ساعة يسوع أو حدث السرّ

 

ساعة يسوع أو حدث السرّ 

 

ساعة يسوع أو حدث السرّ

 

بمجيء نهر الحياة إلى بشريّتنا، افتُتِحَ ملء الزمان. إنَّ، "تجرّد" الابن في تجسّده هو على قياس اعتلان محبّة الآب، أي بلا  قياس، "بغير حساب" (يو 3/ 34). أجل، لقد
"أحبّ الله العالم حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد" (يو 3/ 16). والكلمة صار بشرًا من الرّوح القدس ومن العذراء مريم: هذا "التجرّد" هو شخصيّ. وأمّا بشريّتنا، وكما هي، فقد مسحت واقترن بها في المسيح: هذا "التجرّد" هو كلّيّ. لذلك، فهو لا يكتمل إلّا إذا بلغ أقصى حدود حالتنا البشريّة، أي الموت. فـ"إذ أحبَّ خاصّته، بلغ به الحبّ لهم إلى أقصى حدوده" (يو 13/ 1). هذه هي "اللحظة" المركزيّة الحاسمة في ملء الزمان، "السّاعة" التي إليها يتّجه إليها كلُّ ما سبَقَها: ساعة الصّليب والقيامة. ففي هذه "الساعة" الحاسمة أطلَّ "حدث السرّ".

 

لم تكن أحداث الخلاص التي حقّقها الله الحيّ في زمن المواعد سوى ظلال هذه "الساعة". كما لم تكن مبادرات الخلاص التي قام بها المسيح خلال حياته البشريّة إلّا علامات سابقة لعمله الخلاصيّ النهائيّ. وبالفعل، ماذا يعني لإلهنا أن يخلّص الإنسان؟... أن يلقـِّـنه درسًا في اللاهوت؟ أم أن يأتيه بشريعة أخلاقيّة جديدة، حتّى ولو كانت شريعة المحبّة؟ أم أن يعلّمه تغيير نيّاته الشخصيّة أو الإجتماعيّة أو الكونيّة؟ أم أن يبلّغه، في أدقِّ التفاصيل، عبادةً مرضيَّة ً للخالق؟ أم أن يكشف له أنَّ الله أبٌ، وأنّه محبّ ورحيم؟ وماذا بعد؟... كلّ هذا يتلمّسه الإنسان منذ الأجيال في دياناته وفلسفاته وعلومه وإيديولوجيّاته. إنّ تاريخ الإنسان، وحتى الحديث منه، لا ينقصه ابطال العدل والحبّ. وماذا بعد؟...

 

بعد كلّ ذلك، يبقى السؤال الجوهريّ الذي يشدّ على خناق الإنسان ويبقى دون جواب حقيقيّ: أنا موجود، ولكنّ وجودي، في كلّ لحظة، وفي آخر لحظة، مآله الموت. فما نفع المثل الأخلاقيّة ووعود الحياة السّامية ما لم تُقتَلـَع جذور هذه المأساة المشؤومة، أي الموت؟ لا غدًا، بل منذ الآن. هذا هو السؤال الجدّي الوحيد. وكلّ ما هو خارج عنه ليس إلّا ترهات وبهلوانيّات. لو لم يَبلـُغ مجيء الله إلى كلّ الإنسان حتّى العمق، لكان الله يسخر منه. وهذا هو حال كلّ دين وفلسفة وإيديولوجيّة، فهي إذ تعجز عن تعزيم الموت، تقترح على الإنسان ألّا يُفكّر فيه. وعلى العكس من ذلك، إنّ "جنون السرّ" (1قور 17/ 25) هو في الدخول إلى الموت. ومجيء نهر الحياة إلى تاريخنا هو الحدث الجدّي الوحيد لأنّه يواجه الموت.

 

"لا يقدر أحد أن يرى الله ويحيا"، هذا ما لا يزال "الكلمة" يردّده منذ الظهور في سيناء. وتقليص هذا الاختبار إلى مجرّد "رعب مقدّس" يعني الخلط بين اللاهوت وعلم أمراض اللاوعي. وهو يعيدنا إلى نقطة الانطلاق باعترافنا أيضًا أنَّ الحسّ الإلهيّ لدى الإنسان لا يزال يسمّمه الموت. لا، "الله لم يره أحد قطّ، ولكن الابن الوحيد الكائن في حضن الآب هو أخبر" (يو 1/ 18). وبصيرورته إنسانًا، توجّه الابن نحو الموت ودخل فيه. وهذا هو الحدث الحاسم الوحيد الأوحد.

 

وحده يسوع هو حدث الله لأجل الإنسان، لأنّه مجيء الله إلى الإنسان، لأنّه الله مع الإنسان، "الله معنا". لا من طرف الشفاه، بتبشيرنا بالإنجيل الرائع، بل بشربه كأس موتنا حتى الثمالة. لا بمساعدتنا من طرف أصابعه، لكي يجعلنا أقل مسؤوليّة، بل بتقديمه لنا بملء إرادته إمكانيّة مشاركته، ومنذ الآن، في حياته الخالدة، شرط أن نوافق نحن أيضًا على أن ندخل في موته حبًّا له، هذا الموت القادر وحده أن يدمّر موتنا. فيسوع الذي بموته أمات الموت ومنحنا الحياة الأبديّة هو الحدث الأوحد في التاريخ: صليبه وقيامته معًا، لا كحدثين مستقلّين، بل كوجهَي السرّ الواحد.

 

 

الحدث المكتوم: الصليب

 

        هناك تناغم خفيّ بين "يوم البشارة" و"ساعة يسوع". وهو ليس ذاك الذي يتوارد أوّلاً إلى الذهن، أي التناغم القائم بين اللحظة الأولى من الوجود البشرى والآونة الأخيرة منه، إذ أنّ ساعة الصليب، اخترقت نهائيّة الزمن. ولا هو التناغم الذي قد نراه بين أحشاء الأم الحبلى بولدها وأحشاء الأرض التي سيدفن فيها هذا الولد ذات يوم، بالرغم من أنّ كلّاً منهما يخبّئ سرّ الينبوع عينه. إنَّ التناغم الخفيّ بين البشارة والصليب يكمن في "تجرّد" الابن الحبيب: ففي البشارة يبتدئ، والحبّة وحيدة (يو 12/ 24)، وفي الصليب يكتمل، وإذا السنبلة ملآنة مُثقلة بالحَب. في البشارة يتقبَّل "الكلمة" بشريّته من أمّه، وعلى الصّليب يتقبّل من كلّ البشر ثقل خطاياهم وموتهم. ومريم نفسها، التي هي أوّلاً أمّ يسوع، تصبح حينئذٍ: المرأة (يو 2/ 4 و 19/ 26)، حوَّاء الجديدة، أمّ المسيح "الكلّي". والتناغم العميق بين هاتين الولادتين، بين هذين "التجرّدين"، هو بالنهاية في طاقة الرّوح القدس: فهناك إذًا عذريّة في "مجيء" السرّ، وعذريّة أروع في "حدث" السرّ.

 

        أن يكون الحبل بيسوع عذريًّا، فذلك منتهى البداهة، فكلّ ما فيه يشعّ مجانيّة وحريّة: من حبِّ الآب، إلى قبول الابن، إلى اقتبال مريم، إلى قوّة الرّوح. ما من مشيئة بشريّة وما من حتميّة يمكن أن تفسّر التجسّد وما ينكشف فيه من "تجرّد". ولكن كيف تكون طاقة العطاء والقبول عذريّة ً أيضًا في موت الكلمة المتجسّد على الصّليب؟.

 

        ظاهريًّا، يمكن تفسير كلّ شيء في مأساة آلام يسوع بالأسباب والحتميّات. فمواقف القلب البشريّ تتلاقى فيه مع معطيات ذلك الزمان: الاحتلال الأجنبيّ وما يرافقه عادة من مقاومين ومتعاونين، هلع السلطات وتحالفها الواقعيّ، الطموحات والتخاذلات، تجارة المصالح والأحساد والمطامع، الخيانات والإنكارات، سلبيّة الأكثريّة الصامتة واليأس... لا شيء يشبه هذه المأساة إلّا المأساة التي لا يزال البشر يعيشونها منذ أن كانوا. إنَّ موت يسوع يمكن فهمه أكثر من موت وآلام ملايين الأبرياء اليوم.

 

        ومع ذلك، فكلّ هذه الأسباب والحتميّات لا تفسّر شيئًا لجهّة معنى الحدث. فيسوع هو الكائن البشريّ الوحيد الذي لم يتفاجأ بالموت، ولم يخضع له وكانّه القدر المحتوم. ولا يكتفي يسوع بأنّه لا يتهرّب من الموت، ولكنّه لا يقاومه، كما نفعل نحن غريزيًّا ليحاول ولو تأخيره على الأقلّ. لا، إنّه يسير إلى الموت بملء اختياره وبكامل سلطانه، وبكلّ صحّته، البشريّة والإلهيّة، التي تمجّ الموت وترتعد منه. هو يمضي إلى الموت بكامل إرادته كإبن، وبكلّ محبّته لإخوته البشر. (عب 2/ 9-18). إنّه يدخل إلى الموت ويجابهه في معركة فريدة، وحده، من أجل الجميع. "حياتي، ما من أحد ينتزعها منّي، ولكنّي أبذلها برضاي" (يو 10/ 18).

 

        مرّة أخرى، لنفهمنّ ذلك جيّدًا: أن يكون الله الحيّ يخلـُق من لا شيء، إنّه لأمر رائع، ولكنّه ليس بمدهش، لأنّه بديهيّ. أن يكون الكلمة قد تجسّد بسينرجيّة(1) الرّوح القدس والعذراء مريم، فهذا أروع بما لا يقاس وهو مدهش حقـًا، بالرّغم من أنّ طاقة الرّوح لا يمكن أن تكون إلّا عذريّة. ولكن، أن يكون "كلمة الحياة" قد أسلم ذاته إلى الموت، بإرادته، ومن دون مقاومة، فهذا هو العثار بعينيه. وأمّا أن يكون بموته قد دمّر الموت، فهذه هي الحماقة وهذا هو الجنون الأمثل، عنوان الجنون. "إنّنا نبشّر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وحماقة للوثنيّين، وأمّا للمدعوّين، يهودًا كانوا أم يونانيِّين، فالمسيح قدرة الله وحكمة الله" (1قور 1/ 23-25).

 

        عندما قُبض على يسوع رفض أن يقاوم: فتلاميذه ليسوا حرسه الخاصّ. عندما أهين وجُلد وحُكِمَ عليه وصُلِب، فكلماته الواضحة المفحمة، وكذلك صفحه عن جلاّديه، تُظهِرُ كلّها السرَّ عينه: فتجاه الناس المملوئين كذبًا وحقدًا، الذين يستقطبون كلّ قوّة مميتة، لا يلجأ الإبن الحبيب إلى تلك القوّة المميتة الأخرى، أي العنف، لأنّه لا يريد موت الخاطئ، بل على العكس، فهو يريده أن يحيا. لذلك، لا يهاجم يسوع الإنسان، بل الموت الذي يقيّد الإنسان ويأسره. "لا عنف" يسوع ليس ضعفـًا، بل هو قوّة الحبّ. وفي حين أنَّ البشر يريدون إتلاف الشجرة مع ثمرها واستئصالها من أرض الأحياء (ار 11/ 19)، فإنّهم في الواقع "يرفعون شجرة الحياة التي يمكن لأوراقها أن تشفيهم" (رؤ 22/ 2). في ساعة اكتمال "التجرّد" تظهر قدرة لا عنف الحبّ. في اللحظة التي يظنّ الإنسان فيها أنّه يسلّم إلى الموت مبدع الحياة، يسلّم هذا ذاته ليُعطي الحياة للذين هم عبيد للموت. عند ساعة يسوع، تبلـُغ مأساة بذل الذات، أي "التقليد الإلهيّ"، مِلئها في النِعمة والحقّ.

 

        "التجرّد" في التجسيد، كان فجرَ النِعمة. أمّا في الصّليب، فهو التألق والبهاء في عتمة الظلمات. هذه الصور قد تكون رمزيّة، ولكن، لا مغالاة فيها، لأنَّ الواقع مذهلا ً أكثر من ذلك. فعندما يَطلع النهار، ماذا يحدث؟ يتبدّد الليل. فالليل ليس سوى غياب، إذ لا وجود له في ذاته. فما مِن شيء يُحدث الليل، إلّا أنّه بوجود الليل لا يعود لأي شيء آخر وجودٌ بالنسبة لأي كان، حتّى أنّ الناس لا يعود بإمكانهم أن يتعرّفوا بعضهم إلى بعض. فالليل بحدّ ذاته لا معنى له، وهو ينزع عن كلِّ شيء معناه. والحال، أنّ خلف كلّ حدث بشريّ، وفي عمق قلب الإنسان، يوجد ليل بهيم: ليل الموت والخطيئة، ليل اللامعنى والغياب. هذا الليل، لا يمكن "للحم والدم" (يو 1/ 13، و 1قور 15/ 50) أن يُبدّداه.

 

لا شيء من خارج الإنسان يقدر أن يشيع فيه النور. فهو يستولي على القلب، ومنه يسدل ستاره على كلّ شيء، من أعماق الإنسان إلى بنياته الأكثر إدراكًا ووعيًا. وحده، الذي هو نور، يمكنه أن يتّخذ ما هو بشريّ دون أن يلحقه أي أذى. وهذا هو "تجرّده" في تجسّده. ووحده، هذا "الإنسان-الإله" الذي لا سلطان للموت عليه، يمكنه أن يدخل إلى ليل الموت الأحلك دون أن يستولي الموت عليه وهذا هو "التجرّد" في الصّليب.

 

        حينئذٍ، وفي وضح الظهيرة، "خيّم الظلام على الأرض كلّها حتى السّاعة التاسعة لأنَّ الشّمس قد احتجبت" (لو 23/ 44). هل كان الجلاّدون الذين رفعوا ربّ المجد على الصّليب يعلمون ماذا يفعلون؟ ماذا حدث عندما غاص النور وسط الظلمات؟ ليس فجرًا رومنطيقيًّا، بل معركة: إنّه النزاع الأخير الذي حسم الخلاص لجميع البشر. فالموت يقتاتُ بالكذب ويلد بالكذب، وهو يتغذّى من الظاهرِ ويترك بعده الفراغ. هنا، عند السّاعة التاسعة، "ساعة الظلمات"، "ساعة سلطان الظلام" (لو 22/ 35)، أمسك الموت بفريسته ظانًّا أنّه سيبتلعها. إلّا أنّها في الواقع هي التي خنقته. "فاستولى الهلع على الموت، واغتاظت الجحيم". لأنّ من دخل إلى الموت لا يموت لأنّه عبد للخطيئة، بل حبًّا لنا. فهو يموت في النعمة والحقّ. فالموت انخدع إذاً، وكذبه انقلب عليه. لأنّه عندما سطعت الحقيقة (يو 18/ 37)، أفحم الكذب وتبدّد كالليل أمام النهار الطالع. الموت لم يعد له وجود لأنّ ابن الله الحيّ وطئه بموته، أماته بموته.

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

1- سينرجيّة (Synergie): الطاقة المشتركة أو الطاقات المتكاملة وغير المنفصلة.