ممارسات تعبديّة

 

 

صلاة التبشير

صلاة التبشير، وبعد مرور أجيال وأجيال، لا تزال "تحتفظ بقيمتها الأصليّة ونضارتها السّليمة" (بولس السادس)... لكنّه من المؤسف أن تضيع عادةٌ قديمة، هي عادة قرع الجرس في كنيسة الرّعيّة إعلانًا لصلاة التبشير. فكانوا في ما مضى، وكما في لوحة الرّسّام مِيّآ (Millet)، يتوقّفون عن العمل، فيتلون التبشير واقفين في حضرة الله والعذراء. هذه العادة لا تزال في حاضرة الفاتيكان، كما وفي الأردنّ حيث، عند قرع الجرس، يقولون: "دقّ الملاك".

 

مهما يكن، فإنّ التبشير لا يزال يحتفظ بقيمته كاملةً: بنيةٌ بسيطة، طابَعٌ كتابيّ ومِسْيَحيّ (البشارة بالتجسُّد، قبول العذراء، حصول التجسُّد)، وتيرةٌ شِبهُ ليتورجيّة تُقدِّس فترات النّهار الثلاث الرّئيسيّة، انفتاحٌ على السرّ الفصحيّ الذي يجعلنا "نهتدي بآلام المسيح وصلبه، إلى مجد القيامة".

 

يقول أحد اللاّهوتيّين الكبار: "كلُّ مسيحيٍّ يصلّي التبشير، يُدرِك أنّه معنيٌّ مباشرةً بسرّ التجسُّد، وأنّ لهذا السرّ أنْ يتحقّق فيه أيضًا، إن هو أراد أن يحمل اسمَ المسيح".

 

وجاء في إحدى المنشورات: "التبشير هو، بين الصّلوات المريميّة، الصّلاة التي تراعي منزلةَ كلٍّ من الآب والابن والرّوح ومريم ونحن. في الآية الأولى تذكيرٌ بمبادرة الله وعمل الرّوح القدس في مريم. في الآية الثانية، جواب مريم. في الآية الثالثة، عملُ الابن. الصلاة الختاميّة تتوجّه إلى الآب، فلا تذكر مريم بصراحة، وإن هي تُلَمِّح إلى بشارتها، بل تستند إلى تجسُّد الربّ وآلامه وصلبه لتُحيي فينا الأمل بمجد القيامة... ثلاث مرّات في النّهار، صباحًا وظهرًا ومساءً، يتلو البابا صلاة التبشير مع المقرَّبين إليه، أو الذين يستقبلهم. فلِمَ لا نشترك بالفكر، ولو مرّةً في النهار، مع صلاة الحبر الأعظم؟".

 

 

نشيد العذراء

هل من داعٍ، بعدَ كلّ ما جاء في الفصل الخامس، للعودة إلى قيمة هذا النّشيد؟ أكتفي هنا بذكر ما قاله القدّيس غْرينيون دي مُونفُور: "هذا النّشيد هو الصَّلاة الوحيدة، القطعة الوحيدة التي ألّفتْها العذراء القدِّيسة، أو قُلْ السيِّد المسيح، لأنّه هو الناطق بلسانها. هذا النّشيد هو أعظم ما وُجِّه إلى الله من مديح، في نظام النّعمة... كثيرًا ما كانت العذراء تتلوه، لا سيّما كصلاةِ شكرٍ بعد المناولة".

ليتنا نستعمله نحن أيضًا في صلاة الشّكر بعد المناولة، أقلَّه مثلما نستعمل - إن لم يكن أكثر - سائرَ التّرانيم التي لا ولن تضاهي ما قد أوحى به الرّوح القدس للـ"ممتلئة نعمة"...

 

 

"السّلام" ثلاثَ مرّات

منذ سنّ الطفولة، وما عدا المسبحة التي كنّا نصلّيها كلّ مساء في البيت، لا أزال حتّى اليوم أُصلّي "السّلام" ثلاثَ مرّات قبل النّوم، مع الإبتهال: "يا سلطانة الميتة الصّالحة، صلّي لأجلنا". هذه العادة ورثتُها عن أُمّي التي ورثتها عن أُمّها...

تعود هذه الممارسة إلى الجيل الثالث عشر، إلى القدّيسة ميكْتيلدا (Mechtilde) التي، إذ كانت تطلب من العذراء أن تساعدها بحضورها في السّاعة الأخيرة، سمِعَتْها تقول: "أَعِدُكِ بذلك. أمّا أنتِ فعليك أن تصلّي "السّلام"، كلَّ يوم ثلاث مرّات، فتتوجّهين بالسّلام الأوّل إلى الآب الذي شاء بقدرته فمنح نفسي رِفعةً فائقة... وبالتالي، إلى الابن الذي أنعم عليّ من الإمتلاء بحيث أَتنعَّم بالثالوث الأقدس، في إدراكٍ فائق... وبالثالث، إلى الرّوح القدس الذي غمرني بحبّه... وعليه، فإنّي سأكون حاضرةً في ساعتك الأخيرة لأُشجِّعك، وأُبعِدَ عنك قوى العدوّ، وأَملأَ نفسك بأنوار الإيمان والمعرفة وأَسكبَ فيها عذوبة الحبّ الإلهيّ. وهكذا تستطعين التغلُّب على آلام الموت ومرارته، إلى حدِّ أنّك سترَيْنَها تتحوَّل إلى عذوبة وابتهاج".

 

 

"سيّدة الورشة"

أُقيمَ في سويسرا سَدٌّ ضخمٌ يَسَع 440 مليون متر مكعَّب. منذ بدءِ الأعمال، بُنِيَتْ كنيسة صغيرة على سفح الجبل. في الكنيسة تمثالٌ للعذراء وهي تقدِّم ابنها. على قاعدة التمثال، هاتان الكلمتان: "سيّدة الورشة".

تُعلـِّق إحدى المنشورات وتقول:

"أيّتها العذراء مريم، ألستِ أنت من بنى جسد المسيح، ذلك الجسدَ الذي عَمِلَ وتعذَّبَ ومات وقام لأجلنا، ذلك الجسَدَ الذي نتناوله حقًّا في الإفخارستيّا؟... أنتِ وحدك الخليقة التي أَتمَّتِ التدابيرَ الإلهيّة تمامًا وعلى الوجه الأكمل.

"كلٌ منّا ورشةُ عمل. علينا كلَّ يوم أن نبني ذواتنا أكثر فأكثر، فنؤمِّن للقريب المزيدَ من الحياة والنّورَ والفرحَ... أَتَرَينَ كيف نُسِيء البناء؟ كيف نَهدِم، دون سبب، ما يحاول الآخرون أن يبنوه فينا؟... لذا، فنحن نضع ورشتنا الخاصّة تحت حمايتك، لأنّ ذلك وحده يجعلنا أكثرَ تيقُّظـًا وهدوءًا وتقبُّلاً.

"بَيْدَ أنّه، إن كان كلٌّ منّا ورشة، فلكلٍّ منّا أيضًا ورشةٌ قد وُكِلَتْ إليه: صف مدرسة، مشغل، عائلة، منظَّمة، مهنة، غرفة مريض، إلخ... والله يطلب مساعدتنا للتأثير بمن نلتقي بهم في مكان العمل أو الشقاء.

"يا سيّدة الورشة، لقد بَنَيتِ حيثما وُجـِدَتِ (في الناصرة وعين كارم وبيت لحم وقانا والجلجلة والعلّيّة). لقد زَرَعتِ بلا توانٍ الفرحَ والتشجيع... أمّا نحن، فكثيرًا ما نُفسِد العمل... ثمّ نشكو من أنّ "البيت" سيّئُ البناء: العائلة، الصفّ، المشغل، الفريق...

"لذا، فنحن نضع ورشاتنا تحت حمايتك، آملين بأن نجد لديك معنى العمل الحقيقيّ والتعاون الصَّحيح، والشَّجاعة في عدم النجاح أو عدم التفهّم، والفرحَ بالشّعور أنّنا ذوو فائدة، مهما يكن مركزنا متواضعًا.

"يا سيّدة الورشة، ساعدينا على أن نكون حقًّا تلاميذَ المسيح ابنك، فنبني معه ومعك عالمًا أفضل".

 

 

مناشدة بول كلوديل

"سيّدة المعونة"

ليس مِن صديقٍ أمين للفقير، إلاّ الأفقَر منه.

لذا، تعالَي أيّتها الأُختُ المُرهَقة، وانظري إلى مريم.

يا للمرأةِ المسكينة: زوجك سكّير، وأولادك هَزْلَى.

إنْ نَفَذَ المال في يديك، إنْ كنتِ تتمنَّين الموت،

إنْ كنتِ تفتقرين إلى كلِّ شيء، فتعالَي إلى الكنيسة، واسكُتي، وانظري إلى أُمِّ الله!

مهما يَكنِ الظلم، ومهما يَكنِ الشقاء،

ومهما يَتَعَذَّبِ الأولاد،

فإنّ الأتعسَ من الكلّ هي "الأُمّ".

فانظري إلى تلك التي هي هناك أمامك، لا تشكو ولا ترجو.

أُنظري إليها، كالفقير الذي عَثَرَ على أفقرَ منه فتَقابَلَ النَّظَران بصمتٍ وسكوت.

 

 

الأب جميل نعمةالله السّقلاويّ