نسبُ مريم العذراء

 

 

 

 

نسبُ مريم العذراء

 

"هذا نسبُ يسوعَ المسيح ابن داود ابن إبراهيم" (متى 1/ 1). وتتواصل الولادة من أب إلى أب. "إبراهيم ولد إسحق وإسحق ولد يعقوب" (آية 2). وتتواصل السلسلة ونطرح السؤال: هل الوالد هو الذي يلدُ الأولاد أمِ الوالدة؟ ففي اللغة العربيّة نقول: ولدت الأنثى أي وضعت ما حملت في حشاها. فهي والد ووالدة. وإن دُعيَ الأب "الوالد" فلأنّه يرتبط بالأمّ. وأمّا إذا أردنا أن نتكلّمَ عن الأب فنقول: أنجب، أي ولدَ ولدًا نجيبًا. ولكن هنا في سلسلة يسوع، نكاد ننسى وجود الأمَّهات. ولكنَّ النهاية تنبِّهنا. فنحن لا نقرأ: يوسف ولدَ يسوع. بل "ويعقوب ولد يوسف رجلَ مريم التي ولدتْ يسوع الذي يُدعى المسيح" (آية 6). وهكذا يتوَّج نسب يسوع بالكلام عن مريم العذراء. كما أنَّ أربع نساء ظهرن في هذه اللائحة. ثلاثةٌ بأسمائِهنَّ مذكورات: تامار، راحاب، راعوت. والرابعة باسم زوجها: أوريّا الحثّيّ. وانتظرنا أن تُذكر سارة أمُّ المؤمنين، كما ذُكِرَ إبراهيم أبو المؤمنين. ولكن يبدو أنَّ سيرة الإيمان بدأت مع إبراهيم وانتهت في مريم التي هنَّأتها أليصابات لأنَّها "آمنت بما قيل لها من عند الربّ" (لو 1/ 45). ونبدأ بقراءة النشيد التاسع من أناشيد الميلاد التي أنشدها أفرام مع المؤمنين.

 

لأجلك، سعت النساء وراء الرّجال

تامار اشتهت رجلاً  ترمَّل

وراعوت أحبَّت رجلاً شاخ

وراحاب التي "سبت" الرِّجال، بك "سُبيَت".

 

من هنَّ هؤلاء الثلاثة وما علاقتهنَّ بمريم؟

 

تامار. في العربيَّة، التَمْر أي اليابس من ثمر النخل. هي ثمرة طيِّبة من شجرات في عالم الشرق الصحراويّ. نقرأ خبرها في سفر التكوين (فصل 38) وارتباطها بيهوذا الذي هو الابن الرابع ليعقوب من امرأته ليئة. يروي الكتاب عن يهوذا أنَّه تركَ إخوته وتزوَّج واحدة من بنات الكنعانيِّين. لم يُذكر اسمُها بل اسم أبيها "شوع"، أي النبيل وكبير النفس. هذه ولدت ليهوذا ثلاثة بنين: عير أو اليقظ (ع ي ر ا، في السّريانيَّة هو الملاك لأنّه يقظ). ثمَّ أونان أو القويّ. والثالث شيلة أو السؤال والطلب. ما هي صفات هؤلاء الأولاد الثلاثة؟ الأوّل مات شابًّا بدون نسل، فاعتُبِرَ شرِّيرًا في نظر الربّ. لأنّ العمر الطويل علامة البركة من عند الله. وكذلك الأولاد العديدون. والثاني مات شابًّا أيضًا لأنّه كان خاطِئًا: تجاه أخيه فما أعطاه نسلاً. وتجاه امرأته فنبت من تصرّفه خطيئة الأونانيَّة. والثالث الذي طلبتهُ أمُّه من إلهها، فنسيَ واجبه تجاه أخيه، أو بالأحرى أبعده والده عن واجبه "مخافة أن يموت مثل أخويه".

أرادت تامار، شأنها شأن كلِّ أمّ، أن يكون لها "ثمر"، أن يكون لها أولاد، وإلاّ تكون نخلة عقيمة. تزوَّجت ابن يهوذا الأوّل، وكان عاقرًا. وتزوَّجت الثاني الذي "لم يُرِدْ أن يُقيم لأخيه نسلاً" وطلبت الثالث. ولمَّا رفض الوالد، مضت إلى الوالد، يهوذا. لهذا قال أفرام السُّريانيّ: ركضت سعت وراء الرّجال. لا من أجل الزنى، بل ليكون لها ولد. وأي ولد. فهو سوف يدخل في سلالة المسيح. قال فيها أفرام:

خرجت تامار وسرقت النّور في الظلام

وفي الدنس سرقت قدسًا

وفي العريّ دخلت وسرقتك

أيُّها الوقور، يا مخرج الأطهار من الأنجاس.

 

إذا أخذنا عملها من الوجهة الخارجيَّة، فهو "زِنًى" و"دنس" و"نجاسة". ولكنَّ الكتاب المقدّس رفض أن ينظر إلى عملها من هذه الجهة. ففي مخطّط الإيمان حيث يظهر المسيح من نسل يهوذا، أرادت تامار أن يكون لها نسل في هذه السلالة. ويهوذا نفسه سوف يمتدحها: "هي أصدق منّي". ويروي الكتاب أنَّ يهوذا احترمها وما عاد يقترب منها. فتكرَّست لتربية توأمين. فارص تاذي قطع الحبل وخرج. وزارح الذي أشرق كما الشمس.

 

اعتبرت تامار سارقة، ولكن ماذا سرقت؟ مضت إلى النور في قلب الظلمة وسرقته. مضت إلى القداسة في إطار الدنس، وإلى الطهارة في وسط النجاسة. فيسوع هو النّور، ويسوع هو القدُّوس، ويسوع هو الوقور، الطاهر. ويواصل أفرام نشيده:

 

لأجلكَ صارت أرملة، فإيَّاكَ اشتهت

سعت فصارت زانية لأجلكَ

وإليكَ تاقت.

وانتظرت فصارت مقدَّسة وإيَّاك أحبَّت.

 

فتامار شابهت "حنّة بنت فنوئيل" التي انتظرت خلاص شعبها واستقبلت الطفل يسوع في الهيكل، كما استقبله سمعان. لبثت حنّة أرملة حتى نهاية حياتها، وكذلك تامار: اشتهت يسوع، إليه تاقت، إيّاه أحبَّت. هنات كون تامار في نسب مريم. وما دخلتْ وحدَها، بل أدخلت شعبها الكنعانيّ، كما السامريَّة أدخلت أهل السامرة حين مضت فبشّرتهم. وتامار هي جدَّة تلك الكنعانيَّة التي أتت إلى يسوع ودلّت أنّها ابنة إبراهيم حين قال لها يسوع: "عظيمٌ إيمانُكِ أيّتها المرأة، فليكُن لكِ كما أردت" (متى 15/ 28).

 

راحاب. مع تامار دخل الكنعانيُّون في نسب يسوع، فصارت تامار جدَّة مريم العذراء. وإذا كان هناك خطيئة، فالرَّبُّ جاء من أجل الخطأة، لا من أجل الأبرار. ونحن حين نتلو السّلامَ الملائكيّ نقول لمريم: "صلّي لأجلنا نحن الخطأة". فتامار التي اعتُبِرت زانية، شأنُها شأنُ راحاب وبتشابع، تقدَّست بتلكَ التي لم تعرف دنسَ الخطيئة منذ الحبل بها في أحشاءِ أمِّها. ومع راحاب دخلَ أهلُ أريحا في نسب يسوع. فهي التي آمنت بالذين أتوا ليجسُّوا الأرض، ليتعرَّفوا إليها وإلى غناها. قالت لهم راحاب: "الربُّ إلهمكم هو الإله في السماء وعلى الأرض" (يش 2/ 11).

 

مَن هي راحاب؟ الرحبة وصاحبة البيت المفتوح. دعاها الكتاب "زانية"، وبابُها عند السور فتستقبل الغرباء الآتين إلى المدينة. إنَّ هذه الزانية سوف تكون الأولى بين الذين يُؤمنون بالإله الواحد. وعن أمثالها قال يسوع: الزناة والعشّارون يسبقونكم إلى ملكوت الله. سبقتْ راحاب تلك الخاطئة التي أتت تائبةً لدى قدميّ يسوع فدلّت على محبَّتها الكبيرة بعد أن غفر الله لها. غُفر لها الكثير فأحبَّت كثيرًا.

 

رأى التقليدُ اليهوديّ في راحاب مؤمنة ً متجدِّدة، وصارت زوجة يشوع وجدَّة عددٍ كبيرٍ من الأنبياء. فهي المبشِّرة الأولى. في العهد الجديد هي والدةُ بوعز الذي سوف يرتبط براعوت. قال عنها يعقوب أخو الربّ: "ترون، إذا، أنَّ الإنسان يتبرَّرُ بالأعمال، لا بإيمانه وحده. وهكذا راحاب البغيّ: أما برَّرها الله لأعمالها حين رحّبت بالرسولين ثمَّ صرفتهما في طريقٍ آخر" (2/ 24-25)؟ والرسالة إلى العبرانيِّين: "بالإيمان نجت راحاب البغيّ من الهلاك مع العصاة، لأنّها رحَّبت بالجاسوسين" (11/ 31).

 

آمنت راحاب فانتقلت من عبادةِ الأوثان، وهذا هو المعنى الرمزيّ للزنى في الكتاب المقدَّس، إلى عبادة الإله الواحد. نحن لا نتوقّف عند حياتها الأولى وإلّا شابهنا سمعان الفرِّيسيّ الذي اعتبر تلكَ الآتية إلى يسوع "خاطئة". هي خاطئة ٌ ولا يُمكنُ أن تخرُجَ من خطيئتها! كلا ثمَّ كلا. في النهاية تفوّقت على ذلك الذي اعتبر نفسَه بارًّا. وإذا لبثنا على مستوى الحياة العتيقة، ماذا نقول عن شاول الذي صار بولس؟ وماذا نقول عن بطرس الذي خان يسوع قبل أن يُعلن لهُ محبَّته. والقدِّيس أوغسطين، وفرنسيس الأسّيزيّ، ومريم المصريّة. وسوف يرى الآباء في راحاب تلك التي فتحتِ الباب ليشوع، الذي هو يسوع المسيح، فدخل وأدخلَ معه شعب الله.

 

قال مار أفرام إنَّ راحاب "سبت" قلوبَ الرِّجال وفتنَتْهُم واستمالتهم إليها. أمّا الآن فالوضع تبدَّل. هي صارت "سبيَّة" لك. فتنتَ قلبَها فأُغرِمَتْ بكَ. وهكذا استحقَّتْ أن تكون في نسب مريم العذراء التي تميَّزتْ بإيمانِها. وأضافَ أفرامُ في النشيد الميلاديّ الأوَّل كيف انتظرت راحاب مجيء يسوع كما انتظرَهُ يشوعُ بن نون وإيليَّا النبيّ والصدِّيقون العديدون.

 

كانت راحاب تتطلّع إليه (تترقّب يسوع)

فإذا كان خيُط القرمز (الذي وضعته عند بابها)

خلّصها، في الرمز، من الغضب (الذي حلَّ بأهل أريحا)

ففي الرمز ذاقت طعم الحقيقة (الذي هو يسوع).

 

تحدَّثَ أوريجان عن خيط القرمز الذي عقدَتْهُ راحاب في النافذة (يش 2/ 18). فنجت هي وأبوها وأمُّها وإخوتها وجميعُ بيتِ أبيها، على مثال نوح الذي نجا مع عياله. قال هذا المفسِّر العظيم: "لِنَرَ من هي هذه الزانية... أجل مَن هي إلّا كنيسة المسيح المكوَّنة من الخطأة الآتين من عالم الزنى، إذا صحَّ القول. ونجد أيضًا زانية أخرى ترمز إلى الكنيسة المجتمعة من وسط الأمم الوثنيّة: هي الزانية التي أُمِرَ النبيّ هوشع بأن يتزوَّجها. في الحقيقة، ذاك هو الواقع الذي ترسمُه راحاب حين استقبلتِ الجواسيس الذين أرسلهم يسوع (كذا في اليونانيّ. في العبريّ، يشوع. تلاعب أوريجان على اللفظ).

 

كانت زانية فصارت نبيّة حين أعلنَتْ: أنا أعرفُ أنَّ الربَّ سلّمَ إليكم هذه الأرض. كانت تلك المرأة، حتى الآن، لامؤمنة، نجسة، وها هي الآن ممتلئة من الرّوح القدس. اعترَفَتْ بالماضي، آمنَتْ بالحاضر، وأعلنَتِ المستقبل... صارتْ حكيمَة... فجعلت على بيتها علامة القرمز الذي نجَّاها من دمارِ المدينة. أجل، العلامة الوحيدة التي تلقّتها، هي القرمز، رمز الدّم! لأنّها علمَتْ أنَّ لا خلاصَ لأحدٍ إلّا في دمِّ المسيح".

 

أما تستحقُّ تلك المرأة أن تدخُلَ في نسبِ مريم العذراء؟ بلى. وتحدَّثَ تيودوريه القورشيّ الذي رأى في راحاب صورةً عن الكنيسة. "كما أنَّ الجواسيس الذين أرسلهم يشوع بن نون، خلّصوا الزانية التي آمنت حين أعطوها خيط القرمز ليتعرَّفوا إليها ويُخلّصوها. كذلك رسُلُ مخلّصنا مالوا بتلك التي كانت زانية، أي الكنيسة التي اهتمَّت في الماضي بعبادة مختلف الأصنام، مالوا بها عن حياتها الأولى وما فيها من فلتان. ورأوا أنّها تستحقُّ الخيرات الأبديَّة. أمّا رمزُ الميثاق الذي عُقِد معها، فلم يكن خيطَ القرمز، بل جاؤوا بها إلى الخلاص بدمّ مخلّصنا الثمين".

 

 

راعوت. ذاك هو الاسم الثالث للنساء اللواتي دخلن في نسب مريم، فكنَّ أمَّهات في سلسسلة الآباء الذين أعدّوا الطريق لولادة يسوع من البتول القدِّيسة. هذه أدخلت الموآبيِّين في الكنيسة. فمن المعروف أنَّ الشعب الموآبيّ كان مرذولاً، ولا يحُقُّ له أبدًا أن يدخل إلى الهيكل ويُشاركَ في شعائر العبادة حتى الجيل العاشر. ولكم مع راعوت، صار الموآبيُّون أعضاء في هيكلٍ آخر هو جسد الربِّ القائم من بين الأموات. مع المسيح لم يعُد من بعيدٍ ولا قريب. كلّهم صاروا من بيت الله. لم يعُدْ من غريب ولا من أهل البيت. قال الرسول: "في المسيح يسوع صرتم قريبين بدمّ المسيح بعدما كنتم بعيدين" (أف 2/ 14). فالعداوة أُلغيَتْ بفضلِ صليب يسوع.

 

راعوت هي الصديقة والرفيقة. تراعي، تميل بسمعها، تُصغي. فتبتعدُ عن الأنانيَّة وحبِّ الذات. ما فكَّرت دقيقة واحدة بنفسها، بل بالآخرين. صارت أرملة فما رجعتْ إلى أهلها. شأنها شأن سلفتها عرفة "التي أدارت ظهرها". وتركت حماتَها وحدَها. ولمّا قالت "نُعمي" التي يرتبط اسمها بالنعمة والجمال، لكنَّتِها راعوت: "أرى أن ترجعَ كُلُّ واحدةٍ منكما إلى بيتِ أمِّها"، أجابت راعوت: "لا تُلحّي عليَّ أن أترككِ وأفارقك، فأينما ذهبتِ أذهب، وأينما أقمتِ أقيم. شعبُكِ شعبي وإلهُكِ إلهي". (را 1/ 16). هي الأمينة، الثابتة، التي رفضت أن تتخلّى عن حماتِها التي قالت عن نفسِها: "الربُّ القدير جعلني مُرَّة جدًّا... الربُّ القدير أذلّني وفجعني" (آية 20-21). وهكذا لبثتْ راعوت الرفيقة لحماتِها، كما كانت الأمينة لزوجها، فآمَّنت نسلاً وأيَّ نسل! عوبيد، أي عابد الله. وسيكون جدَّ داود. وهكذا كانت راعوت جدَّة ابن عوبيد، جدَّة داود وابن داود. انتظرت في الرّجاء وقبلت أن تنتظرَ فكان هذا الولدُ ثمرةَ انتظارها والتصاقها بحماتها.

 

برَّت راعوت التي طلبت غِناك

أنَّ غناك دخل موآب

وفرحت تامار لأنَّ ربَّها أتى

فاسمها (الثمرة، ثمرة بطن العذراء) كرز على ابن ربِّها

ولقبُها يدعوك لكي تأتي نحوك.

 

فراعوت هي موآبيَّة. ونحن نعرف أنَّ أصل الموآبيِّين زنًى بين لوط وابنته. هذا يعني كم كانوا مُحتقرين مع العمّونيِّين. لهذا قال سفر التثنية: "لا يدخل عمّونيّ ولا موآبيّ ولا أحد من نسله في جماعة المؤمنين بالربّ، ولو في الجيل العاشر، وإلى الأبد" (23/ 4). وتكرَّر هذا الكلام بعد السبيّ: لا يدخلون في الجماعة إلى الأبد (نح 13/ 1). ويكون الأنبياء قساة على شعبِ موآب كما على شعب آدوم وبابل، فيقول المزمور: "اهدموها اهدموها حتى أسسها" (137/ 7).

 

أمّا راعوت الموآبيَّة، فكانت أفضل أبناء بيت لحم. وتكفي أسماؤهم للكلام عنهم. محلون هو المريض، الضعيف، الكئيب. في العربيَّة، المحل هو الجفاف وقلّة المطر، ويرتبط بالجوع الشديد. ثمَّ كليون هو الضعيف وسريع العطب. في العربيَّة، كلَّ يعني تعب وأعيا. كما يعني الفعل في معنًى آخر: من لا ولد له ولا والد. ونتخيّل أبيمالك يترك "بيت لحم" قرية الخبز، ويمضي إلى موآب، إلى الصحراء. هرب من الموت فمات هو وإبناه. أمّا راعوت فتركت موآب وعادت إلى "قرية الخبز" وهناك وجدت شعبًا. ومثلها مريم أتت مع يوسف إلى بيت لحم وهناك وُلد الطفل الإلهيّ. في بيت لحم ولد داود، حفيد راعوت، وفي بيت لحم وُلد ابن داود من مريم العذراء. ونعود إلى مار أفرام السُّريانيّ في النشيد الميلاديّ التاسع:

 

ارتمت راعوت لدى رجل البيدر، من أجلك،

ومن أجلك ألحَّ عليها حبُّها

يا معلّم اللجاجة لكلِّ التائبين

استخفّت أذناها بكلِّ الأصوات

لأجل صوتِكَ (يا يسوع).

 

تذكّر مار أفرام البيدر والقمح المُكدّس، حيث كانت تعمل راعوت من أجل طعامها وطعام حماتها. لجأت إلى بوعز واسمه يرتبط بالعزِّ والقوَّة.

الجمرة التي دبّت في فراش بوعز

تعالت وهبطت

رأت ربَّ الأحبار (يسوع) مخفيًّا في صلبه

أسرعت وصارت نارًا لمبخرته

عجلة بوعز ولدتك أنت أيُّها العجل المسمَّن.

 

 الصور عديدة. صار "بوعز" كاهنًا. أخذ مبخرته. أمّا الجمرةُ فأشار إليها أشعيا حين رأى الربّ في الهيكل. والعجل المسمَّن هو الذي أكله المدعوُّون في الوليمة التي هيّأها الأبُ المحبُّ لابنه العائد من البعيد. ويتواصل الكلام عن راعوت التي سارت وراء الحصّادين تقطع السنابل:

لقاطـًا لقطتْ من أجل حبِّك

فجمعت قشًّا

كافأتها في الحال أجرَ تذلّلها

بدل حسك السنابل أصل الملوك

وبدل القشّ نبتت منها حزمة الحياة.

 

الحسك هو الذي جاء بعد الخطيئة بفعل آدم وحوّاء. أمّا بمريم وبجدَّتها راعوت، فأطلّت "حزمة الحياة". القمح الذي يصير خبزًا فيُشبع جوع راعوت وحماتها، ويشبع جوع البشريّة من ذلك "الابن" الذي وُلد في بيت لحم اليهوديَّة.

 

ودخلت راعوت في شعب الله، عبر قبيلة أفراتة التي فيها وُلد داود. فقال النبيّ ميخا: "يا بيت لحم أفراتة، منكِ يخرج سيِّد يكون منذ القديم" (5/ 1). واسترجع إنجيل متّى هذا الكلام، فطبّقه على يسوع: "يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغرى في مدن يهوذا" (3/ 6). ونقرأ ما قاله القدِّيس أمبرواز، أسقف ميلانو:

"كيف حصل أن تتزوَّج راعوت الغريبة، شخصًا يهوديًّا؟ ولماذا اعتبر متّى أنَّ من واجبه أن يذكر، في نسب المسيح، هذا الزواج الذي تمنعه الشريعة؟ ثمَّ إنَّ راعوت لم تكن مجرَّد غريبة، بل هي موآبيَّة. وشريعة موسى منعت الزواج مع الوثنيِّين، واسبعدت الموآبيِّين من الجماعة.

 

"إذا كيف دخلت راعوت في جماعة الربّ؟ بسلوك مُقدّس وحياة لا لوم فيها، ممّا جعلها فوق الشريعة... في الحقيقة، إذا أفلتت راعوت ممّا تحرِّمه الشريعة، إذا دخلت في الكنيسة... إذا استحقّت أن تُعَدَّ بين جدَّات المسيح، فبفضل اخيار إلهيّ، مؤسَّس لا على رباط الدّم، بل على قرابة روحيَّة".

 

وقال أوسيب، أسقف قيصريّة في فلسطين متحدِّثـًا عن راعوت الغريبة، الموآبيَّة:

"إنَّ راعوت، بسبب تقواها، ارتفعتْ فوق الشريعة ودخلتْ في جماعة الربّ، لأنَّ بولس قال: "لأنَّ الشريعة لم تُجعَل للأبرار، بل للعُصاة والمتمرِّدين..." (1تم 9). فمع أنَّ راعوت كانت وثنيَّة، إلّا أنّها لم تكن من الوثنيِّين. تجاوزت حدودَ الشريعة ودخلت في شعب الله. اعتُبِرت من بني إسرائيل، فاستحقّت أن تُحسبَ بين جدّات مخلّصنا. نقصها نبل النسل ولكنّها امتلكت نبل السيرة. وبالنسبة إلينا كلّنا الآتين من الأمم الوثنيّة، هي مثال كبير يُقدّم لنا: حين نتصرّف مثل هذه المرأة ننال من الله نعمة تشابه ما نالت".

 

امرأة أوريّا. ثلاث نساء. واحدة أدخلت الكنعانيِّين في نسل يسوع. والثانيّة، شعب أريحا وغور الأردنّ. والثالثة، الموآبيِّين مع المحيطين بهم، وامرأة أوريّا الحثّي، أدخلت الحثّيِّين الآتين من تركيّا في سلالة يسوع. ما دعا متّى هذه المرأة باسمها، بتشابع، بنت الشبع. هي بنت "عميئيل" وزوجة القائد "أوريّا". زنى بها داود، ثمَّ تزوّجها فولدت له سليمان الذي سيخلف داود أباه في الحكم.

 

أوَّلاً، بدا أوريّا أكبر نفسًا من داود. زنى الملك فأراد أن يخفي زناه فدعا أوريّا ليمضي وينام في بيته. رفض القائد. الجيش في الخيام "فكيف أدخل بيتي وآكل وأشرب وأنام مع زوجتي؟" (2صم 11/ 11). كلّفُه صدقه الموت، حيث طلب الملك أن يوضَع هذا الرجل الشريف في وجه الخطر. وهكذا يموت وتكون بتشابع زوجة لداود.

 

كانت بتشابع أمَّ الملك سليمان، هي الكبيرة، وكلمتُها مسموعة. وكان لها دورٌ كبير في توجيه سليمان. كما أرادت له أن يرضي أخاه أدونيا فرفض. مع أنّه كان لداود أكثر من امرأة وأكثر من ولد، إلّا أنَّ ابن بتشابع هو الذي خلف أباه، فاستشهد الربُّ يسوع بحكمته. ولا شكَّ في أنّهُ كان لبتشابع الدورُ الكبيرُ في تربيته، كما كان لمريم حيث كان ابنها يسوع "ينمو في القامة والحكمة والنعمة أمام الله والناس". ونقرأ مقابلة أفراميّة بين سليمان وأمِّه من جهة، ويسوع ومريم العذراء من جهة أخرى.

 

أمُّه تسجدُ له وتقرِّب إكليلاً

لأنَّ أمَّ سليمان ملّكته وكلّلته

ذاك (سليمان) كفر وخسر إكليله في الجهاد

ها إنَّ ابن داود شرَّف بيت داود وكلّله

لأنّك (يا ربّ) عظّمتَ كثيرًا عرشه،

ورفعت كثيرًا قبيلته

وكنّارته مدَّدتها إلى كلِّ مكان.

 

الأمُّ التي ولدته تستحقُّ الذكر،

والحضن الذي حمله يستحقُّ البركات...

 

ونقرأ القدِّيس أمبرواز مرَّة ثانية:

"ويأتي الاعتراض! ذاك الذي اختاره الله ليكون جدَّ أسرة الربّ. كيف كان بالإمكان أن يقترف الزنى والقتل؟ وأقول أيضًا: أهكذا كان ينبغي أن يكون من اختاره الربُّ ليكون جدَّ المسيح؟ فالتجسُّد ليس سوى غفران الخطايا. وداود بدون خطيئة لا يقدر أن يكون ذاك الذي تتجلّى فيه نعمةُ الله، بمثل حياته وبنبوءاته.

 

"فبقصد العناية الواحدة، حسبت بتشابع وتامار في نسب الربّ. واحدة زنت، والاخرى مارست السفاح. وبحسب الترتيب عينه دخل في إنجيل متّى آحاز ويُكنيا بين أجداد المسيح: فالذي سوف يفتدي البشريَّة كلّها، بدأ فأغدق نعمته على أجداده الأخصّاء. وفي الوقت عينه، يسوع هذا الذي تنازل وتألّم في جسده، ما أراد أن يُطالب بكرامة أصل لا عيب فيه...

 

"أترى هؤلاء الخطأة الكبار في نسب المسيح؟ فمن أجلك لم يستحِ المسيح بهم. تلك هي عطايا الرّحمة الإلهيَّة من أجلِك، إن كنتَ تؤمن. لا شكَّ في أنَّ الخطيئة كثرت، ولكنَّ النعمة فاضت (رو 5/ 20). وإذا كان داود لم يُحفظ من الخطيئة، فلكي يُحفظ من أجل النعمة".

 

 

الخاتمة

أربعُ نساء دلّت على أربعة أقطار الأرض. الخاطئة صارت بارَّة، والنجسة تقدَّست، والغريبة صارت قريبة. كلّهنَّ بنات سارة، زوجة إبراهيم. وكلّهنَّ جدّات مريم العذراء، خطّيبة يوسف. سارة تأخّرت قبل أن يأتيها اسحق، فحبلت بابن في شيخوختها، ومريم حبلت وهي بتول. وبين سارة ومريم، نساء عديدات أوصلن يسوع من إبراهيم إلى داود ومن داود إلى ابن داود يسوع المسيح. أمّا النساء اللواتي ذكرن، فتامار تميَّزت بتعلّقها بالشريعة. وراحاب بإيمانها وانتقالها من عالم إلى عالم. راعوت كانت تلك الرفيعة الثابتة في حبِّها، وبتشابع كانت أمّ الملك، كما كانت مريم أمّ يسوع. ذاك هو نسب مريم، وقد وجد كماله في تلك التي دعاها الملاك الممتلئة نعمة، في تلك التي لم تعرفْ رجلاً، في تلك التي حلَّ الرّوح القدس عليها، فكان المولودُ منها ابن الله. فما أشرفكِ يا مريم بين النساء، وما أعظمكِ بين البتولات، وما تاقت إليه سارة وجدَتْهُ فيك، كما تاق إبراهيم أن يرى يوم يسوع فرآه وابتهج (يو 8/ 56).

 

 

"مريم العذراء في الأناجيل"

الخوري أنطوان الدويهيّ