روحانية السجود للقربان الأقدس

 

 

 

روحانية السجود للقربان الأقدس

 

مقدمة

إذا ما دخلت يومًا إلى دير راهبات مغارة الحليب التي هي إحدى أديرة مدينة بيت لحم القديمة، سوف تجد راهبةً بلباسها الرهبانيّ الأحمر والأبيض ساجدةً دون حِراكٍ أمام ذخيرة القربان الأقدس وغائصةً بكلّ كيانها في هذه الذخيرة. إنّهن الراهبات الساجدات لسرِّ القربان.

 

في مغارة الحليب تمارس الراهبات عبادة السجود الصامتة لسرّ القربان الأقدس على مدار الساعة.

 

إنّهن من ضمن آلاف الرهبان والراهبات والملايين من المؤمنين الذين يمارسون عبادة السجود لسرّ القربان.

يتساءل البعض وأنا أوّلهم في أوّل زيارة لي لهذه المغارة؛ عن عبادة القربان الأقدس من ناحية هل هي عبادة حقيقيّة، أم ممارسة عاطفيّة وتأمّل ميت في حقيقة غير ظاهرة أمامنا؟

 

ماذا يفعل المؤمن الساجد أمام القربان أكان راهبًا أو راهبةً أو علمانيّ؟

 

 في الحقيقة إنّ خبرة السجود لسرّ القربان هي أعمق من أن تحدّد بتعبّد شخصيّ عاطفيّ لله، بل هي أعظم من ذلك، إنّها جلوس في حضرة الله في هذه القربانة الصغيرة. وصعوبة هذه العبادة تكمن في كون الإنسان في طبيعته غير قادرٍ على أن يرى الماورائيّ بعين الجسد، فتُضحي العبادة لسِرّ القربان ممارسة تقويّة عقيمة، لا تُؤتي ثمرها لأنّها في الأساس مبنية على حضور المسيح السرّيّ تحت أشكال الخبز والخمر، والذي لا يمكن رؤيته إلا بالإيمان وحدة المرتكز على سلطة الله" بحسب القدِّيس توما الأكوينيّ.

 

يسوع المسيح حاضرٌ جوهريًّا في القربان

إنّ السرّ في الدخول إلى العمق في التعبّد للقربان الأقدس، هو الوعي الذي لا يشوبه شكّ بأنّ المسيح حاضر جوهريًّا في القربان الأقدس. القربان الأقدس حسب تعليم الكنيسة هو "سرّ حضور المسيح الحقيقيّ اليوم بالصفة نفسها، كما كان جسده الطبيعيّ والتاريخيّ. هو استمرار سرّ حضوره على الأرض منذ ألفيّ سنة".

 

 ذاك الأقنوم الثاني الذي تجسّد "وحلّ بيننا" في الزمن وجال في هذه الأرض مدّة ثلاث وثلاثين سنة، أراد أن يبقى فيما بيننا في سرّ القربان. إذا فنحن في السجود القربانّي نحضر أمام المسيح الحاضر جوهريًّا تحت أعراض الخبز والخمر، هذا المسيح هو نفسه الذي أخبرت عنه الأناجيل وعاش على الأرض يعلّم ويعمل. المسيح نفسه هذا لا يزال اليوم معنا في سرّ القربان يعلِّمنا بواسطة روحه الذي أفاضه على الكنيسة يوم العنصره، وهو نفسه لا يزال يعمل بواسطة هذا الروح عينه.

 

العبادة للقربان عبادة حقيقيّة توصي بها الكنيسة

في الحقيقة إنّ المسيح في سرّ القربان الأقدس ينتظر أن يلتقي مع المؤمن. ويدعو البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني المؤمن إلى أن يكون كريمًا في أن يلتقي بيسوع في سرّ القربان ويسجد له، حيث أنّ هذا السجود بإمكانه أن يعوّض عن خطايا العالم الكثيرة ويرمِّم ما أتلفته الخطيئة.

 

تحثّ الكنيسة الكاثوليكيّة المؤمنين على العبادة لسرّ القربان "ليس فقط وقت القدّاس، بل خارج الاحتفال به أيضًا: وذلك بحفظ الأجزاء المكرّسة بأعظم عناية وعرضها على المؤمنين ليجلُّوها باحتفال ويطوفوا بها".

 

في رسالة نشرها البابا القدّيس بولس السادس "سرّ الإيمان" حثّ المؤمنين أن يتعبّدوا لسرِّ القربان الأقدس. قائلاً: "واسعوا إلى نشر العبادة القربانيّة قولاً وعملاً. هذه العبادة التي ينبغي أن تستقطب في النهاية سائر أشكال التقوى".

 ويؤكِّد هذا البابا القدّيس على الزيارة اليوميّة للقربان، ويوجِّه حديثه إلى المؤمنين قائلاً: "وليحذر المؤمنون خلال سحابة النهار، أن يهملوا زيارة القربان الأقدس، الذي ينبغي أن يحفظ في مكان لائق جدًّا من الكنائس، محفوفًا بأكثر ما يمكن من الإكرام وفقًا للقواعد الليتورجيّة.

لأنّ الزيارة دليل العرفان والمحبّة وواجب يمليه قدر النعمة، نعمة حضور المسيح في هذا المكان". إذًا فإنّ عبادة السجود لسرّ القربان الأقدس هي عبادة محببة على قلب الله والكنيسة في علاقة تبادل الحبّ بالحبّ والنظر في عيون الله الذي أحبّنا.

 

القربان الأقدس علامة الوَحدة والمحبّة في الكنيسة

 

إنّ الإيمان المسيحيّ له إمتياز وكرامة لا مثيل لها في أيّ ديانة أخرى؛ حيث أنّ المسيح وهو "العمّانوئيل" أي "الله معنا"، حاضرٌ في وسطنا ليس وقت تقدمة الذبيحة وتحقيق السرّ فحسب، بل أيضًا بعد ذلك ما دامت القرابين الإلهيّة محفوظة في الكنائس والمعابد.

 

 فهو، ليلاً ونهارًا، ساكن معنا، مقيم في وسطنا، "مملوءًا نعمة وحقًّا"هذا الحضور الدائم ليسوع المسيح في القربان يعمل على أن يصلح الأخلاق، يغذِّي الفضائل، يعزِّي الحزانى، يشدِّد الضعفاء، ويدعو بإلحاح جميع الذين يقتربون منه إلى الاقتداء به، فيتعلَّموا منه الوداعة واتّضاع القلب، ويعكِفوا على السعي إلى ما هو لله وليس إلى مصلحة ذاتهم".

 

إنّ المؤمن المتعبِّد لسرّ هذا الحبّ العظيم المتمثِّل بحضور المسيح فيما بيننا في القربان الأقدس، لا بدّ له أن يبادل المسيح هذا الحبّ بعبادة السجود لهذا السرّ، الذي بالتالي يجعل من هذا السرّ أداة للوَحدة بالمحبّة، بواسطة هذا السرّ نفسه بين جميع المسيحيّين أوّلًا وكل الخليقة ثانيًا. كما أن سرّ القربان المحفوظ دائمًا في الأديرة الرهبانيّة، هو سرّ الوَحدة في الجماعات ومحور قداستها وحياتها الروحيّة، فكذلك هو يبثّ أيضًا روح الوَحدة والمحبّة والأخوّة والقداسة في سائر المجتمع. وبالتالي فالعبادة القربانيّة تحمل النفوس في قوّة على التقدُّمِ في المحبّة "الاجتماعيّة"، "وهو علامة وحدة الكنيسة جسد المسيح والباعث لها".

 

السجود للقربان هو استجابة لسرّ الحبّ الإلهيّ

 

السجود للقربان هو في الحقيقة عبادة وتبجيل للمسيح الحاضر "حقًّا وحقيقيًّا وجوهريًّا" في القربان تحت أشكال الخبز والخمر، الذي تمّ تقديسه في الاحتفال الإفخارستيّ، وهو يُحفظ الآن في بيت القربان. حضور المسيح في القربان هو حضور جوهريّ فيه يحتوي كلّ المسيح كاملاً، جسدًا ودمًا ونفسًا وألوهة. عبادة المسيح القربانيّ هي تعبير عن حاجة الإنسان للاستجابة لمسعى المسيح في البقاء معنا.

 

السجود للقربان يُدخل المؤمن في سرّ الفداء العظيم الذي أجراه المسيح بجسده على الصليب. هذا الفداء الذي أجراه السيّد المسيح "وكان قد أحبّ خاصّته الذين في هذا العالم، فبلغ به الحبّ لهم إلى أقصى الحدود". لذلك فالسجود هو محاولة شكر على حبّ ذاك الذي أحبّ كلّ واحدٍ فينا حتّى الموت على الصّليب، معتقًا إيّانا من الموت وجاعلًا إيّانا شركاء في حياته وموته وقيامته. لأنّ هذا السِرّ هو سِرٌّ مؤسَّس على الحبّ، ويجعل المسيح حاضرًا سريًّا فيما بيننا؛ هو يستحقّ أن نقدَّم له الشكر والعبادة. هذه العبادة يجب أن تُمارس كلَّما تواجهنا مع هذه القرابين المقدَّسة المحفوظة في الكنائس.

 

الاستجابة لهذا الحبّ هي استجابة لدعوة يسوع لتلاميذه في بستان الزيتون: "إسهروا وصلوا لئَلّا تقعوا في التجربة" هذا الحبّ يذهب بالكنيسة إلى المحبّة المسكونيّة لجميع الكنائس التي تشترك وإيّاه في الجسد المبذول حبًّا من أجل الجميع، حتّى ومن أجل الذين هم على إيمان غير إيمان الكنيسة.

 

في التعبّد للمسيح الحاضر جوهريًّا في سرّ القربان، يتعبّد المؤمن أيضًا للثالوث الأقدس، لأن في التّعبّد القربانيّ يدخل المؤمن في دائرة الثالوث بواسطة يسوع المسيح وبقوّة الروح القدس، فيكون سجود المؤمن سجود شكر لعمل الثالوث الخلاصيّ، الله الآب بيسوع المسيح الحاضر في سرّ القربان وبنعمة الرّوح القدس.

 

السّجود للقربان هو صلاة عقليَّة

إنّ السجود للقربان في الحقيقة هو صلاة عقليّة، نتَّجه فيها إلى التأمّل في سرّ الله الآب الذي أحبّنا حتّى أنّه "جاد بابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة".

 

هذه الصلاة تساعد الإنسان المتعبِّد أمام بيت القربان الأقدس على أن يرتدّ ويصبح قادرًا أن يغيِّر طريق حياته، ويقترب من الملكوت.

 

 يعمل الله في قلب المتعبِّد الذي تجاوب مع عطيّة المحبّة الإلهيّة في سرّ القربان، معطيًا إيّاه كلّ ما يحتاجه من نِعم، لكي ينال الملكوت، فكما أنّ نفوسنا تتغذّى بتناولنا جسد الربّ ودمه، كذلك هي أيضًا بالصّلاة العقليّة الخاشعة أمام القربان الأقدس.

 

 

خاتمة

عندما نسجد لسرّ القربان، نكون حاضرين أمام المسيح الوديع والمتواضع القلب، الذي أحبّ هذا العالم والذي هو حاضر من أجل هذه الخليقة المجروحة، المحتاجة إلى التوبة والرجوع إلى الله. هو بحضوره يقود الخليقة إلى السّلام الحقيقيّ بما أنّه هو ملك السّلام. في السّجود لسرّ القربان نلبّي طلب يسوع "تعالوا إلي جميعًا أيّها المرهقون والمثقلون، وأنا أريحكم".

حيث يحضر المسيح في أي مكان في هذا العالم، يحضر معه السّلام والحبّ والجمال. كلَّما نظرنا إلى القربان المقدّس نستذكر عمل الله الخلاصيّ النابع من حبّه اللامتناهي للخليقة، التي أحبّ منذ إنشائها.

 

إذًا فالسجود لسرّ القربان هو ليس تعبّدًا عاطفيًّا وحسب، بل هو دخولٌ في عمق تاريخ الخلاص. لذلك فالمؤمن مدعوّ للسجود ليسوع الحاضر في سرّ القربان كلّما دخل كنيسة أو مرّ بالقرب من كنيسة تحوي جسد الرّب المقدّس.

 

الشماس الانجيلي سليم حداد