العيد الكبير

 

 

 

العيد الكبير

 

اعتادت الكنيسة منذ القديم أن تسمّي عيد القيامة العيد الكبير. فهو عيد الأعياد، ولولاه لما كانت أعيادُ. البشارات والميلاد ما كانت لتُذكر، وكذلك الأعياد الأخرى الشعانين وخميس الأسرار. فالقيامة هي التي أعطت المعنى لجميع الأعياد، وهي  التي منها انطلق الإيمان بيسوع المصلوب، إبن الله، الذي انتصر بموته على الموت، وبقيامته أعطى الحياة لبني البشر، وبصعوده إلى السماء أرسل الرّوح القدس ليحلَّ على تلاميذه، ويبقى مرشِدًا ومقويًّا ومعزيًّا للكنيسة على مدى الدهور. بقوَّةِ الرّوح القدس سيقف الرسل أمام الجمع ويصرّحون "فليعلم يقينًا بيت إسرائيل أجمع أنَّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله ربًّا ومسيحًا" (أع 2/ 36)، ومن ثمَّ بعد شفاء المقعد سيعلن بطرس: "إنَّ إله آبائِنا قد مجَّدَ عبدَهُ يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام بيلاطس. فقتلتم سيِّد الحياة، فأقامَهُ الله من بين الأموات ونحن شهود على ذلك". (أع 3/ 13-15). أمام المجلس سيشهد أيضًا الرسولان بطرس ويوحنّا بأنّ أعجوبة شفاء المقعد قد تمّت بقوّة يسوع فيقولان: "فاعلموا جميعًا وليعلم شعب إسرائيل كلّه أنّه باسم يسوع المسيح الناصريّ الذي صلبتموه أنتم فأقامَه الله من بين الأموات، بهذا الاسم يقف أمامكم ذاك الرّجل معافى" (أع 4/ 10). فالشهادة لقيامة الربِّ من الموت هي أساس الإيمان المسيحيّ، وعلى هذا الأساس تُبنى الكنيسة على ممرِّ العصور، وسيُردِّد المؤمنون دائمًا، على مثال الرسل: "المسيح قام، ونحن شهود على ذلك".

 

 

زمن القيامة الليتورجيّ

القيامة هي العيد الدائم نحتفل به كلَّ أحد على مدار السنة، مع تغيّر الأزمنة. إلّا أنَّ الفترة الزمنيَّة الممتدَّة من أحد القيامة حتى أحد العنصرة، هي المرحلة التي تدعوها الليتورجيّا زمن القيامة. فطوال خمسين يومًا تدعو الكنيسة المؤمنين إلى التأمّل بقيامة الربِّ والاحتفال بصلوات وأناشيد خاصّة، تُشيد بمجد الربِّ وانتصاره على الموت، وافتتاح عهد الرجاء بالحياة الأبديَّة. قراءات هذا الزمن تركّز على ظهورات الربِّ بعد القيامة، حتى صعوده إلى السماء في اليوم الأربعين، وانتظار حلول الرّوح القدس في اليوم الخمسين. الثياب البيعيَّة والزينة في الكنائس تشكّل انعكاسًا خارجيًّا للفرحِ الداخليّ، الذي يغمر قلوب المؤمنين. فيبتهجون بما حقّقه الربُّ لنا في قيامته من خلاص وحريّة، ويعبّرون عن فرحهم بالسلام الذي يتبادلونه مردِّدين "المسيح قام- حقـًّا قام ونحن شهودٌ على ذلك".

 

الصلوات الليتورجيَّة من جهّتِها، ولا سيّما صلوات الفرض الإلهيّ، تركّز على حدث القيامة. فتصوِّر المسيح بقيامته كالمستيقظ من النوم أو المستفيق من سكرة الخمرة فنرتِّل مثلاً:

 

"يوم الأحد قام من بين الأموات بكر الله الحيّ، وما تسلّط عليه الفساد، مثلما أوضحت لنا الكتب، فها داود يصرخ ويقول: استيقظَ الربُّ كالنائم وكالرجل الذي أسكرتْهُ خمرتُهُ، وفرَّح البيعة وأولادَها، المجد له ولمُرسله". لقد شرب الربُّ كأسَ الموتِ وأسكره، إنَّه كأس غضب الله على شرِّ البشر، كما أنَّه كأس حبِّ اللهِ لهم. شربَ يسوع إذاً على الصليب خمرة الغضب والحبِّ فأسكرته، ثمَّ استفاق لينشر الخلاص والسلام والحرّية. صورة أخرى تلفت انتباهنا في صلوات الفرض، يظهرُ فيها يسوع كسائح إلى الأعماق حيث مثوى الأموات، ولقد شاء أن يمكث بحرّيته كأسير مدَّة يومين لدى الموت لكي يبشِّر الأموات بالقيامة وينفخ فيهم الحياة، فنرتِّل: "حرًّا كنتَ أسيرًا يومين لدى الموت، وفي اليوم الثالث قُمت. رفات الراقدين هلّلت بلقياك، والحياةَ فيها نفخْتَ، دُستَ سلطان الموت وحطّمت الطغيان، ونفوسَ الموتى حرّرْتَ، قُدتَ شعب القيامة نحو فردوس الله، هللويا للسماوات". هذه الأفكار وغيرها تحرِّكُ قلبَ المؤمنين، وتوجِّهُ نظره إلى المسيح الحاضِرِ في كنيستِه ليزرَعَ فيها بذورَ الحياة الأبديّة، ويؤكِّد للمؤمنين به أنَّه الأمينُ على وعوده، ولا يخيِّبُ انتظارات محبّيه التائقين إلى الخلود والسعادة.

 

 

روحانيّة القيامة

القيامة، مع كونها حدثـًا تاريخيًّا، هي بنفس الوقت حدثٌ إيمانيّ يتخطّى التاريخ، ويوجِّه مسيرةَ أبناءِ الأرض نحو المدينة الباقية في السماوات. فالقائم من الموت يسمو بالبشريّة، إلى أعلى درجات المجد عن يمينِ الآب السماويّ. فابنُ الله الذي صار إنسانًا يرتفع ببشريّتنا من محدوديَّة الزمان والمكان، إلى أزليّة الحضور الدائم، والذي لا يتبدَّل في ملكوت السماوات. هكذا تُشرّع القيامة الأبواب على الاسكاتولوجيا، الحياة السماويّة، وتدعو البشر إلى السير مع المسيح على طريق الملكوت للتلاقي مع الله أبيهم.

 

الذين يقبلون العماد يموتون مع المسيح ويقومون معه. قيامة المسيح التي يشتركون بها أسراريًّا في العماد تطبع الكيان الإنسانيّ بالرجاء. فكما قام المسيح وانتصر على الموت، هكذا المؤمن، الذي قبِلَ سرَّ العمادِ المقدّس، ينتصر المسيح فيه أيضًا على الموت والخطيئة. فالمسيح، كما يقول الرسول بولس: "قد قام من بين الأموات وهو باكورة الراقدين. وكما يموت جميعُ الناس في آدم فكذلك سيحيَون جميعًا في المسيح" (1قور 15/ 20-22). هذا الرجاء هو الذي يُعطي المعنى الكامل لحياتِنا وموتِنا. لقد لبسنا المسيح سريًّا في العماد واتّحدنا به، متنا معه في الماء وقُمنا للحياةِ الجديدة، حياة البرِّ والقداسة.

 

المؤمنون بالمسيح، بقوَّةِ العماد، يتحرَّرون من سلطةِ الخطيئة، كما يقول الرسول بولس أيضًا: "فكذلك احسَبوا أنتم أنفسكم أمواتًا عن الخطيئة أحياءً لله في يسوع المسيح" (روم 6/ 11). هكذا تتحوَّل القيامة من حدث تاريخيّ، ومن عيد نعيّدُهُ ويعبُر، إلى نهجِ حياة جديدة، عامر بالحبِّ والرَّجاء، ومُنفتح على آفاق الخلود والسعادة الأبديّة في ملكوتِ السماء. جميعُ احتفالاتِنا وممارساتِنا التقويَّة، من شأنِها أن تساعدنا لنعيش ديناميكيَّة هذا النهج الجديد في واقع حياتِنا اليوميَّة، وإلّا أصبحت عابرة وباطلة وغير معبّرة عن المحتوى الإيماني. فأيّ احتفال أو صلاة أو ممارسة تقويَّة، أو أيَّة أعمال أخرى إذا لم تكن مطبوعة بإيمانِ القيامة، وتشهد بالتالي على حضور الربِّ فينا، تصبح فارغة من معناها، ولا تقودنا باتّجاه الملكوت الموعود.

 

حياتنا على الأرض معرَّضة للخطيئة والبعد عن الله. ولكن من يؤمن بالمسيح يعرف أنَّ التوبة لله، والاعتراف بالضعف والخطيئة وطلب الغفران، هي الوسائل التي يضعها القائم من الموت في متناولنا لكي نجدِّد حياتنا، ونقوم من حالةِ الخطيئة والموت الرّوحيّ، وننعم بالسلام الداخليّ. فالمسيح يدعونا اليوم لكي نفعِّل قيامتَهُ في حياتِنا، خالعين عنّا الإنسان القديم، إنسان اليأس والخطيئة والموت، ولابسين الإنسان الجديد، إنسان الرّجاء والقداسة والحياة.

 

فهل نحن حقـًّا شعب القيامة؟

 

الأباتي بولس تنّوري