أحد القيامة

 

 

 

 

أحد القيامة

 

"أنتُنَّ تَطلُبْنَ يَسُوعَ النّاصريِّ المَصْلُوب. إنَّه قام، وَهُوَ لَيْسَ هُنا". الإنسان يبحث عمَّا يروق له، أمَّا الله فيُعطيه ما يليقُ به. قبل شرح الإنجيل، لا بُدَّ لنا من التَّمييز بين عيد الفصح وعيد القيامة في طقسِنا السُّريانيِّ الأنطاكيِّ. إنَّ الفصح هو الإحتفال بحدث موت المسيح على الصَّليب، أمَّا القيامة فهو الإحتفال بانتصاره النِّهائيِّ على الخطيئة والموت. "يوم الجمعة، صعد على الصَّليب ذلك الذي أتقن كلَّ البرايا؛ ويوم السَّبت، رقد بين الأموات مُحيي الأموات الذين منذُ الدَّهر؛ ويوم الأحد، إنبعث وقام من القبر بالمجد" (بيت غازو). ونجد هذا الإنتصار في الرِّسالة إلى العبرانيِّين التي تشرح لنا بأنَّ يسوع شاركنا بطبيعتنا "ليقضيَ بموته على الذي في يده سُلطان الموت، أي إبليس، ويُحرِّر الذين كانوا طوال حياتهم في العبوديَّة خوفًا من الموت" (عب 2/ 14 - 15).

 

تأمَّلنا مرتكزٌ على نقاطٍ ثلاث: الإندهاش، القبر الفارغ، والشّاب المتوشِّح بالبياض.

 

تجعلنا العادة نفقد معنى الكثير من الأمور والأحداث. وينطبق ذلك أيضًا على حدث القيامة. فنتعوَّد عليه كفكرة، وننسى أنَّه حقيقة فاعلة وحاضرة. يوصينا القدّيس إسحق السّريانيِّ بأنْ "نَخاف من العادة أكثر من العدوِّ"، لأنَّها تمنع عنَّا عنصر الإندهاش، النّاتِج عن تأمُّلنا بكلمة الله والثِّقة بها. إنَّ حدث القيامة لم يره أحد ولا حتَّى التَّلاميذ! ولكن ما رأوه، بحسب إنجيل هذا الأحد، هو هذا القبر الفارغ و"المنديل الذي كان على رأس يسوع مطويًّا" (يو 20/ 7).

 

فعندما دخل يوحنَّا بعد بطرس إلى القبر، يقول الإنجيليِّ بأنَّه "رأى فآمن" (يو 20/ 9). ماذا رأى وبماذا آمن في هذا القبر الفارغ، هل كان يجد غير الأكفان وهذا المنديل المطويِّ؟ وهنا نطرح السّؤال: لماذا كان المنديل مطويًّا؟ يُخبرنا التّقليد اليهوديِّ أنَّه عندما نتناول الطَّعام، ولا نطوي منديل المائدة، هذا يعني أنَّنا ضيوف ليس أكثر وعابري طريق؛ أمَّا إذا طويناه فهذا يعني أنَّنا من أهل البيت، أيِّ أنَّنا سوف نعود. ففي ذلك دلالة على أنَّ يسوع سيعود من جديد، وهو القائل "ولكنِّي سأعود فأراكم، فتفرح قلوبكم فرحًا لا ينتزعه منكم أحدٌ" (يو 16/ 22). وهكذا، يصبح القبر الفارغ مصدر رجائنا. وفيه نتربَّى على الإيمان. ومن أمامه نعلن البشرى السّارة. هذا القبر الفارغ هو المدرسة التي نتعلَّم فيها بأنَّ الضّعف يحتاج إلى المحبَّة والإنتظار إلى الرَّجاء والشكِّ إلى الإيمان.

 

أمَّا فيما يخصّ قصَّة الشابّ، بالنِّسبة للإنجيليِّ مرقس، فهو ليس ملاكًا، بل شابٌّ يجلس من عن اليمين ليُعلن القيامة. إنَّه الشابُّ نفسُه، الذي نجده في إنجيل مرقس عندما تركوه كلّهم و"تبعه شابٌّ لا يلبس غير عباءةٍ على عريه، فأمسكوه. فترك عباءَته وهرب عريانًا" (مر 14/ 51 - 52). إنَّ القبر الفارغ إذًا والعريَ ضروريَّان، لأنَّهما يجعلاننا نختبر ضعفنا ومحدوديَّتنا ونقبلهما بجرأة، ففيهما تكمن القوَّة ويُصبح كلٌّ منَّا هذا الشابّ الذي يتبع المسيح عن قرب، يتأمَّل بآلامه وموته ويُعلن قيامته.

 

في الوقت الذي نعتقد فيه بأنَّ كلَّ شيءٍ إنتهى، عندها، تكون البداية. تعالوا نُعلن إذًا وبجرأة، بأنَّ الموت لم يهزم الله، ليست له الكلمة الأخيرة! فافرحوا وابتهجوا يا أبناء القيامة ولا تبحثوا عن القائم بين الأموات، إنَّه ليس هنا، لقد قام!

  

حياتنا اللِّيتورجيَّا - زمن القيامة 2019