الصليب المغفرة الكبيرة للخطايا

 

الصليب  المغفرة الكبيرة للخطايا

 

 

الصَّليب  المغفرة الكبيرة للخطايا

 

مقدّمة

 

إنّ ليتورجية الكنيسة تنظّم عدّة أربعينات، بين زمن الميلاد والتقدمة في الهيكل، وخلال زمن الصَّوم، وأخيرًا، في الصَّيف، بين عيدَي  التجلّي وعيد الصَّليب الممجّد.

هذه الأربعين يومًا الصيفيّة تساعدنا على إدراك أنّ الربّ المشعّ على جبل طابور والإنسان المشوّه الذي لا بهاء له على الصَّليب ليسا إلّا واحدًا.

 الكليّ العلو في المجد يحوي ويتولّى الكلّي الإذلال في العذاب. إنّه الرَّبّ الإله إنسانًا في كلّ أبعاد الطبيعتين.

 

الإنجيل (يوحنا 3: 13 ـ 17)

 

13 فما من أحد يصعد إلى السماء إلّا الذي نزل من السماء وهو ابن الإنسان.

14 وكما رفع موسى الحية في البرية فكذلك يجب أن يُرفع ابن الإنسان.

15 لتكون به الحياة الأبدية لكل من يؤمن.

16 فإنّ الله أحبّ العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ من يُؤْمِن به بل تكون له الحياةُ الأبدية.

17 فإنّ الله لم يُرْسِل ابنَه إلى العالم ليدين العالم بل ليُخلِّصَ به العالم.

 

تضحية استثنائية في قدس الأقداس

 

إنّ عيد الصَّليب الممجّد حاضر في كلّ التاريخ البيبليّ.

 

وإذا كنّا نعيّده في أيلول، فإنّه لتكريم العيد الكبير للتكفير، الذي يحدّده كتاب اللاويين "باليوم العاشر من الشّهر السَّابع" (أحبار 23: 27)، عيد يوم كيبور yom Kippour، أو الغفران الكبير، والذي يحتفل به اليهود كلّ سنة.

لنفهم جيّدًا أهميّة هذا اليوم، يجب علينا قراءة الفصل الـ 16 من سفر الأحبار. إنّه في هذا اليوم بالتحديد يدخل الحبر الكبير قدس الأقداس من أجل ذبيحة إستثنائيّة: بعد تقديم الكاهن تيسًا كتضحية عن خطيئته الخاصّة، يأخذ كبشين. يقدّم ذبيحة إحدى الكبشين عن خطيئة الشّعب ويرشّ الخيمة بدم الذبيحة.

بعد القيام بهذه الطقوس التكفيريّة، يأخذ الكاهن الأعظم الكبش الآخر، حيًّا، ويضع يديه الإثنتين على رأسه، يعترف بخطايا الشّعب عليه، ويرحّله إلى البريّة حتّى يأخذ إليها كلّ الخطايا، بعيدًا عن الشّعب (أحبار 16: 21 ـ 22). (21) ويضع هارون يديه على رأسه  ويعترف عليه بجيمع آثام بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم، ويضعها على رأس التيس، ثمّ يرسله إلى البريّة بيد رجل معدّ له.

(22) فيحملُ التيس جميع آثامهم إلى أرض قاحلة، فيُطْلِقُ التيس في البريّة. من هنا تأتي لفظة "كبش المحرقة أو كبش الفداء الذي يحمل من أجل الآخرين آثام الجميع.

 

إنّ الرِّسالة إلى العبرانيِّين ترى في هذا العيد "صورة" تمّت في ذبيحة يسوع المسيح الذي هو في الوقت عينه الكاهن الأعظم والضحية المقدّمة، تضحية، والتي تحمل آثام الجميع، وتفتح الهيكل للجميع، مرّة عوضًا عن كلّ المرّات. (عبرانيين 9:9).

" لأنّ المسيح لم يدخل قدسًا صنعته الأيدي رَسْمًا للقدس الحقيقيّ، بل دخل السّماء عينها ليمثُلَ الآن أمام وجهِ الله من أجلنا " (الرسالة إلى العبرانيين 9: 24).

إنّ الفصل السّابع من إنجيل يوحنّا يُفْتَتَح فضلًا عن ذلك، على صعود يسوع إلى اورشليم من أجل عيد المظال (والذي يلي بعد خمسة أيّام عيد التكفير الكبير ويُنهيه). إذًا في الوقت عينه، بدءًا من هذا الفصل السّابع بالذات،  اتّخذ الفريسيّون القرار الحاسم بالحكم على يسوع بالموت.

وفي تلك اللّحظة، وفي آخر يوم من العيد، يقول لنا الإنجيل: وقف يسوع ورفع صوته قائلًا: "إن عطِشَ أحدٌ فليُقْبِل إليّ، ومن آمن بي فليشرب، كما ورد في الكتاب: ستجري من جوفه أنهارٌ من الماء الحيّ"، يُحدِّد يوحنّا (يوحنا 7: 37 ـ 38). يُذكّر بذلك بالتأكيد بحزقيال الذي أعلن أنّ المياه المباركة "ستنزل من تحت من جانب البيت الأيمن عن جنوب المذبح" (حزقيال 47: 1)، ويذكّر بزكريا الذي وعد في نهاية الأزمنة فيضان مياه حيّة من أورشليم: "ويكون في ذلك اليوم أنّ مياهًا حيّة تخرج من أورشليم، نصفها إلى بحر الشرق ونصفُها إلى بحر الغرب، وذلك صيفًا وشتاءً" (زكريا 14: 8).

هنا أيضًا، تتشابك وتتداخل الصّور، ولدينا في مخيّلتنا الدّم والماء اللّذان تدّفقا من جنب المصلوب (يوحنا 19: 34) وفي نهاية سفر الرؤيا، هذا النهر من ماء الحياة ينبثق من عرش الله مفتتحًا شجرة الحياة " التي تُثْمِرُ اثنتي عشرة مرّة" والتي أوراقها تستطيع "شفاء الأمم" (رؤيا 22: 1 ـ 2) .

 

الغفران الكبير والنهائيّ للخطايا

نحتفل في عيد الصَّليب الممجّد بالغفران الكامل للخطايا والنهائيّ والذي تمّ من أجل الجميع. إنّ هذا العيد يُخبر كيف أنّ حياة يسوع قد انتصرت، كيف أنّ هذه الحياة تُكَمِّلُ مسارها فينا كما نهر يسقي حياة كلّ واحد منّا.

هذه الحياة الممنوحة، لأنّ الربّ عطاء، هذه الحياة الرّب السّاكن فينا، هي روح المسيح القائم، الذي منحه لنا بوضعه حياته بين أيدينا ."إنّه هو الذي أتى بسبيل الماء والدّم: يسوع المسيح، ليس بسبيل الماء وحده بل بسبيل الماء والدّم.

والرّوح يشهد، لأنّ الروح هو الحقّ" تتابع الرّسالة الأولى ليوحنّا (1 يوحنّا 5: 6). في كلّ التوافقيات، يقول هذا العيد أيضًا شيئًا عن الهيكل، ويذكّر ذلك بصورة خجولة في النصوص الليتورجيّة. في مكان آخر إنّه ذات يوم التكفير هذا الذي يستعمله سليمان للإحتفال بتقدمة الهيكل. (1 ملوك 8: 2).

إنّ مقطع إنجيل يوحنّا قصيرٌ للغاية وغامض بعض الشيء. ما هي هذه المقارنة بين المسيح المصلوب والصّليب الممجّد وحيّة البريّة؟ يجب علينا القيام بتجوال من جهّة سِفر العدد (سفر العدد 21 : 4 ـ 9) الذي يخبرنا عن قصّة الحيّات.

عند ساعة الخروج، تململ الشّعب لكونه سيكون حرًّا. يجب المشي يومًا بكامله، وأكل ما يعطيه الرَّبّ يومًا بيوم. صرخ العبرانيّون منتقدين الربّ  وموسى. ماذا تنفع الحريّة إذا نقص الماء والخبز ليس حلوًا ودسِمًا؟

فاتّخذت التجربة هذه المرّة مظهر الحيّات التي تلسَع العبرانيّين، ومات الكثيرون. ليست الحيّة بصورة عديمة الجدوى. إنّها تُذكّر بالحية الأولى الكاذبة في سفر التكوين، والذي يطلق عليها سفر الرُّؤيا إسم الشّيطان (المفرّق) وإبليس (المتّهم)، الذي يبرم الحديث ليفرّق ويتّهم الذين خلقهم الله لوحدة شعبه.

مجتاحين رعبًا وخوفًا، توسّل العبرانيّون موسى لكي يتشفّع بهم، فقام بذلك، هو الشّفيع، الذي سيخُطُّ على رمل الصَّحراء طريق الشَّفاعة الكُبرى للابن. وأمر الرَّبُّ موسى بأن يصنع حيّة من نحاس وجعلها على سارية، فكان أي إنسان لدغته حيّة ونظر إلى الحيَّة النحاسيّة يحيا.

 

الابن إلى جانب المذنبين والضائعين والمتّهمين

بالفعل، على الصَّليب، يُرفع الابن الوحيد، الكاهن الأعظم الأوحد، الحمل الوحيد ويُثبَّت على سارية، كما الحيّة النحاسيّة. هو الشفيع.

لقد وُضِعَ مكان الحيّة، مكان المُتَّهِم، مكان المذنبين، مكان الخطيئة. إنّ بولس في الرّسالة الثانية لأهل قورنتس يقولها بشكل لا يوجد أكثر منه إيضاحًا: "ذاك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير فيه برّ الله". (2 قورنتس 5: 19 ـ 21). إنّ الصَّليب الذي يجسّد مكان اللعنة، وعذاب اللصوص والجانحين عن الحقّ المشترك، يصبح عرش الرَّبِّ الإله.

نعم هناك مات ابن الإنسان، بين لصيّن مسكينين، إلى جانب المتّهمين . يحمل جميع الخطايا وكلّ الاتهامات. إنّه إلى الأبد، سيبقى الإبن إلى جانب المذنبين والضّائعين والمتّهمين والمعدومين.

يأخذ كلّ المكان حتى لا يعود هناك أي مكان للخطيئة. هو منتصر على الخطيئة بحلوله مكانها. إنّ فقرنا المُدْقِع ومأساتنا، من الآن فصاعدًا، مغلّفٌ برحمة الربّ المتجليّة على الصَّليب." الله معنا". حتى إلى هذه الدرجة.

لم نعد بحاجة لهيكل. لأنّ الهيكل، هو "هو" أو بالأحرى الجسم البشريّ الذي اختاره ليكون معنا. إنّه جسد الإنسان الذي أمامه انحنى في ساعة غسل الأرجل. إنّه جسد الإنسان هذا الذي أصبح هيكل الرّوح.

جسدنا ، العائش من روحه. نعم، إنّ صليب اللعنة هو أيضًا مكان مجد الله  ومجد الإنسان . "لأنّ الرَّبّ لم يرسل إبنه إلى العالم ليدين به العالم، بل ليخلّص به العالم". (يوحنّا 3: 17).

 

 

الأخت آن ليسو

 راهبة دومينيكانية