التجلّي

 

 

التجلّي

 

بدأت الكنائس الشّرقيَّة تحتفل رسميًّا بعيد التَّجلِّي، في أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس. وهو يأتي قبل عيد إنتقال العذراء مريم بنفسها وجسدها إلى السَّماء بتسعة أيَّام. في التَّجلِّي، الربُّ يسوع، أظهر مجده الإلهيِّ بطبيعته الإنسانيَّة، وفي انتقال السيِّدة العذراء، تحقَّق التّجلِّي في باكورة الكنيسة، أي شخص مريم والدة الإله، على رجاء أن يتحقَّق فينا جميعًا وقت يشاء الربُّ.

 

بعد ستَّة أيَّام من اعتراف بطرس بلسانه بلاهوت يسوع: "أنت المسيح"، في قيصريَّة فيليبُّس، تلاها إعلانه لأوَّل مرَّة عن آلامه وموته وقيامته. انفرد يسوع بثلاثة تلاميذ من تلاميذه، هم بطرس ويوحنَّا ويعقوب. يقول القدّيس أفرام السّريانيُّ: "إنَّ التّلاميذ الثّلاثة هم أولئك القوم الذين قال عنهم الربُّ إنَّهم لن يذوقوا الموت حتَّى يروا مجيء ملكوته في مجدٍ عظيم" (مر 9/ 1).

 

صعد بهم إلى جبلٍ عالٍ على انفراد، الجبل في الكتاب المقدَّس ليس فقط مكانًا جغرافيًّا، بل له دلالة لاهوتيَّة، فهو مكان للوحي (أش 2/ 2 - 3). وإنَّه يرتبط دائمًا بالإقتراب من الله والإستعداد لتلقّي كلامه، وهو رمز الإرتقاء والتَّحرُّر من قيود المادَّة، والتّوق إلى السَّماء عالم النّور والحقّ. وكان الجبل محطّ ظهور الله لأنبيائه في العهد القديم، فقد ظهر لكلٍّ من موسى (خر 24/ 12 - 18)، وإيليَّا (1 مل 19/ 8 - 18). على الجبل قديمًا، أُعلنت الشّريعة التي ستقودنا إلى المسيح. وعلى الجبل تجلَّى المسيح الذي سيقودنا إلى الآب.

 

وتجلَّى أمامهم، التَّجلِّي باللّغة اليونانيَّة "Metamorphosis" تعني "تحوَّل"، "تغيَّر". المقصود هنا تغيَّر "إلى ما بعد الشّكل - أبعد من الشّكل"، فكلمة Meta تعني "بعد"، وكلمة morphe تعني الشّكل. إنَّ الله الكلمة الذي هو نور من نور، يقول عنه القدّيس أوغسطين: "لو أظهر يسوع شعاعًا بسيطًا من نوره الأزليِّ في مسيرة تجسُّده لما احتملت الخليقة النّظر إليه والدنوَّ منه". هو الذي أخلى ذاته في أحشاء مريم الكليَّة القداسة، وفي مذود الفقر ظهر طفلاً صغيرًا ضعيفًا، ها هو يُظهر حقيقة لاهوته أمام ثلاثة شهودٍ من تلاميذه، منَّ عليهم بنعمة التَّمتُّع في مُعاينة مجده، وإدراك حقيقته، والإمتلاء من نوره غير المخلوق. ثمَّ إنتهَت الرّؤية، وعادوا برفقة الربِّ إلى الحياة الطّبيعيَّة، يستعدُّون معه لمواجهة محنة الصّليب.

 

وصارَت ثيابه بيضاء ناصعة. اللّون الأبيض يرمُز إلى الطّهارة، وإلى توهُّج النّور الإلهيِّ. ثياب المسيح هي ثياب القيامة، وانبعاث الحياة. وهنا يأتي الوصف اللّغويُّ بحسب رواية الإنجيل ضعيفًا أمام عظمة الربِّ. الذي هو أنصع من البياض نفسه، وأكثر إشراقًا من الشّعاع، وأبهى جلالاً من المجد. إنَّه مصدر كلّ هذه الأشياء وغيرها. هو الذي أوجدها وصنعها من العدم، هو الله الذي تجسَّد وأصبح إنسانًا مثلنا، من دون أن يفقد شيئًا من ألوهيَّته.

 

وتراءى لهم إيليَّا وموسى، وكانا يتكلَّمان مع يسوع. النبيُّ موسى يرمز إلى الشّريعة، التي أخذها من الله، الحاضر من خلال النّار في العلَّيقة المشتعلة، وقد اشتهى أن يرى وجهه حينها وما رآه، ها هو يقف أمامه الآن، يسلِّمه الوديعة، وكان الله قد كشف له عن اسمه، "يهوى"، الذي يتضمَّنه اسم يهوشع ويسوع أو يشوع، ومعناه الكائن من ذاته الذي يخلِّص. كذلك إيليَّا النّبيُّ، الذي يُمثِّل الأنبياء، كان يقول: "حيٌّ هو ربُّ الجنود الذي أنا واقفٌ أمامه (1 مل 18/ 15)، وها هو اليوم أيضًا يقف أمام الإله نفسه قبل ذهابه طوعيًّا إلى الصَّلب.

 

"رابّي، حسنٌ لنا أن نكون هنا!" بطرس الذي ما زال يتمتَّع بنشوة النَّعمة التي نالها لحظة اعترافه بلاهوت يسوع، يطلب منه، باسم رفيقيه، وباسم الإنسانيَّة بأسرها، أن يبقى في الحالة الطوباويَّة التي هو فيها مع يعقوب ويوحنَّا. وذلك ببقاء مشهد التّجلّي كما هو، وذلك بنصب ثلاث مظالّ تحفظ يسوع وموسى وإيليَّا. إنَّه لم يكن يدري ماذا يقول، من شدَّة الإندهاش، وقوَّة النّور المنبعث من شخص يسوع. إنَّه لا يريد العبور في محنة الألم والصّلب والموت والقيامة، لم يُدرك أنَّ حالة التّجلِّي الدّائمة للربِّ ستكون يوم القيامة وما بعده، وستشمل كلَّ مَن يؤمن ويصغي ويعمل بكلامه، ويشهد لموته وقيامته.

 

"وظهرت غمامة تظلِّلهم". الغمامة هي من علامات حضور الله. نعم، إنَّ الله حاضر، وعبارة "ابني الحبيب" التي أتت في الظّهور الإلهيِّ، تُظهر العلاقة البنويَّة الحميمة والفريدة بين يسوع والآب، وتؤكِّد على أنَّ للربِّ يسوع السّلطان الإلهيِّ الكامل: "له اسمعوا".

 

عيد تجلِّي الربِّ في حياتنا. لكي نصل إلى مرحلةٍ التَّجلِّي، هناك محطَّات، لا بدَّ منها. الأولى، التخلِّي: علينا أن نتخلَّى عن الإنزواء في الوادي الذي يحتجب عنه النّور، والذي يرمز إلى الجحيم ومسكن الشرِّ. وأن نتخلَّى عن  الأنانيَّة والكبرياء، لأنَّهما ألدُّ أعداء تغيير الذّهن والقلب وتجديد الحياة. علينا أن نتخلَّى عن الخطيئة، لنبدأ السَّير نحو يسوع، عبر طريق التّوبة "Metanoïa" التي تفسيرها باللّغة العربيَّة "مطانيَّة".

 

المحطَّة الثانية، التّجلِّي، وذلك بالإرتقاء إلى الجبل؛ وجبلُنا اليوم هو حفظ وصايا الربِّ، والإصغاء إلى كلمته بقلبٍ جيِّد صالح، والعمل بها بإرادة سخيَّة ناشطة. وهو معرفة الله بروحه القدُّوس، ومخافته، ومحبَّته، والعمل بمشيئته. وجبلنا أيضًا، هو أن نعي أنَّنا هياكل الرُّوح القدس، الذي بفضله وفعله، يسكن الربُّ يسوع فينا بالإيمان، ويُلبسنا إنسانيَّته، وفضائله، ويجعل حياته تظهر للعالم من خلالنا. لهذا علينا أن نعمِّق إيماننا به، ونتمِّم نداءَ الآب للتّلاميذ، "هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا".

 

المحطَة الثّالثة، التّجلِّي: التّجلِّي مرتبط بالتّحلِّي، كلَّما تحلَّينا بإنسانيَّة يسوع ومحبَّته، ورجائه وإيمانه، وتواضعه، ووداعته، ومجّانيَّته، ولطفه، وطيبته، وخدمته، كلَّما تجلَّى فينا للآخرين. ألم يقُل في إنجيله: "فليُضئ نوركم للنّاس فيروا أعمالكم الصّالحة، فيمجِّدوا أباكم الذي في السّماوات؟".

 

     

الأب يوحنَّا مراد