روحانية السنة الطقسية

 

 

 

 

 

روحانية السنة الطقسية

 

لماذا السنة الطقسية؟

 

السنة الطقسية هي الوقت والزمن العادي الذي نعيش فيه نحن البشر. نحن نعيش في زمن ومكان واحد لا نستطيع تخطّيهما. أراد الرب أن يرينا عظَمَ محبته فدخل زمننا هوَ الذي لا يحدّه زمان ولا مكان، أراد أن يملئ قلوبنا بمحبته.
السنة الطقسية هيَ إذاً الزمن الذي يتدخل فيه الربّ ليرينا حبّه ويعلمنا كيفية الردّ على هذا الحب. لذلك نحن بحاجة أحياناً لمحطات ووقفات نختبر من خلالها محبة الربّ لنُحسن مبادلته هذه المحبة.


قدّسَ الرب الزمن بدخوله فيه. لم يدخله فقط عند التجسد إنما قبل ذلك بكثير. دخله عند التكوين، دخله عندما نادى "آدم أين أنت؟ ماذا فعلت بالحبّ الذي أغدقته عليك؟" ولم يكن آدم على مستوى هذا الحبّ.


بتدخله يجعلنا نفكر في أنه كيف علينا أن نعيش هذا الوقت بطريقة تقدّسنا وترفعنا إليه. بحضوره بالوقت قدس الوقت لأنه هو القدّوس، يقدس حيثما يوجد، ونحن نستمد القداسة من وجوده هوَ القدوس بقربنا (الأقداس للقديسين) وتعاطينا مع الوقت من منطلق حضور الربّ فيه يقدسنا. اجتماعنا مع بعضنا البعض بمحبة أخوية خلال الذبيحة الإلهية يعتبر زمن مقدس، كذلك كل وقت نعيشه بحضور الربّ هو وقت مقدس. فالقداسة هي أن نعيش كل لحظة من حياتنا تحت نظر الربّ وعكس هذا يؤدي إلى فقدان قداستنا.


السنة العادية هي عندما تدور الأرض دورة كاملة حول الشمس والشمس في السنة الطقسية هي يسوع المسيح والشعب يدور سنة كاملة حوله وحول دفئه ونوره ويتأمل ويتغذى من حياته. في السنة العادية يوجد أربعة فصول، أما في السنة الطقسية تدور الكنيسة حول المسيح عبر سبع فصول أو أزمنة مقدسة هي: الميلاد، الدنح، الصوم، الآلام، القيامة، العنصرة والصليب. نعيش خلالها انجذاب نحو شخص يسوع المسيح، نكررها سنوياً لنعيش خبرة أكبر ونرتفع أكثر نحوه من خلال عيشنا لمختلف فصول حياته.

 

زمن الميلاد

نتأمل في سرّ تجسد الربّ وكل ما رافقه في الإنجيل من أحداث حول طفولة يسوع من بشارة زكريا والعذراء إلى زيارة العذراء... إلى ميلاد الرب ومن ثم وجوده في الهيكل في عمر 12 سنة.

زمن الدنح

 معمودية يسوع التي أسس لنا من خلالها خطّ روحي عندما وضع فينا روح الرب وعرفنا عندها الحياة بالروح.
غطسنا معه في المياء ولبسناه في حياة جديدة وأصبحنا أبناء الله على صورة يسوع.

زمن الصوم

هو رحلة بحرية تتقاذف فيها الرياح السفينة وهي تقاوم إلى أن تصل إلى ميناء الأمان. التقشف والإماتة تبقينا ثابتين إلى أن نصل إلى ميناء الأمان أي أسبوع الآلام.

أسبوع الآلام

موت وقيامة يسوع. نفتتح أسبوع الآلام برتبة هي رتبة الوصول إلى الميناء. نشترك في هذا الأسبوع بموت المسيح ونصل معه إلى مجد القيامة.

زمن القيامة

عيد القيامة هو الجوهر والنقطة الأساسية التي انطلقت منها السنة الطقسية. هو جوهر كل إيماننا ولولا قيامة المسيح لكان كل شيء باطل.

زمن العنصرة

 أرسل لنا الروح ليبقى معنا وينتقل هوَ إلى يمين الآب. نتأمل في هذا الزمن بعمل الروح القدس فينا ومعنا.

زمن الصليب

 نتأمل صليب يسوع برجاء. نفتخر به. خلّصنا الرب من خلاله. هو لنا رمز للحياة. وتركز الأناجيل في زمن الصليب على السهر واليقظة لمجيء الرب يسوع.

كل يوم أحد خلال فصول هذه السنة الطقسية يركز على حدث يرتبط بحياة يسوع الذي هو مركز حياتنا الروحية. ندور حوله ونتعمق بهِ سنة بعد سنة إلى أن نخرج يوما مًا من دائرة الزمن وندخل مع الرب في ما وراء الزمن في حياة أبدية.


تبدا السنة الطقسية حسب الكنيسة المارونية بالأحد الأول من تشرين الثاني وهو أحد تجديد البيعة يليه أحد تقديس البيعة (وأحيانًا يرتبط هذين الأحدين معا في أحدٍ واحد حسب مصادفة عيد جميع القديسين) نتذكر في هذين الأحدين تجدّد الكنيسة وتجديد علاقتنا مع يسوع على مدى سنة كاملة، ونركز على كيفية عيش حياتنا مع يسوع على مدار هذه السنة.
المحور الأول في السنة الطقسية هو الرب يسوع المسيح.


احتفل المسيحيون الأوائل بعيد القيامة فقط، وفي القرن الرابع عشر بدأ المسيحيون الاحتفال بعيد ميلاد الربّ يسوع انطلاقاً من فكرة الاحتفال بعيد مولد الملك عند الوثنيين، واختاروا لهم 25 كانون الأول الذي كان عيد الشمس عند الوثنيين، وذلك لأن يسوع هو شمسنا وإلهنا ومانح الحياة لنا. انطلاقا من مفهوم القيامة وصلنا إلى مفهوم الميلاد فالدنح فالصليب... وهذا القسم الكبير من الأعياد يعرف باسم الأعياد السيّديّة. القسم الثاني من الأعياد هو أعياد القدّيسين والأعياد المريمية. حملت مريم يسوع في أحشائها حملته بقلبها قبل أن تحبل به في أحشائها "قداسة البابا يوحنا بولس الثاني" هذا الإتحاد مع الرب يستحقّ التذكار وكذلك القدّيسين الذين عاشوا حياتهم باتحاد مع المسيح. من هنا انطلقت أعياد تذكار مولد وموت واستشهاد القديسين نتمثل بفضائلهم وبتقربهم من ربّنا.


من المهم جداً وجود مفهوم هذا الوقت المقدس خلال السنة، نقترب خلاله من الربّ ونبادله حبنا وحضورنا معه. وضعت الكنيسة لنا خلال السنة الطقسية قراءات وصلوات معينة تختلف باختلاف المناسبة فتتنور عقولنا من خلال كلمة الرب ونتعرف على حضوره المميّز في كل فصل من فصول هذه السنة وتولد عندنا رغبة في أن يمكث معنا.


 يرافقنا يسوع كما رافق تلمذي عمّاوس. نوجه أنظارنا نحوه هوَ الحاضر في القربان نتأمل به لكي يمكث فينا ويحرك فينا الحياة الجديدة.
السنة الطقسية هي إذًا مدرسة يسوع في قلب الكنيسة فلنكن من أفضل تلامذة هذه السنة.

 

 

الأب مارون مبارك 

مرسل لبناني