بشارة زكريّا

 

 

 

أحد بشارة  زكريّا (لوقا 1: 1 ـ 25)

 

الكثير منّا يعرف قصّة زكريّا، فهو من أشخاص الكتاب المقدّس الأكثر شهرة عند المؤمنين.وقد اعتدنا أن نعطي لكلّ من هؤلاء الأشخاص صفة معيّنة: فتوما هو التلميذ المشكّك، وزكّا هو العشّار القصير القامة، والابن الضائع هو الذي أخذ ميراثه من أبيه ورحل فكان مصيره العيش مع الخنازير، ومريم المجدلية هي الخاطئة التائبة، وبطرس هو الرجل العنفوانيّ والجبان في الوقت عينه. أمّا زكريا فاسمه مرتبط بالشّخص الذي طعن بالسنّ والذي لم يصدّق وعد الله. ولكن، هل هذه مشكلة زكريا الأساسيّة، بل هل هي مشكلته الأولى؟ تعالوا نتخيّل حياة زكريا ونتأمّل بها.

 

يقول الإنجيل إنّ زكريّا كان بارًّا وسالكًا في جميع وصايا الربّ وأحكامه بلا لوم. هو إذًا رجل تقيّ ويهوى شريعة الله ويقوم بخدمته. هذا الرّجل كان شابًا، وكجميع الشباب، كان يحلم أن يؤسّس عائلة كما أوصى الله. أليس الله من خلق آدم وحوّاء وقال لهما: "انموا واكثروا واملأوا الأرض؟" (تك 1: 28) فتزوّج من أليصابات، إمرأة تقيّة مثله وهي من بنات هارون، أي من سلالة هارون الكهنوتيّة، فهي كما يقول الناس "بنت عيلة". كما جميع الشباب، كان عنده أيضًا طموحات كبيرة ويحلم بإنجازها. هذه الأحلام، البعض منها مرتبط به شخصيًّا ، كمحبّة زوجته والاهتمام بأهله والسلوك بأخلاق حميدة وحسنة. ولكن هناك أمور أخرى هو ليس سيّدها، بل الله هو من يمّن بها على براياه، ومن بينها ما يُسمّى بالثلاث بركات التي كانت علامات الحياة الناجحة آنذاك ألا وهي: الغنى الذي يُبعد العوز والاستعطاء، والصحّة التي تُبعد الوجع والبكاء، والنسل الذي يؤمّن استمرارية العائلة ويُبعد العار. مع مرور الأيّام، وبينما كان هذا الشاب ممتلئًا بالحياة، يعمل ما بوسعه ليرضي الله ويهتمّ بعائلته، وبعد محاولات عديدة، لم يستطع  أن يُرزق بطفلٍ، وكان هذا أمر مفاجئ وأليم في حياته. ربما اليوم لا نشعر بمرارة هذا الأمر كما كانوا يشعرون فيه في المجتمع الشرقيّ آنذاك من ألفيّ سنة (رغم أنّ اليوم يوجد الكثير من حالات العقم في العائلات، وهي على ازدياد، فيكدّون ويجرّبون جميع السبل، أكانت طبيّة مع الانجاب الاصطناعيّ، أو روحيّة بالصلاة والنذر لبعض القدّيسين، أو إنسانيّة من خلال تبنّي طفل لا أهل له، كي يرزقوا بالأولاد). ولكن في زمن زكريا، الإنسان، وإن كان مؤمنًا، لا يتحدّى الموت إلّا من خلال الأولاد، وخاصّة الذكور منهم ـ وكلمة "ذكر" خير تعبير على هذا الأمر، إذ إنّها تعني أنّ الذكر يؤمّن "ذكرى" أهله ويحمل اسم العائلة ـ لأنّهم يحقّقون الاستمراريّة، عملًا بالمثل القائل: "يلّي خلف ما مات". فمن لا ولد له ملعون بنظر الآخرين.

 

في البداية من المؤكّد أنّ زكريا حاول جميع الطرق ليُرزق بطفل، فزاد في صلاته وفي مساعدة المحتاجين، ولكن رغم ذلك لم يفلح بمساعيه. عندئذٍ ربما غضب من الله وسأله لماذا لا يلتفت إليه ويزيل هذا العار عنه. هو يخدمه من كلّ قلبه ويعمل بوصاياه ولا يقوم بالرذائل ولا يرتكب الخطايا، فلماذا الآخرون، الذين لا يصلّون ولا يعيشون بحسب البرارة، لهم أولاد، أمّا هو فلا. هذا ليس عدلًا أن ينعم الخطأة بالفرح والراحة، بينما يتعذّب المؤمنون بالله والمتّكلون عليه. ربّما شخص عاش هذا الشعور المرّ ألّف المثل القائل: "صوم وصلّي بتركبك القلّي". ولكن صراخ زكريا لم يقابله صدى، فاختلط الغضب بالخنوع واليأس، واعتاد على هذا الواقع الجديد. فهم، مع مرور الوقت، وقد بدأت التجاعيد تحفر وجهه، وتغطّي آثار الشيبة رأسه كما يغطّي الثلج قمم الجبال، أنّ بعض الأحلام لا تتحقّق، ولا تبقى حتّى أحلامًا، بل تصير مجرّد ذكريات من الماضي. لم يترك زكريا الصلاة، ولكن ربما لم تكن، بعد الآن، بالحرارة التي اشتعلت عندما كان يحاول جميع السبل ليُرزق بطفلٍ، ولم يقف عند مساعدة الآخرين، إنّما ليس بالحماس الذي كان يحرّكه في الماضي. يعمل ويأكل ويشرب ويزور عائلته ويتحدّث مع زوجته بعض الليالي، أو يجلس بقربها دون أن يتحدّثا في أكثر الأحيان. يبس جرحه ولم يعد يؤلمه، وها أيّامه تتكرّر دون أن تحمل أيّ جديد في طيّاتها. يعيش وهو ينتظر الموت الذي لا بدّ أن يأتي يومًا، ولم يندهش أمام أي شيء، ولا يظنّ أنّه ممكن للحياة أن تخرج عن سياق عاداتها. ربّما هذه مشكلة زكريا الكبرى. عندما أخبره الملاك بأن امرأته الشيخة والعاقر ستلد ابنًا، لم يصدّق زكريّا أنّه ممكن أن يتمّ هكذا أمر، فهذا خارج عن المألوف وخارج عن الحياة العادية. لم يعد في قلب زكريا مكان قابل للاندهاش. والقدرة على الاندهاش والانفتاح على الجديد وغير المتوقّع لا يرتبط بعمر. فابراهيم مثلًا، كان أيضًا طاعنًا بالسنّ ولا ولد له عندما طلب الله منه أن يترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه لينطلق إلى الأرض التي يريه (تك 12: 1)، وعندما بشّره بأنّ ساره امرأته المسنّة ستلد ابنًا، وأنّه سيجعل نسله كتراب الأرض الذي لا يستطيع أحد أن يعدّه (تك 13: 16)، صدّق إبراهيم وعد الله، وترك كلّ شيء ليبدأ مغامرة جديدة، "وآمن راجيًا على غير رجاء" (رو 4: 18)، أي صدّق كلمة الله رغم كلّ الأمور التي كانت تشير إلى عكسها.

 

أليس ما أصاب زكريا هو ما يصيبنا في حياتنا أيضًا؟ كلّنا بدأنا حياتنا ويسكن في قلوبنا الانتظارات والأحلام والرغبات والطموحات، وسعينا جاهدين كي نحقّقها. ولكنّنا اصطدمنا بواقع مرير، ولم ننجح دائمًا في سعينا. وبعد الثورة والصراخ والغضب، انكسر الحماس وفقدت الحياة ألوانها، ولم نعد نجهد من أجلها ولم نعد نؤمن بالمفاجآت، ولم نعد نتحمّس ولا نثور، بل أصبحنا غير مبالين، قلبنا متحجّر، ولا تعني لنا الأمور شيئًا. وللأسف، أبشع ما في الحياة هو أن نتعوّد لكلّ الأمور، فتصبح الحياة روتينية تكرّر ذاتها، ولا نعود نندهش أمام أيّ شيء، من الأمور الأكثر بساطة، كالورود والأطفال والطبيعة، إلى الأمور العظيمة، كشخص يضحّي بحياته في سبيل الآخرين أو في سبيل قضية. أليس الله الذي قال للإنسان: "أمّا وأنت فاتر، لا حارٌ و ولا بارد، سأتقيّأك من فمي؟" (رؤ 3: 16).

 

ولذلك، لم يضرب الملاك جبرائيل بالبكم ليعاقبه، بل عمله هذا كالإبرة الموجعة التي تشفي المريض. هو يريد أن يشفيه من أبشع مرض يصيب الإنسان: الفتور. هذا ما نرتّله في صلاة الغفران في القدّاس، عندما نقول عن زكريا: "جرّبته بالبكم لتفتح قلبه للآية". يقول بعض العلماء إنّه عندما تنقص إحدى الحواس الخمس عند الإنسان، تقوى حاسة أخرى. فالأعمى مثلًا، تقوى عنده القدرة على السمع. أمّا الأبكم فتقوى عنده حاسة النظر. ولذلك إنّ بكم زكريا سيساعده أن ينظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، فيسرتجع إلى قلبه القدرة على الاندهاش أمام عمل الله في هذا العالم. وهكذا حصل: حبلت امرأته الطاعنة في السنّ ورزقت بطفل، بل أكثر من ذلك، سيرى نسيبة امرأته، مريم، التي، وهي عذراء، تحمل بخالق الكون، سيرى الله في طفل صغير اسمه يسوع. لذلك، عندما ستلد أليصابات ابنها، وأراد الأقارب أن يسمّوه زكريا على اسم أبيه، سيكتب هذا الأخير على لوح: "اسمه يوحنّا"، اي الله تحنّن. لا لن يسمّى زكريّا مثل أبيه وأجداده، فالتاريخ لم يعد أمرًا روتينيًّا يتكرّر ويعيد ذاته، بل هو انفتاح في كلّ وقت وهو تجديد دائم. عندها، بعد أن استعاد القدرة على الاندهاش، سيستطيع أن يتكلّم من جديد. في لغتنا العاميّة، عندما يقول شخص أمرًا لا معنى له نقول "نطق زكريّا"، أي كلامه لا معنى له أو هو بديهي. ولكن في الحقيقة، عندما نطق زكريّا من جديد،  لم يقل أمرًا لا معنى له. أتعرفون ما كانت الكلمات التي تفوّه بها؟ كلمات نشيد ومباركة واندهاش أمام عمل الله. قال: "تبارك الربّ، إله إسرائيل، لأنّه افتقد شعبه وافتداه [...] وأنتَ، أيّها الصبي، نبيّ العليّ تُدعى، لأنّك تسير أمام وجه الربّ لتعدّ طرقه، وتعلّم شعبه الخلاص بمغفرة خطاياهم، في أحشاء رحمة إلهنا، التي بها افتدقنا المُشرق من العلاء، ليضيء على الجالسين في ظلمة الموت وظلاله، ويهدي خُطانا إلى طريق السَّلام" (لو 1: 68، 76 ـ 79).

 

في زمن الميلاد الذي بدأ، هذا ما نحن مدعوون إليه، أن نندهش من جديد أمام عمل الله في هذه الحياة. ففي الأحد الآتي ننظر إلى الله يطلب من إمرأة بسيطة، من ضيعة الناصرة، أن تكون أمّ ابنه، ونرى من بعده هذه الصبيّة  لا تسجن ذاتها بعطيّة الله ولا تتكبّر، بل تنطلق  نحو نسيبتها لتساعدها، ثمّ نرى ولادة طفل يكون علامة على حنان الله، وقد ارتكض ابتهاجًا في بطن أمّه عندما التقى بمخلّصه، ونرى مالك الكون يولد في مذود، لا مكان له بين الناس. تعالوا نتعلّم، في زمن الميلاد هذا، الدهشة، ونعدّ قلوبنا وبيوتنا ليسكن الله فيها، فيعيد للأحلام آفاقها، وللحياة ألوانها، وللقلوب السَّلام والمحبّة. آمين.

 

الخوري غي سركيس