مريم في الشحيمة المارونيّة

 

 

مريم في الشحيمة المارونيّة

 

"أيّتها الجميلةُ في النساء" (نش 6/ 1).

"السّلامُ معكِ، يا بنتَ داود البتول القدِّيسة والدة الله، لأنَّك، بأعجوبة، حملتِ وولدتِ قديمَ الأجيالِ وسيِّدَ البرايا – هللويا – فلتعضدنا صلاتك" (ستّار الجمعة، ص 473).

 

 خصَّتِ الكنيسة المارونيَّة مريم العذراء بإكرام ٍ يفوقُ إكرامَ جميع القدِّيسين. فمريم هي أمُّ الله وأمُّ المخلّص وهي بالتالي  أمُّ المخلَّصين بدم ابنها الوحيد. هي الشفيعة لدى ابنها الإلهيّ، وهي، أخيرًا لا آخِرًا، أمٌّ وبتول.

 

منذ العصور الأولى للكنيسة المارونيّة، تهتمُّ الليتورجيا المارونيّة بذكر مريم العذراء في الصلوات ورفع الطلبات وتعظيمها، والاحتفال بأعيادها المتنوِّعة، لاسيَّما في القدّاس وصلاة الفرض أو ما يُسمَّى الشحيمة. ففي القسم الأول من القدّاس الإلهيّ (المطبوع سنة 1972)، تُوجَّه صلاة الغفران (الحسَّاية)، طوال الأسبوع، إلى الربِّ يسوع بواسطة  أمِّه مريم العذراء. كما تُكرِّس الكنيسة المارونيَّة يوم الأربعاء للاحتفال بتذكارِ مريم أمِّ الله. وهذا التكريم يدلُّ على تعلّق المؤمنين بأمِّ الله كأمٍّ لهم وعلى تثبيت إيمانهم بالمسيح بشفاعتها.

 

في هذه الدراسة الصغيرة، نتطرّق إلى ذكر مريم في الشحيمة المارونيَّة، وإلى البعدين اللاهوتيّ والكتابيّ للنصوص المريميَّة.

 

 

1- مريم في الشحيمة

كثيرة هي المراجع في الشحيمة المارونيّة التي تذكر مريم العذراء. فلا تخلو صلاةٌ أو طلبة ٌ أو نشيدٌ أو لحنٌ من ذِكرٍ لها، ولاسيَّما في نهاية ألحان السوغيتو وفي بواعيث مار يعقوب ومار أفرام السُّريانيّ.

 

فنقرأ مثلاً، في صلاة صباح الإثنين على لحن لبيتوخ عليت: "يليق بالبتول الإكليل المملوء من المحاسن كافّة، لأنَّ الحياة الجديدة منها وصلت إلى المائتين". وفي ستار الأحد على لحن تهار غبريال، نقرأ: طوبى لكِ، يا مريم، لأنّكِ أهِّلتِ لتكوني أمًّا لمَن تَضيقُ عنه السماوات. ولقد حملتِ النار في حضنكِ، وما اتّقدت منه حشا الجسد. فموسى صوَّركِ بالعلّيقة، التي لم تكن لتتَّقد بتلك النار، التي توقدُ العوالم، فبيَّن أنَّ الإله من إله حلَّ في حشاكِ، ومنكِ لبس جسدًا".

 

هذان النصَّان وغيرهما من النصوص التي ترقى إلى زمن بعيد، تكوَّنت على مرِّ العصورِ وتألّفت على مراحل عديدة حتّى بلغت إلينا. وأقدم المخطوطات التي تجمع هذه الصلوات كلّها تعود إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، ونجدها في مخطوطات تُدعى "البيت غازو". فهذا يدلّ على قدميَّتِها وعلى الدّالّة التي خصَّها الموارنو لأمِّ الله منذ تكوينهم وانتشارهم في بلاد سورية. فلا عجب أن تأخذ مريم هذه المكانة في الإكرام والتبجيل، وهي "النعجة الوديعة التي أشرق منها الراعي الذي ذبح لأجل الخراف، الشجرة التي حملت كبش الخلاص الذي أعطيَ لأجلِ جنسنا كلّه..." (ليل الثلاثاء).

 

صفاتٌ وألقابٌ كثيرةٌ تُطلقُ على مريم العذراء في الشحيمة المارونيَّة نذكر بعضًا منها: هي الجبل المقدَّس الذي أضاءت فيه النار الإلهيَّة. هي العُلّيقة الحيَّة التي لم تتضرَّر من قوَّةِ اللهيب المُضطرم. هي الجفنة المُباركة التي منها نبت العنقود المبارَك الذي أسال الحلاوة الخلاصيَّة للمسكونة. هي ينبوع النعمة الإلهيَّة الصافي، الأسمى من الكلمة، الذي نبت من جذع يسَّى وارتقى إلى مصافِّ النساء. هي الحقل المبارَك الذي لم يعرف حارثًا، وأنبت حارث المسكونة.

 

مريمُ العذراء بعد الثالوث الأقدس تحتلُّ مرتبة هامَّة في الشحيمة المارونيَّة. فهي التي اختارها الآبُ الأزليُّ لتكون أمًّا لابنه الوحيد، وأضحت عروسًا للرُّوح القدس الذي حلَّ فيها وجعلها مملوءة نعمة، وبريئة من دنس الخطيئة.

 

 

2- اللاهوت المريميّ في الشحيمة:

لا نستطيع أن نفصل الليتورجيّا عن اللاهوت. لكي نكتشف حقيقة الإيمان لدى شعب من الشعوب، نعود إلى كتبه الليتورجيَّة، نقرأها، نتفحَّصها، نستقي الإيمان منها، وما تحمل من حقائق لاهوتيَّة وروحيَّة. والشحيمة المارونيَّة هي التي رافقت هذا الشعب المارونيَّ المشرقيَّ منذ انطلاقته إلى يومنا هذا، فنجد فيها لاهوت هذا الشعب وما يتضمَّن من حقائق وتعابير لاهوتيَّة تساعد المؤمن على الغوص في إيمانه وعيشه من خلال صلاته اليوميَّة التي تتوزَّع على "ساعات ستّ".

 

تشدِّد الشحيمة المارونيَّة في موضوع اللاهوت المريميِّ على الأمومة الإلهيَّة. فهي الفكرة المسيطرة على معظم النصوص المريميَّة دون منازع. تتعدَّد التعابير وتبقى هذه العقيدة، التي أُعلنت في مجمع أفسس سنة 431، هي البارزة بشكل واضح ولافت. فمريم العذراء هي: "أمُّ المخلّص"، "لأنَّ الإله انحدر وحلَّ في هيكل أعضائها النقيّ"، "وأشرق من حشاها". هي "مدينة ابن يسَّى"، و"الأمُّ الممتلئة مراحم"، أمُّ النور"، "والدة الله"، و"أمُّ كلمة الله". لذلك، "نشكُرُ الابن الذي وُلد من نقاها" و"اختارَها لتكون له أمًّا". ونطلبُ منه أن "اجعل منّا، ربِّ، شركة في ذكرى والدتك"...

 

وهنا لا يمكننا أن نفصل بين هذه العقيدة الأبرز في اللاهوت المريميِّ وسرِّ تجسُّد الابن الوحيد "من الرّوح القدس ومن مريم العذراء". فهذا السرُّ الإلهيُّ هو في صميم حياتنا المسيحيَّة، وفي صميم إيماننا بالإله المخلّص والفادي. فلولا التجسُّد لما تمَّ الفداء. ومريم العذراء ساهمت في عمليَّة الخلاص بقبولها أن تكون أمًّا لابن الله الذي "شاء أن تكون له أمًّا"، و"أشرق من حضنها بنقاوة".

 

بالإضافة إلى الأمومة الإلهيَّة، نجد أيضًا تعابيرَ وألقابًا أُفرِغَت على مريم، نذكر منها: "البتول"، "الطوباويَّة"، "المباركة"، "إبنة داود"، "بنت الأبرار" وغيرها. هذه الألقاب تُعطي مريم نعمة القداسة التي نالتها هبة من الله ليتجسَّد الابن من صلبها. فهذه التعابير تساهم في تثبيت عقيدة أمِّ الله الكاملة القداسة والبرئية من الخطيئة.

 

 

3- البعد الكتابيُّ للنصوص المريميَّة

بعد قراءة عميقة للشحيمة المارونيَّة نكتشف الغنى الكتابيّ البارز فيها. فقلّما نجد مقطعًا، شعريًّا أو نثريًّا، لا يستند إلى مرجع من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.

 

وفي موضوع حديثنا، نجد أنَّ النصوص الكتابيَّة التي تدعم لاهوت مريم هي كثيرة. تعابير كثيرة أُطلِقت على مريم العذراء مستقاة من أسفار العهد القديم، لتدلَّ على المرتبة الهامَّة التي احتلّتها مريم في الليتورجيَّا المارونيَّة وفي التقليد الشّفهيّ المكتوب.

 

هذه بعض الاستشهادات من الشحيمة تساعدنا كي نرى الارتباط الوثيق بين العهد القديم والتعابير المريميَّة. نطالع في ليل الأحد:

"هلمِّي بسلام، أيّتها المباركة جرَّة أليشاع الجديدة، يا مَن بكِ طابت تلك المرارة التي نفثتها الحيَّة بين الأشجار. هلمّي بسلام أيّتها الغمامة المتجسِّدة التي رآها النبيُّ أشعيا. هلمِّي بسلام أيّتها المدينة التي قال فيها داود: كالعشب نبت فيها قديمُ الأجيال والسنين".

 

ونقرأ في ليل الثلاثاء: "سليمان الملك، ذلك البحر الملآن حكمة، مثـَّلكِ بالجنَّة المقفلة التي فيها شجرة الحياة، الثمرة واهبة الحياة، التي تهب العالم كلّه – هللويا – الحياة الجديدة.

 

كما نتلو في صباح الأحد: "تنبّأ أشعيا المجيد: ها إنَّ العذراء تحبل وتلد! وحزقيال، في أرض الكلدانيِّين، سمَّاكِ البابَ المُقفل! وجدعون صوَّرَكِ بالجزَّة التي قبلت الندى السّماويّ! وأليشاع (سمّاكِ) الجرَّة الجديدة المملوءة ملحًا، العذبة التي بها أصلح كلَّ طعم تافه!".

 

ونقرأ في ليل الأربعاء: "ذلك السلّم الذي رآه يعقوب كان صورة عنكِ أيّتها البتول والدة الإله...".

 

هذا غيض من فيض يعطينا فكرة واضحة عن ارتباط  موضوع العذراء مريم بالكتاب المقدّس. وكيف عاش أجدادنا إيمانهم العميق بتعلّقهم بأمِّهم مريم، أمِّ الله الكلّيَّة القداسة.

 

لا يسعنا بعد هذه الدراسة البسيطة سوى أن نذكِّر بأهميَّة مريم العذراء ومكانتها في التراث المارونيّ الليتورجيّ. فهي ترافق المؤمنين في شتّى مراحل حياتهم الرّوحيَّة. وما يسترعي انتباهنا هو البعدان الكتابيُّ واللاهوتيُّ اللذان يُسندان ويُغنيان الألقاب المريميَّة. وهذا يدلّنا على تجذّر آبائنا وأجدادنا بالكنيسة الجامعة، وارتباطهم الوثيق بها، واطـِّلاعهم على المجامع المسكونيَّة الأولى وتمسُّكهم بها تمسُّكًا إيمانيًّا. فلاهوت الآباء المريميُّ يرتكز على أساس متين هو أمومة مريم العذراء الإلهيَّة ومنها تتشعَّب المواضيع التي ترتبط بقداسة مريم وبتوليّتها وسواها. ومن ناحية أخرى نجد آباءنا وأجدادنا مطّلعين اطلاعًا واسعًا على عالم الكتاب المقدّس ولديهم معرفة دقيقة بآياته الكثيرة ولاسيّما التي تطبَّق على أمِّ الله.

 

مريم العذراء تبقى ذلك السراج المنير الذي لا يوقد ويوضَع تحت المكيال بل على المنارة لينير الذين هم في البيت (أي الكنيسة).

 

"مريم العذراء في الأناجيل"

الخوري أنطوان الدويهيّ