إبنٌ شاردٌ وأبٌ رحيمٌ

 

 

 

إبنٌ شاردٌ وأبٌ رحيمٌ

 

نقرأ هذا المثل الإنجيليِّ في مجموعة كبيرة من لوقا: صعود يسوع إلى أورشليم. هذه المجموعة تبدأ في (لو 9/ 51 وتنتهي في لو 19/ 28) مع هذه العبارة: "قال هذا الكلام وتقدَّم صاعدًا إلى أورشليم". وبشكل أَضيَق، نحن في إطار محبَّة الله التي لا تُحَدُّ حين ينسى الماضي، بل لا يُريدنا أن نُفكِّر فيه إلاّ كي نتركه فنَنعَم بكرم ما بعدَه كرم. كما يَفرح الرّاعي بخروفه الضالّ، كما تفرح المرأة بدرهمها المَفقود، هكذا يَفرَح الله بخاطئٍ تائب. وكما لا يَحسب الأب أيَّ حسابٍ فيبدو وكأنّه يُبَذِّر من أجل ذاك الذي يُبدِّد ماله مع البغايا، وكما يُبَدِّد الوكيل خيرات سيِّده فيحسبه النّاس خائنًا، كذلك يَفعَل الله الذي يُغرِق الخطيئة بعطاياه الفيّاضة، فلا يَعود الخاطئ يَنظُر إلى الوراء.

 

الله عدوُّ الحساب حين يقرأ هذا الإنجيل الذي نَكتَشِف فيه أكثر من غنى، نَفهَم أوَّل ما نَفهَم مَوقف الله الآب: محبَّة، رحمة، حنان. ونُدرِك موقف الإنسان الذي يَخاف العودة، فيَجِد أنَّ رغبة الآب سبقت رغبته بحيث لم يَنتظر سوى إشارة ضعيفة كي يستقبله أفضل إستقبال. "عودوا إليَّ لأَعودَ إليكم، يقول الربّ". أَمَّا نحن فنتأمَّل هذا الأب الذي يُعطي بلا حساب، ويَغفِر بلا حساب، ويَتنازَل بلا حساب.

 

 

 

أبٌ عطاؤه كالأُمِّ

 

في بداية المثل، نَرى في الإبنَين البشريَّة كلَّها، اليهود والوثنيّين، ونرى فيهما أيضًا كلَّ واحدٍ منّا. ونُلاحِظ أنَّ الأب قسَمَ لهما أملاكه. أعطاهما كلَّ شيء فلم يُبقِ لنفسه شيئًا. إنّه سخاء ما بعدَه سخاء. ونحن نفهَمَه في اللهِ الذي قالَ عنه بولس الرَّسول: "ما بَخُلَ بابنه، بل أسلَمَه إلى الموت من أجلِنا جميعًا، فكيف لا يَهَب لنا معه كلَّ شيء" (روم 8/ 32).

 

ولم يتوقَّف عطاؤه في البداية بحيث ندم حين رأى الابن يتصرَّف كما تصرَّف. فالحبُّ لا يتراجع، وعطايا الله لا ندامة فيها (روم 11/ 29)، وهو لا يعود عمّا أعطاه مهما كان قلب الإنسان "مجنونًا" في عطائه. فيا ليت المؤمن يَستفيد من هذه النِّعَم الفيّاضة ولا سيَّما في هذا الصَّوم المبارك، ليَعود إلى الآب الذي يَفتَح له ذراعه.

 

 

هل يَنسى الله خطايانا؟

 

في الغفران، يُغطّي الغافر الذّنب ويَستره، يعفو عنه، ويصلحه. والربُّ عندما يَغفر، يَستر ذنوب عبادِه ويتجاوز خطاياهم، فلا يَعود إليها، ولا يَعود يذكرها. فالخبر مَعروف لدى المُصلّي: يا ربُّ، لا تذكُر لي خطاياي. فجاءَه الجواب: يا ابني، نسيتها، فإن شئت ذكِّرني بها. ويَعود الإنسان فيبحث عن ذنوبه ساعة يبحث الله عن طريق يدعو به المؤمن إلى نسيان خطايا صباه على مثال الابن الضالّ. هذا ما أقوله لأبي. هل أقول لله: أنا لم أعُد ابنك؟ هل أقول له: احسبني أجيرًا عندك؟ غير أنَّ الآب لا يسمح لنا بأن نُكمِّل كلامنا. أنت ابني وأنا أبوك. ننسى الماضي ونتطلَّع إلى المُستقبل.

 

 

 

المحبَّة تسترجعنا من الخطايا

 

غطَّى الأب وجه ابنه في صدره، فغطّى له خطاياه. وبدأَ بإصلاحه، بل أرادَ أن يَخلقه من جديد على مثال ما قال المزمور "قلبًا طاهرًا أُخلُق فيَّ، يا ألله، وروحًا جديدًا كَوِّن في داخلي" (مز 51/ 12). وفي هذا المثل، بدأَ عَمَل الخلق والولادة الجديدة. هذا الخاطئ هو ابن، شأنه شأن أخيه الذي لم يَترُك البيت الأبويّ، "هو ابني وهو أخوك". ويعطى الثَّوب بعد أن كان عريانًا، والخاتم الذي يدلُّ على الهويَّة، بعد أن ضاعَت هويَّته في أرض بعيدة لا تعرف الله، في حياة من التّبذير، في عمل مع الخنازير وما ترمز إليه من نجاسة. كان الابن ليرضى بما يَفضُل من طعام في البيت الوالديِّ، فذبح له أبوه العجل المُسَمَّن. هكذا كان يَفعل النّاس في الماضي حين يولد لهم ولد. وغفر الأب لابنه، فولده من جديد، وخلقه من جديد. فلا نتحسَّر على الماضي، ولا نطلب أن نكون أُجراء، بل فلننعَم بغفران الله، وننطلِق من هذا الغفران من أجل حياة جديدة.

 

طلب الابن الأصغر ماله، فأعطاه أبوه ما طلب. في المنطِق البشريّ، كان بإمكانه أن يقول له: لا شيء لك، امضِ حيث تشاء. ولكنّنا أبناء وورثة، ونبقى كذلك في نظر الله. وفي المنطق البشريِّ نفسه، كان بإمكان الأب أن يطرد ابنه: عُدْ من حيث أتيت. فيتصرَّف كالأخ: عُدْ إلى البغايا اللَّواتي عشت معهنَّ. وكان بإمكانه أن يترك الأكبر يفعل ما يشاء. يُريد أن يَمضي، فليمضِ. لكنَّه تجاه غضب الابن، توسَّل الأب إلى ابنه. كلَّمه بحنان وأرادَ أن يقنعه. لم يَستعمل القوَّة ولا العنف، ولكنَّه أفهم ابنه أهميَّة الأبوَّة والأُخوَّة. مَن يَبتَعِد يكون الخاسِر الأكبر. ويَبقى الله ذاك الذي يرافقنا في البعيد وينتظر عودتنا إليه.

 

 

الخوري بولس الفغالي