إرسال التلاميذ الإثنين والسبعين

 

 

إرسال التلاميذ الإثنين والسبعين

 

عزم الربُّ يسوع التوجُّه إلى أورشليم، إذ حان وقت ارتفاعه. بدأت الأحداث تتسارع، وكأنَّ بنا نشعر أنَّ الوقت ينفذ ولا بُدَّ من تحضير الرّسل بالاختبارات المتتالية قبل الوصول إلى السّاعة الحاسمة. بين الإنباء بالآلام والموت والقيامة، من جهَّة، وتسارع الأحداث من جهَّة أُخرى، يقع انتباهنا على ثلاثة إرسالات متتالية، طلبها الربُّ من أتباعه: إرسال الاثني عشر إلى بني إسرائيل (لو 9/ 1 - 6)، يتبعه بعد قليل إرسال رسل يتقدَّمونه إلى أهل السّامرة (9/ 51 - 56)، من ثمَّ إرسال الاثنين والسَّبعين إلى الأُمم (لو 10/ 1 - 12). إنَّها خارطة مسيرة التّبشير نفسها، التي سوف يوصي بها يسوع وستتحقَّق حرفيًّا بعد القيامة (أع 1/ 8). هنا الربُّ يُعطي فرصة ليتمرَّس رسله على الرّسالة، كاختبارٍ تحضيريٍّ قبل الإنطلاق الكلِّيِّ، الذي نقرأ صداه في أعمال الرّسل. نلاحظ أنَّ نصَّ إنجيل اليوم ونصَّ الإرسال إلى السّامرة، يتميَّزان بعبارة "أرسل أمام وجهه"، لم نجد هذه العبارة في إرسال الاثني عشر، وهي تذكِّرنا حتمًا بملاخي: "هاءنذا مرسل رسولي فيعدُّ الطّريق أمامي" (ملا 3/ 1)، فالرّسل هم أنبياء العهد الجديد، وقد طُبِّقت هذه الآية من قبل الإنجيليِّين أوَّلاً على يوحنَّا المعمدان.

 

سوف نتخلَّى هنا عن التكلُّم عن الإرسالين الأوَّلين لنركِّز على الإرسال الثالث. إذًا، أن يرسل الربُّ اثنين وسبعين آخرين من تلاميذه، اثنين اثنين، ليس أمرًا بلا معنى. بل أراد أوَّلاً أن يوسِّع دائرة الإرسال، ليجعل همَّ الرّسالة يعني أكبر عدد ممكن ممَّن ينوون اتِّباعه، الكلُّ معنيٌّ بالرّسالة. ثانيًا، أرسلهم اثنين اثنين، وهذا ما اجتهد الرّسل في تطبيقه بوحي من الرّوح القدس نفسه (على سبيل المثال أع 13/ 2؛ 15/ 22 وغيره)، ما سرُّ هذا الإرسال الثّنائيِّ؟! لربَّما، بالإضافة إلى البعد العلميِّ في الرّسالة، هناك مبدأٌ روحيٌّ: "إن إتَّفق اثنان منكم على الأرض في كلِّ شيءٍ يطلبانه، فإنَّه يكون لهما من لدن أبي الذي في السّماوات" (متَّى 18/ 19 - 20)، بالإضافة إلى البعد القانونيِّ: "إن لم يسمع فخُذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين، لكي تثبت كلُّ كلمة بشهادة اثنين أو ثلاثة" (متَّى 18/ 16).

 

تساؤل آخر ينطرح أمامنا في النصّ، ألا وهو إصرار يسوع على الطّلب "من ربِّ الحصاد أن يُخرج فعلةً إلى حصاده"، ماذا يكون عليه الرّسل، إن لم يكونوا هم أنفسهم "فعلة الحصاد"؟! وكأنّي بالربِّ يحاول أن يشعل رغبة عميقة للبشارة في قلب الرّسل، بطريقة غير مباشرة، وكأنَّه يقولها بتأوُّهٍ وشوق فيجعل قلبهم مضطرمًا فيهم (لو 24/ 32)، استعدادًا لساعة الإنطلاق. هذا القلب أضرمه الرّوح القدس يوم العنصرة، ونحن نعيش هذا الزّمن من كلِّ عام. الهدف الأساس من كلِّ رسالة هو تغيير القلب، فيتحوَّل من حجر إلى لحم (2 قور 3/ 3)، جاهز أن يُكتب فيه مشروع خلاص (إر 31/ 33؛ 2 قور 3/ 2)، جاهز أن يتحوَّل إلى مذبح حبٍّ نحو العالم. قلب إنسانٍ مُختبر، يتَّكل على الربِّ، فيعطي ثمرًا (إر 17/ 5 - 10). إنَّ "خدَّام العهد الجديد" (2 قور 3/ 6) لا يقدرون أن يدَّعوا شيئًا كأنَّه منهم (2 قور 3/ 5)، بل ينطلقون بقلبٍ منفتح من دون ضمانات ولا حمل، سوى الكلمة وقوَّة الرّوح. ينطلقون دون أن يسلِّموا على أحد في الطّريق، لأنَّ الوقت ليس وقت زيارات وأحاديث وثرثرات ولا توصيات، بل هو وقت الربِّ. وقت تقديسٍ وبشارة، وإيمانٍ، ورجاءٍ، ومحبَّة.   

 

الأب جيمي كفوري