إحياء المنزوفة

 

 

 

 

إحياء المنزوفة

 

من آية الشَّراب الجديد في أحد مَدخل الصَّوم، إلى أُعجوبة الطّهر من البرص الخارجيِّ في الأحد الثاني، إلى أُعجوبة شفاء المنزوفة، لا بل إحيائها، كما يقول الإنجيل، موضوع هذا الأحد: مسيرة صياميَّة تطال الإنسان في جميع أبعاد حياته. وهذه المسيرة ستكتمل في الآحاد المُقبِلَة لتَصِل بالمؤمنين إلى السرّ الفصحيّ، حيث تتجدَّد البشريَّة كلُّها جذريًّا بموت ابن الله وقيامته. نحن إذًا في مسيرةٍ تصاعديَّةٍ تَنْتَقِل من الأمور الخارجيَّة إلى العُمق الإنسانيّ. وفي كلِّ وقفةٍ تركيزٌ على قدرة الله المُتجلِّيَة بيسوع المسيح، لتكون في خدمة الإنسان وتَنتَشِلَه من أَوضاع قاسية، كنفاذ الخمر في العرس، وفناء الجسد بمرض البرص، أو فقدان الحياة تدريجيًّا بسبب النَّزيف الداخليّ. وكلُّ ذلك يتطلَّب من الإنسان إيمانًا بيسوع ورغبة في تغيير وضعِه، يُعبِّر عنها بتوبة داخليَّة وبعملٍ خارجيٍّ، فيه شيءٌ من المجازفة أو المُعاناة. إلى هذه التّوبة يدعو الرَّسول بولس أهل قورنتُس، ولو كلَّفَهم ذلك حزنًا وألمًا. ففرَح التّوبة الحقيقيُّ يُعادِل فرح الحياة التي عادَت إلى النّازفة مع توقُّف نزفها. نتوقَّف معًا حول بعض الأفكار التي تُساعدنا على تعميق تأمُّلنا في النصِّ الإنجيليِّ:

 

 

1- إقتناص الفرصة

ذاع صيت يسوع بعد أن قامَ بأعاجيب عديدة، وها هو يَعود من جولة تبشيريَّة أظهر خلالها قدرته الفائقة فطرد الشياطين وشفى المرضى وهدَّأَ الرّيح... فهو السيِّد المُطلق على عناصر الطبيعة وعلى الأرواح الشرّيرة وعلى الأمراض مهما كانت مُستعصية. الجموع تنتظره وبينهم يائير رئيس المجمع الذي أسرع وسجدَ أَمامَه وتوسَّل إليه ليَدخُل بيته، ويَشفي ابنته الوحيدة التي شارَفَت على الموت وهي في عمر الثانية عشرة. فسارَ يسوع معه وكانت الجموع مُزدحمة من حوله مُتعطِّشَة لرؤية أُعجوبة جديدة. لا أحد منهم كان معنيًّا بما سيَحدُث ولكنَّهم جميعًا، بدافع الحشريَّة يرافقونه ليرَوا ما سَيَحدُث. وحدَها امرأة مريضة كانت تنتظر هي أيضًا مثل يائير عودة يسوع، ولكن لَم يَكُن لديها شجاعة يائير لتتقدَّم جهارًا من يسوع تطلُب الشّفاء. وحدَها عَرَفَت أن تَقتَنِص فرصة كهذه وتتقدَّم بين الجموع المُزدَحِمَة وتَلتَمِس الشّفاء بطريقتها الخاصَّة غير المعلنة. فوضعها، كامرأة تنزف دمًا، ما كان ليسمَح لها بأن تُخالِط النّاس لأنَّ النّاموس يَعتبرها نجسة وتنجِّس كلَّ مَن وما تَلمُس. أَنْفَقَت منذ اثنتَي عشرة سنة كلَّ مُقتناها على الأطبّاء من دون جَدوى، وهي تَخْسَر حياتها يومًا بعد يوم مع نزيف دمها.

 

ولأنَّ مَرَضَها خفيٌّ، غامَرَت هي أيضًا، واندسَّت بين الجموع، واكتفَت بلَمْسِ طرَف رداء يسوع، فنالَت حالاً الشّفاء من مَرَضِها. وحدَها عَلِمَت بالأعجوبة التي حَصَلَت. فاكتفَت ولَم تُعلِن ذلك. فالأعجوبة بنظرها تَعنِيها هي وحدَها ولماذا يَنبَغي أن يَعرف الآخرون بأمرها؟

 

 

2- السؤال الغريب

"مَن لَمَسَني"، غريبٌ فعلاً سؤال يسوع ومنطقيٌّ جواب بطرس: "فالجموع يضايقونك ويزحموك، وأنتَ تقول: مَن لَمَسَني". ولكنَّ يسوع يوقف المَوكِب ويُعرِّض ابنة يائير للموت بسبب تأخُّرِه. السِّباق بين الموت ويسوع انتهى بفوز الموت، إذ أتى مَن يقول ليائير: "إنَّ ابنتَك ماتت فلا تُتعِب المُعلِّم" (لو 8/ 49)، وذلك بسبب المرأة النّازفة. في الحقيقة إنَّ مُداخلة المرأة كانت أمرًا عابرًا وليست هي التي أوقَفَت المَوكب، بل يسوع.

 

كانت المرأة تُفضِّل أن يبقى أمرَها خفيًّا، ولكنَّ يسوع أرادَ أن يُعلِن شفاءَها وإيمانها. يسوع يبدو وكأنَّه غير مُستَعْجِل ليَصِلَ إلى بيت يائير، بل أصبح يَهُمُّه أمر المرأة  التي لمسته. فمِن حقِّها هي أيضًا أن تُشفى وأن تأخذ من وقت يسوع. ومن حقِّها أيضًا أن يُعلن إيمانها ولا يبقى خفيًّا على الجموع. وكأنَّ يسوع، بإعلانه إيمان المرأة، يقول لِمَن حوله: هذه المرأة وحدَها عرفت كيف تلمسني، وحدَها آمنت بأنَّ وجودي يَعنيها وبأنَّ حياتها تعود إليها بفضل هذا الوجود. والأعجوبة التي حصلت بفضل لمسة الإيمان هي بحاجة لأن تُعلَن وتُشرَح لأنّها لا تعني المرأة فقط، بل تعني الجميع. فلو بقي شفاء المرأة من دون شرح لكان أشبه بعملٍ سحريٍّ، ينسب لرداء يسوع قوَّة سحريَّة ليست له. والشَّرح يُعلِنه يسوع بقوله: "إيمانك أحياك". فالأعجوبة تحصل إذًا بقوَّة الإيمان العامر في قلب المرأة، الإيمان بيسوع الطبيب الشّافي وسيِّد الحياة. هذا الإيمان ينبغي أن لا يبقى خجولاً، بل أن يُعلَن بجرأة: "تشجَّعي يا ابنتي". فالإيمان يتطلَّب الشّجاعة ليصبح شهادة تجاه الآخرين.

 

علاقة المؤمن بربِّه علاقة شخصيَّة حتّى ولو كان بين الجموع. ولكن ما يناله من نِعم، بفضل هذه العلاقة، ينبغي أن يُعلَن أمام الجماعة كشهادة حياة لقوَّة الإيمان. في زمن الصِّيام تكثُر الخبرات الرّوحيَّة والممارسات التقويَّة. هذه الخبرات والممارسات تُغني مَن يَقوم بها، ولكنَّها أيضًا تُغني جماعة المؤمنين وتزيدها إيمانًا بيسوع ابن الله وفادي الإنسان. ليس إضاعة للوقت إذًا أن تتوقّف الجماعة، كما توقّف موكب يسوع، لترى ما يُحقِّق الله فيها من نِعَم وما يُغدِق عليها من خيرات وتشكره مُعلنة إيمانها بحضوره فيها ومعها. فالنِّعَم لا تُعطى خفيَّة بل لتبني الكنيسة.

 

 

3- في خدمة الحياة

ليس من قبيل الصّدفة أن تكون ابنة يائير وحيدة وعمرها اثنتا عشرة سنة، وأن تكون المرأة النّازفة مُصابة بالمرض منذ اثنتي عشرة سنة. وليس أيضًا من قبيل الصّدفة أن تكون هذه الأخيرة قد حصلَت على الشّفاء فعادَت إليها الحياة كاملة قبل أن يُعيد يسوع الأولى إلى الحياة بعدما فقدتها. فيسوع سيِّد الحياة ومعطيها وأتى ليكون في خدمة الحياة. أتى ليعطي الحياة لابنة الإثنتي عشرة سنة التي ترمز إلى الكنيسة شعب العهد الجديد. أمّا المرأة النّازفة التي ترمز إلى شعب العهد القديم فأعيدَت إلى الحياة لأنّها عرفت كيف تستفيد من مرور المسيح. فجماعة العهد القديم كانت تعيش في نزف دائم وتُنفِق حياتها على مَن كانت تظنُّهم أطبّا الحياة من كتبة وفرّيسيّين ومُعلِّمي الشّريعة. ففقدَت كلَّ أمَل لها ولم يَتبقَّ لها إلاّ أن تقف على طريق الكنيسة، جماعة العهد الجديد لتلتقي بيسوع وتلمس رداءه لمسة إيمان، فتهتدي وتتوب وتجاهر بإيمانها بأنَّ يسوع وحده يعطي الحياة.

 

المؤمن مدعوٌّ اليوم ليكتشف قيمة الحياة الإنسانيَّة فلا يدَع هذه الحياة تموت نزفًا أو تُهدَر في غير مجالها. الحياة تُعطى لتُعاش بالملء. ولن يكون ذلك إلاّ ضمن العلاقة الإيمانيَّة بسيِّد الحياة وخادمها ربّنا يسوع المسيح. الكنيسة هي الجماعة التي تعيش وتدعو النّاس لتعيش معها، خصوصًا في زمن الصَّوم المُقدَّس ملء الحياة التي تصلها من علاقتها بالمسيح ومن أسراره المقدَّسة.

 

الآباتي بولس تنّوري