمز المؤمن في الكنيسة. وفي إنجيل يوحنَّا لم تحمل "الأمّ" ولا "التلميذ" إسمًا علمًا أي مريم يوحنّا، إنّما سُميَّا بدعوتهما. فهما شخصيَّتان أقامهما دعوتهما في تاريخ الخلاص على صعيد رمزيّ وصوفيّ. فهما صورتان بل أيقونتان للكنيسة الأمّ ولأخي يسوع المؤمن. لم يهتَّم الإنجيليّ بتاريخهما الشَّخصيّ بل بدعوتهما الشخصيَّة، بمكانتهما اللّاهوتيَّة في الإنجيل وبمهمتهما الرَّمزيَّة في الكنيسة وبعلاقتهما الصُّوفيَّة بالمسيح وبعمله الفدائيّ.

 

عندما قال يسوع لأمِّه، يا امرأة "هوذا ابنك"، أراد أن يوكلَ إلى الكنيسة ـ الأمّ، المرموز إليها بمريم المشتركة بآلامه وتؤمن وترجو وتحبّ، التلميذ الحبيب والمؤمن الذي يرمز إلى جميع المؤمنين، إخوة يسوع الأحبَّاء وإلى كلِّ إخوته.

 

أرانا كلام المسيح لأمِّه وللتلميذ الحبيب أنَّ المعنى الرَّمزي كان يفرض ذاته كما يفرض ذاته المعنى الحرفي. وليس الأمر شعورًا عاطفيًا بنويًا بسيطـًا بل هو أكثر من عمل له مدلوله الهامّ على صعيد العمل الفدائيّ.

 

إنّ التلميذ المدعو "بالتلميذ الذي يحبُّه يسوع"، هو بدون اعتراض تجسيد للتلميذ الكامل، الأمين الحقيقيّ للمسيح، وللمؤمن الذي يقبل الرُّوح. وليس الموضوع محبَّة خاصَّة من يسوع لأحد رسله، وإنّما تجسيد رمزيّ للأمانة للرَّبّ. فقد أراد المسيح أن يمثّل أحد تلاميذه، حتى النهاية، الأمانة التامة، في حين تركه الآخرون في اللّحظة الحرجة.

 

يجسِّد التلميذ الحبيب إذًا أمانة المؤمنين، إخوة يسوع، حتَّى الموت. وإذا كان من المؤكَّد أنّ التلميذ، عند الصَّليب، كان يمثّل أكثر مِن شخصيَّته الخاصَّة، فكذلك الأمر بالنسبة لمريم.  إنّ لقب "امرأة" الذي أطلقه عليها ابنها المصلوب، كما فعل في قانا، متحديًا كلَّ التقاليد اليهوديَّة يُرينا أنّه يضع أمَّه خارج العلاقة بين أمٍّ وابنها. فهو يرى فيها "المرأة" التي ترمز إلى شعب الله في رسالة أمومتها، وابنة صهيون التي ترمز إلى ولادة الشَّعب الجديد، الخلاص المسيحانيّ بالألم يتبعه الفرح المعادي. والكنيسة التي تصير أمًا تغذّي جميع الذين يقبلون الرُّوح القدس المعزّي، والتي تلد أبناء الآب وإخوة يسوع، حتى انتهاء الأزمنة، بالكلمة وبالعماد وتغذّيهم بالكلمة وبالإفخارستيّا.

 

ولكون مريم رمزًا للكنيسة، سلّمها يسوع إلى التلميذ الحبيب وأوصاه بها. لقد انتهى زمن أمومة مريم الجسديَّة لابن الله المتجسِّد، وأعلن المسيح نهايتها في عرس قانا، فتصبح أمَّ الله رمز الكنيسة الأمّ. ولن نستطيع بعد الآن أن نتكلّم عن الكنيسة وعن أمومتها، وتواضعها، وإيمانها، وفرحها دون أن نرى في مريم، أمّ الرَّبّ، صورتها النقيَّة مثالها الأعلى وتحقيقها الأوَّل. مريم ـ الكنيسة والكنيسة ـ مريم. يتوارد هذان الإسمان باستمرار في تفكير آباء الكنيسة.

 

رأينا أنّ "الكتاب قد تمَّ" على الصَّليب، وكذلك رموز العهد القديم كلّها: الحمل الفصحيّ، والكاهن الأعظم والملك هو المسيح إلى الأبد. وقد تمَّ في مريم انتقال إسرائيل القديم إلى الشَّعب الجديد لأنَّ المسيح، وهو يلفظ نفسَهُ الأخير "أسلم الرُّوح" إلى المرأة التي تمثل الكنيسة في أمومتها، وإلى التلميذ الذي يمثلها في أمانته. ولاحظ القدِّيس أمبروسيوس انتقال إبنة صهيون إلى الشَّعب الجديد فقال: "يتعلّق الأمر هنا بسرِّ الكنيسة: إنّ مريم المتَّحدة رمزيًا، لا فعليًا، بالشَّعب القديم، بعد أن ولدت الكلمة وبذرتها في أجساد البشر ونفوسهم بالإيمان بالصَّليب وبدفن جسد المسيح، اختارت، طاعة لأوامر الله، مجتمع شعب أكثر فتوَّة (يوحنَّا)".

 

يذكّرنا كلام المسيح "يا امرأة هوذا ابنك ويا يوحنّا هوذا أمّك" بصيغة العهد، في العهد القديم. "فأكون له أبًا وهو يكون لي إبنًا" (2 مل 7/ 14)، "فقلتُ كيف أجعلكَ بين البنين وأعطيكَ الأرضَ الشَّهيَّة ميراثَ خيورِ الأممِ الفاخر. ثمَّ قلتُ تدعينني يا أبتِ ولا ترتدّين عن الاتّباع لي" (إر 3/ 19) "وأزرعُها لي في الأرض وأرحم غير مرحومة وأقول لِلَيْسَ بشعبي: أنت شعبي وهو يقول أنتَ إلهي" (هو 2/ 25 ، إر 24/ 7، 31/ 33، حز 36/ 28). وستعود هذه الصيغة المزدوجة في رؤيا أورشليم الجديدة والمرأة الشَّابة الواردة في سفر الرؤيا، المرأة المزيَّنة من أجل عروسها: "هوذا مسكن الله مع النّاس وسيسكن معهم ويكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21/ 3).

قام العهد الجديد بين الآب وبين التلاميذ الأحبَّاء، إخوة يسوع، من خلال الكنيسة ـ الأمّ، المرموز إليها بمريم، عند أقدام الصَّليب، رسالة الأمومة قرب إخوة يسوع، أبناء الآب. هكذا يُعبَّر عن العهد الجديد بألفاظ مألوفة: فشعب الله يصبح عائلة الآب مع الكنيسة، في الرُّوح القدس، كأمّ، والإبن كأخ، بكر الرُّسل الأحبَّاء وبكر المؤمنين. ومن المُدهش أن نرى يسوع، في إنجيل يوحنَّا، لم يدعُ تلاميذه "إخوة إلّا بعد القيامة، فقال لمريم المجدليَّة "اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إنِّي صاعدٌ إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم" (يو 20/ 17 ـ 18).

 

ولد الشَّعب الجديد للعهد الجديد، في موت المسيح وفي أوجاع إبنة صهيون المشتركة فيها الجماعة المسيحانيَّة، الممثلة عند الصَّليب بأمِّ يسوع وتلميذه الحبيب، وسلّم المصلوب هذا الشَّعب روحه. ومن الجنب المطعون بالحربة، ظهرت له علامات الدَّم والماء السريَّة: العماد والإفخارستيَّا. تقدَّس هذا الشَّعب الجديد كعائلة الأب. وصارت الكنيسة، في الرُّوح، منذ الآن، أمُّ المؤمنين، وصار التلاميذ إخوة يسوع. وسيوضح المسيح المنتصر على الموت هذه الحقيقة، عندما يسمِّي تلاميذه "إخوته"، والله "أباه وأباهم". إنَّ حقيقة عائلة الله هذه، أي الكنيسة ـ الإخوة ظهرت رمزيًا عند أقدام الصَّليب في مريم، أمّ التلميذ الحبيب، ابنها.

 

وأمومة الكنيسة، المرموز إليها بمريم، أمّ التلميذ، هي ينبوع وحدة التلاميذ والإخوة المؤمنين بالمسيح. ويسوع، في صلاته الكهنوتيَّة (يو 17)، صلّى من أجل وحدة أتباعه "وأنا قد أعطيت لهم المجد الذي أعطيته لي ليكونوا واحدًا كما نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكمِّلين في الوحدة، حتّى يعلم العالم أنَّك أنت أرسلتني وأنك أحببتهم كما أحببتني" (يو 17/ 22 ـ 23) ووحدة الآب والإبن هي ينبوع وحدة الإخوة وقدوتهم. وهي ممكنة بفضل سكنى المسيح في جسده، الكنيسة، بالرُّوح القدس. والكنيسة، باعتبارها أمّ المؤمنين، تؤلف وتدبِّر وحدة إخوة يسوع. وتهتمّ دائمًا، لكونها أمًا، بوحدة أبنائها، أبناء الآب وإخوة المسيح.

 

قبلت مريم، رمز الكنيسة ـ الأمّ، التلميذ الأمين إبنًا لها، وأخذها هذا إلى بيته، يرمز كلاهما معًا إلى  وحدة الكنيسة. هذا المشهد عند أقدام الصَّليب يتعارض مع المشهد الذي يسبقه مباشرةً كما رأينا، اقتسم الجنود ثياب المصلوب واقترعوا على قميصه غير المخيط، فهم لا يؤمنون، والمسيح في نظرهم، موضوع شقاق وانقسام، فتمموا نبوءة انقسام البشر "يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون" (مز 22/ 19). وعلى العكس، فإن مجموعة النساء الأمينات، عند أقدام الصَّليب، وبخاصَّة كلام المصلوب لأمِّه ولتلميذه، تعني وحدة المؤمنين في الكنيسة الواحدة. للأسف يشبه المسيحيون اليوم، إلى حدٍّ كبير، الجنود الذين اقتسموا غنائم المسيح أكثر ممَّا يشبهون مريم والتلميذ المتحدين بالمسيح في شراكة روحيَّة وماديَّة واحدة. ونحن، المتحدين بالكنيسة ـ الأمّ، التلاميذ الأحبَّاء والأمناء الحقيقيِّين، نحن إخوة يسوع الحقيقيُّون كالتلميذ الحبيب الذي صار ابن مريم، وأخذها إلى خاصَّتِه. ونحن على مثاله، نقبل الكنيسة ، أمَّنا ، في حياتنا كأبناء الآب وإخوة يسوع حقيقيِّين.

 

إنّ السَّاعة التي ذكرها يسوع لمريم، في عرس قانا، قد أتت الآن. فإذا ردَّ يسوع أمَّه، في عرس قانا، إلى ساعة الصَّليب، فلكي تفهم، في هذه السَّاعة الحاسمة، دعوتها الجديدة التي نضجت طيلة حياة ابنها على الأرض. بعد أن كانت أمّ الله ولعبت دورها كأمِّ الله، أخذت اسم الكنيسة ـ الأمّ  ودورها. إنّنا نفهم أمومة الكنيسة، عندما نتأمل في أمومة مريم، أمّ الرَّبِّ وأمّ التلميذ الحبيب.

 

 

"مريم أمّ الربّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان