مريم قبل مريم

 

 

 

مريم قبل مريم

 

ما بين أقوالٍ مثل: "الكتاب المقدّس كلّه يتعلّق بمريم" (برنردُس المُنتحل في الجيل الثاني عشر)، أو مثل: "ليس في العهد القديم شيء عن مريم" (التفسير الحرفيّ)، أين هو الحدّ الأوسط؟ إنّه في المجمع الفاتيكاني الثاني القائل:

"تصف كتبُ العهد القديم الخلاصَ والتهيِئة البطيئة لمجيء المسيح إلى العالم. هذه الوثائق القديمة، كما تقرأها الكنيسة وتفهمها على نور الوحي اللّاحق والتّام، تُظهر، تدريجيًّا وفي ضياءٍ متزايد، وجهَ المرأة أمّ الفادي. تلك المرأة قد لُوّح عنها بطريقةٍ نبويّة في الكلام على الوعد بالإنتصار على الحيّة، وعدٍ قطعه الله لأبوينا الأوّلين بعد سقوطهما بالخطيئة (تك 3/ 15). وهي أيضًا العذراء التي ستحبل وتلد ابنًا يُدعى عمّانوئيل (أشعيا 7/ 14، ميخا 5/ 2 - 3، متّى 1/ 22 - 23). وهي كذلك تلك التي تحتلّ المنزلة الأولى بين ودعاء الربّ ومساكينه الذين يرجون منه الخلاص وينالونه. ومعها أخيرًا - هي بنت صهيون المثاليّة - وبعد طول إنتظارٍ للوعد، تمَّت الأزمنة وانطلق التدبير الجديد، لمّا اتّخذ منها ابن الله الطبيعة البشريّة ليحرّر إنسان الخطيئة بأسرار جسده" (م 5/ 55).

إنّ في هذا الكلام، كلّ ما ينبغي معرفته عن العذراء في العهد القديم: ظهورٌ تدريجيّ لأمّ الفادي، وعدٌ بالإنتصار على الحيّة.

 

 

الظهور التدريجيّ

موضوع الكتاب المقدّس هو التدبير الإلهي للخلاص يُعرضُ تدريجيًّا على بني آدم. في العهد القديم تمهيدٌ له، وفي الجديد تحقيقٌ له، كما وإظهارُ ما لمريم من منزلة رئيسيّة. فمن الطبيعي إذًا أن "يتوقّع المرء أن يكتشف، في العهد القديم، عن مريم تَنَبُّؤًا أو أقلّه رموزًا عن مجيئها وفضائلها ورسالتها" (م 12/ 29).

 

على كلّ حال، إنّ الليتورجيا والآباء واللاهوتيّين لا يتردّدون في استعمال النّصوص المقدّسة للتكلّم على العذراء والإشادة بأمجادها. لقد إكتشفوا أنّ مريم قد تُنُبِّئَ عنها ورُمِزَ إليها، بحيث إنّ حياتها وعملها قد إنطلقا قبل ظهورها التاريخي. من هنا عنوان هذه الفقرة: مريم قبل مريم.

 

 

الوعد بالإنتصار على الحيّة

بعد السّقطة الأصليّة، وجَّه الرَّبُّ الكلام إلى "الحيّة" المُجرِّبة وقال: "ها إنّي أجعل عداوةً بينك وبين المرأة، وبين نسلِكِ ونسلِها. فهو يسحق رأسك وأنتِ تُصيبين عَقِبَه" (تك 3/ 15). إنّها البشارة الأُولى، الوعد الأوّل بالخلاص، "الإنجيل الأوّل" كما يسمّون هذه الآية.

"هو" يسحق رأسك. هذا الضمير، في النصّ العبريّ، يشير إلى العداوة بين نسل المرأة بوجهٍ عامّ والشيطان، مُنْبِئًا للإنسان بالإنتصار النهائيّ... أمّا في الترجمة السُّريانيّة البسيطة، كما وفي الترجمة اليونانيّة التي لم تستعمل الضمير اللّامذكّر واللّامؤنّث كما كان مفروضًا في حال إعادته إلى النّسل الذي هو - في اليونانيّة - لا مذكّر ولا مؤنّث، فإنّ هذا الضمير يَنسُب الإنتصار، لا إلى النّسل بوجهٍ عامّ بل إلى أحد أبناء المرأة. هكذا القدّيس بولس سيفسِّر النّسل بمعنًى واحدٍ أحد هو المسيح: "إنّ المواعد قد قيلَتْ لإبراهيم ونسله. لم يُقلْ "لأعقابه" بالجمع، بل "لنسلِكَ"، بالإفراد، أي المسيح" (غل 3/ 16). في ذلك إشارة إلى أنّ مريم معنيّة بانتصار المخلّص "نسلها" وشريكةٌ له فيه. هذا ما أوضحتْه الترجمة اللّاتينيّة الشّائعة (Vulgate) لمّا حوّلتِ الضّمير اليونانيّ المذكّر، إلى ضميرٍ مؤنّث ("فهي تسحق رأسك")، ناسبةً الإنتصار إلى المرأة أمّ المخلّص. هذا التفسير المريميّ للترجمة اللّاتينيّة قد أصبح تقليديًّا في الكنيسة الغربيّة. وعندما ستظهر العذراء مريم، سنة 1830، لراهبة المحبّة كاترين لابُوريه، سوف تتراءى لها والحيّةُ تحت رِجلها.

 

يقول القدّيس إيرينايُس: "إن كانت حوّاء قد عصَتْ وأصبحت لها ولكلّ الجنس البشريّ سبب موت، فإنّ مريم أصبحت بطاعتها، لها ولكلِّ الجنس البشريّ، سبب خلاص... إنّ العقدة التي عقدتْها حوَّاء بعصيانها وعدم إيمانها، قد حلّتها مريم بطاعتها وإيمانها...، حتّى إنّها استطاعت أن تكون شفيعة العذراء حوّاء. وكما أنّ الطّبع البشريّ قد أُخضِع للموت بسبب عذراء، كذلك أيضًا تحرَّرَ بعذراء، إذ كُفِّرَ عن معصية عذراء بطاعة عذراء" (صلاة المؤمن 1/ 315).

 

وكان يوستينوس قد قال قبله (سنة 150): "صار المسيح إنسانًا بواسطة العذراء، فانتهى العصيان بالطريقة التي بدأ بها مُرورًا بالحيّة... تمخّضت بالإيمان والفرح، لمّا بشّرها الملاك جبرائيل...، فوُلِد منها ذاك الذي تكلّمتْ عليه كتبٌ كثيرة، والذي به يُبيد الله الحيّة مع الملائكة والناس الذين يُشبهونها" (م 33/ 24). وإنّ المجمع الفاتيكاني الثاني سوف يقول: "كما ساهمَتِ امرأةٌ في عمل الموت، تُساهم أيضًا امرأةٌ في الحياة" (م 5/ 56).

 

كما ويقول مار أفرام عند الشرقيّين: "مريم أعطت البشر ثمرةً حلوة، بدَلَ الثمرة المُرّة التي قطفتها حوّاء، وبثمرة مريم تتلذّذ كلّ الخليقة. شجرة الحياة في الفردوس احتجبَت، وبمريم نمَت وأزهرت، وفي ظلّها الخليقة استظلّت، وعلى القاصي والداني ثمارَها وزّعت... الحيّة وحوّاء حَفرتا حُفرةً لآدم وزجَّتاه فيها. فتصدّت مريم والملك الطفل، ونزلا وأصعدا من الهوّة آدم، بالسرّ الخفيّ الذي ظهر وأحياه" (صلاة المؤمن 3/ 581). كما ويقول:

 

بــــتـــــولـــــتـــــــان   هديّــــــتــــــــان               لــلجــــــــــنس    الــبــــــشري

هــــذه     عــــلّـــــــة     الــحيــــــــــاة               وتــلك   عـــلّـــــة   الــمـــــوت

بـــــــحوّاء     ظهـــــــر   الــمـــــــوت               وبمــــريم   عــــادت  الحيــــاة

تبــــــارك    مــن    أشـــــــرق   لنــــا               مـــن   مــــــــريم،   وخلّصَنــا

                                                                                (م.م/ 533)  

 

ويقول أيضًا: "مريم هي الأرض التي سطعتْ منها "الشمس" فأنارت العالم وسكّانه، هذا العالم الذي أظلَمَ بسبب حوّاء، سببِ كلّ الشّرور. حوّاء ومريم تُشبهان وجهًا بعينين: الواحدة عمياء مظلمة، والثانية مُضاءةٌ ومنيرةٌ كلَّ شيء... بسبب العين المظلمة أصبح العالم كلُّه مظلمًا، واتّخذ البشر أنصابًا بَدَلَ الله، ودَعَوا الكذب حقيقة. ولمّا إستنار العالم بالعين وبالنّور السماويّ الذي فيها (مريم)، وجد الوحدة من جديد... والحياة" (م 33/ 42). "مريم نسجتْ ثيابَ مجدٍ لأبيها، وكان قد عُرِّي بين الأشجار. فبها إكتسى وتستّر وازدان بالجمال. إمرأته صرعتْه، وابنته أقامتْه، فنهض جبّارًا" (م.م/ 49). "فلْيفرح بمريم آدم الأوّل الذي لدغتْه الحيّة. فمريم أعطته نبتةً إن هو أكل منها سحق الحيّة، وبها يُشفَى من لدغة الحيّة القاتلة" (السّلام عليكِ يا مريم، للأب متري هاجي أتناسيو، ص 145). "حوّاء ولدَتْ قاتلاً، ومريم ولدت المُحْيي. حوّاء ولدت مَن أهرق دم أخيه، وهذه ولدت مَن أهرق دمه في سبيل إخوته. حوّاء ولدت من كان يخاف ويهرب من لعنة الأرض، وهذه ولدت مَن حَمَلَ اللّعنة وسمّرها بصليبه" (م 33/ 42).

 

 

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازري