زيّاح العذراء والمسبحة الورديّة

 

زيّاح العذراء والمسبحة الورديّة

 

زيّاح العذراء والمسبحة الورديّة 

 

زيّاح العذراء

لقد اعتدنا اليوم أن نُطلق اسم "زيّاح العذراء" على العبادة التكريميّة التي تقوم بها كنائِسنا لأيقونة العذراء مريم إذ نصلّي وننشد "يا أمّ الله"، "وإن كان جسمكِ بعيدًا مِنّا..." ثمّ يمنح الكاهن البركة بأيقونة العذراء، ونسمّي هذا "زيَّاح العذراء".

 

ونقوم بالزيّاحات داخل الكنيسة أو خارجها على الشكل التالي:

- في الإحتفالات والأعياد الكبرى، تُحمل الأيقونة من الكنيسة وتُنظـَّم مسيرة الشعب لتكريم العذراء بانتظام وترتيب، ويشارك الشعب كلّه بالتكريم، وبنوعٍ خاصّ، بالترتيل الذي ترافقه علامات الفرح والابتهاج كالقرع بالجرس والصنوج والنواقيس وحمل الرايات وإضاءة الشموع وتصعيد البخور من المجامر.

 

- وتنشد حينئذٍ طلبة العذراء، إذ يقول المرنّم النافذة، ويردّ عليه الجمع باللازمة. وقد تكون هناك محطـّات وقوف خلال المسيرة يبارك فيها الكاهن الشعب بالأيقونة، ويصعد الشعب هتافات وتراتيل خاصّة. وفي تاريخ الكنيسة، أمر الرؤساء بإقامة الزيّاحات ليس فقط في الأعياد الكبرى، بل أيضًا في المحن الكبرى كالطاعون والحرب والجفاف والجراد... كان الشعب يصرخ إلى ربّه ويخرج بصلبانه وأيقوناته، ويجعلهم يشاركونه محنته ومصائبه بشكلٍ حسّيّ مباشر.

 

كلّ هذا من شأنه طبعًا أن يوقظ شعلة الإيمان في قلب "المؤمن"، أمّا إن انطفأت الشعلة فلا حاجة إلى "الزيّاحات" لأنّها قد تصبح مظاهر فارغة عرضة للهزء وهزّ الرؤوس من بعيد.

 

 

المسبحة الورديّة

المسبحة، هذه الحبّات الزيتونيّة المباركة، التي تكرج بين أصابعنا، ليست بنت البارحة. أصلها من الشرق. وقد يكون أصلها من الهند. وقد وصلت إلى الغرب عن طريق الرّهبان الإفرنج بعد الصليبيّين! وأكثر الرّهبان الذين ساهموا في نشرها هم إخوة عبد الأحد، دومينيك، المعروفون بالدومينيكان.

 

وانتشرت في الغرب في القرون الوسطى، وكانت طريقة شعبيّة للصّلاة أفرادًا وعيالا ً وجماعات، وهي صلاة بسيطة وسهلة. شجّع الباباوات الشعب على تلاوتها منذ تلك العصور. وأشهر من نظـّم هذه الصلاة في الكنيسة البابا بولس الخامس في رسالته سنة 1569. وعاد الباباوات وجدّدوا رسائلهم ونداءاتهم. وأحدثهم من بعد المجمع الفاتيكاني الثاني هو الإرشاد الرّسولي للبابا بولس السادس عن "التعبّد لمريم العذراء"، في 2 شباط 1974، الذي تحدّث فيه مطوّلا ً عن المسبحة وحثّ على تلاوتها في العيلة. ومن هذا الإرشاد نقتطف التوجيهات التالية:

 

"تحتوي مسبحة العذراء على ما يلي:

أ- التأمّل مع مريم في سلسلة أسرار الخلاص موزّعة على ثلاث حلقات تعبّر عن الفرح بمجيء المسيح وعن الحزن في آلامه الخلاصيّة وعن المجد في قيامته،

ب- الصّلاة الربيّة التي هي أساس الصلاة المسيحيّة،

ج- سلام الملاك وإليصابات وابتهال الكنيسة،

السّلام عليك يا مريم... يا قدّيسة مريم...

إن تكرار السلام الملائكيّ هو ميزة خاصّة بالورديّة، وإذا كان عدد هذا السلام مئة وخمسين، فإنّ فيه بعض الشبه بكتاب المزامير الذي يحتوي على مئة وخمسين مزمورًا. ومع الأيام تجزّأت الورديّة إلى مسبحة بخمسة بيوت.

د- ختام الصلاة "بالمجد للآب والابن والروح القدس!".

 

 

ويقول البابا:

"نودّ الآن أن نضمّ صوتنا إلى صوت سلفائنا ونوصي بقوّة بتلاوة المسبحة في العيلة... فالعيلة المسيحيّة هي إذن كنيسة عائليّة!... بقي أن يرفع أبناؤها معًا صلواتهم إلى الله. فإن تخلّت العيلة عن هذه الصلاة المشتركة فإنّها تفقد طابعها كعيلة مسيحيّة...".

 

"وبالإضافة إلى تلاوة الفرض الإلهيّ (السنة الطقسيّة) الذي هو القمّة التي يمكن أن تبلغها الصلاة العائليّة، هناك مسبحة العذراء التي هي من أفضل الصلوات المشتركة للأسرة المسيحيّة".

 

ويختم البابا توصياته بالقول:

"نودّ أن نكرّر بأنّ المسبحة الورديّة هي صلاة ممتازة، رائعة، وعلى من يعمل على نشرها أن لا يفسدها بتجاوز الحدود المرسومة لها".

إنّ المسبحة اليوم لم تعد غريبة عن كنيستنا المارونيّة، وقد شدّد الموارنة على تلاوتها منذ أكثر من أربعمائة سنة. ويذكر الراهب اليسوعيّ إليانو في زيارته للموارنة، سنة 1580 أنّه حمل إليهم "نحو ألف مسبحة"، وقد كانت "جديدة عليهم".

 

وقد دعا غبطة أبينا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في رسالته لمناسبة السنة المريميّة (8 أيلول 1987) إلى تكريم أمّ الله من خلال الورديّة.

 

فإن كانت المسبحة طريقة شائعة في الشرق عند المسيحيّين وغير المسيحيّين، وإن كانت دخلت إلينا عن طريق المرسلين الغربيّين، فهي كانت ولا تزال طريقة سهلة وغنيّة تساعد المؤمنين على التأمّل بأسرار الربّ يسوع مع رفيقته في المسيرة الخلاصيّة أمّ الله وأمّنا. وإنّنا نجد في تلاوتها خاصّة في العيلة طريقة ممتازة لجمع العيلة في الإيمان بحماية شفيعة المسيحيّين الذين لم يتركوا لقبًا شريفـًا إلّا وأطلقوه عليها.

 

أصدر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني، في 6 تشرين الأوّل 2002، رسالة رسوليّة بعنوان "ورديّة مريم العذراء"، وأعلن السنة الممتدّة ما بين تشرين الأوّل 2002 وتشرين الأوّل 2003 "سنة الورديّة"، كما زاد على "الورديّة" العاديّة خمسة أسرار النّور، وترتكز، بعد أسرار الفرح الخمسة، على حياة يسوع العلنيّة والمحطات الأساسيّة فيها بدءًا من العماد على نهر الأردنّ، إلى حضوره في عرس قانا، مرورًا بدعوته إلى التوبة والارتداد، وصولا ً إلى التجلّي والعشاء السريّ. وهكذا، نصل إلى أسرار الألم ونختم بأسرار المجد.

 


"مريم العذراء في الكنيسة المارونيّة"

المطران بطرس الجميّل