في صلاة المسبحة الورديّة

 

 

 

في صلاة المسبحة الورديّة

 

 

في صلاة المسبحة الورديّة

 

نتأمَّل، في هذا الشهر المبارك، شهر تشرين الأول، بالصّلوات التي تكرِّم بها الكنيسة أُمَّنا مريم العذراء.

 

 

1- المسبحة أو السُّبحة

هي من التّسبيح أي تسبيح المؤمنين لمريم العذراء وتمجيد الله عبر محبَّتها. جميعنا نعرف أنَّ السبحة تركِّز على السّلام الملائكيّ الذي ألقاه جبرائيل على مريم ليعلن لها الحبل الإلهيّ، فقال لها: "السّلام عليك يا مريم يا ممتلئة نعمة". فالإمتلاء من النّعمة يعني أنَّ مريم لم تترك مجالاً للخطيئة لتصل إليها وذلك بكلِّ حريّتها، وليس كما يعتقد البعض بأنَّ الله حصَّن مريم من دون أن يكون لإرادتها أي دور.

 

حين حافظت مريم على تمام النّعمة، عوَّضت النّقص الذي وقعت فيه حوّاء الأولى حين سمحت، بإرادتها، للشرّ أن يتغلَّب عليها وبالتالي على البشر أبناء آدم. هكذا تكون مريم حوّاء الجديدة، أوَّل إنسان إستطاع أن يمهِّد الطريق للخلاص الذي أتانا بالمسيح ليلغي الموت الذي أتانا بآدم، فتكون المسبحة ذكرًا لهذا الحدث وشكرًا عليه.

 

 

وحين تتأمّل الكنيسة "بأسرار الفرح أو الألم" فلا تعني ما يعنيه النّاس حين يقول أحدهم للآخر: "هذا سرّ لا أريد أن يعرف به أحد"، لأنَّ السرَّ في المعنى الكنسيّ هو دعوة النّاس إلى التأمُّل، لمزيد من المعرفة ومزيد من الشّوق إلى دخول السرّ والعيش فيه لحظة أو على مدى العمر، وإن كنّا لا نفهم حقيقة هذا السرّ بالعقل البشريّ، الذي أعطانا إيّاه الله لنفهم كثيرًا من أسرار هذا العالم، فلأنّه يبقى عاجزًا عن فهم الأسرار الإلهيّة، مثل القربان والمعموديّة والكهنوت وسواها، كذلك يعجز عن فهم ما نتأمَّل به حين نصلّي المسبحة فنقول: أسرار الفرح والنّور والألم والمجد، وإن كنّا في صلاتنا نتأمَّل بالحدث الذي حصل في الزّمن وبه تمجَّد الله أو فرحت مريم أو تألّمت، أو أبصرنا نور الخلاص الذي يساعد العقل على فهم ما لا يمكن أن يفهمه لذاته أو بذاته.

 

 

ولنأخذ مثلاً موت المسيح، فحين نتأمَّل أسرار الألم نقول من جملة ما نقول: لنتأمَّل بالألم  الذي أصاب قلب مريم حين رأت المسيح يموت. لكن، من جهّة أخرى، لو لم يمت المسيح لظلّ العالم كلُّه في ألم الخطيئة ولما عرف السّعادة. فهل فهمنا هذا السرّ؟ طبعًا لا. لكنّنا نتأمّل بما نتج من الحدث العلنيّ ذي المفاعيل السريّة، وهذا الأمر يدفعنا إلى إعطاء السرّ مزيدًا من المعاني، وكلُّها لا تصل إلى الإحاطة به.

 

 

 

 

2- الطّلبة

تبدأ الطلبة بطلب الرّحمة من المسيح ودعوته إلى أن يستجيب لنا، حين نقول: كيرياليسون كريستياليسون، ثمَّ تبدأ بتعداد الصّفات التي أعطتها الكنيسة لأُمِّنا مريم، ومنها صفات جاءت من العهد القديم أي قبل مولد المسيح، وأخرى من العهد الجديد، أي بعد موت المسيح وقيامته. فتابوت العهد، إحدى هذه الصّفات وكلُّ ما شابهها، مأخوذ من العهد القديم ويشير بالتّلميح أو صراحة إلى مجيء المخلِّص أي المسيح. أمّا الصّفات الأُخرى مثل: يا باب السّماءِ ويا إناءً مكرَّمًا ويا إناءَ العبادةِ الجليلة، فكلُّها تعني أنَّ مريم هي الكنيسة الأولى أو بيت القربان الأوَّل الذي إستوعب في حشاه يسوع المسيح. هكذا تكون الطّلبة وإن متوجّهة إلى مريم، تقصد إلى جانب تكريم مريم تمجيد المسيح المخلِّص.

 

 

 

3- الزيّاح

يبدأ الزيّاح بـ"يا أُمَّ الله يا حنونة" وينتهي بطلب الشّفاعة من مريم عند ابنها، أمّا عبارة "يا أُمَّ الله" ففيها ردَّ على البدع والهرطقات القديمة والجديدة التي تنفي عن مريم صفة الأُمومة الإلهيّة، وهي تشبه إلى حدٍّ كبير المدائح التي تنشدها الكنائس الشّرقيَّة لتمجيد أُمّ الله.

أمّا ختم الزيّاح بطلب الشّفاعة، فيعني أنَّ كلَّ الصّلوات المريميَّة إنّما هي لتردَّ المؤمنين إلى وجه المسيح الحقيقيّ المولود من العذراء وفادي البشر، وليس لتبعدنا عنه وتركِّز على شخص مريم فحسب، كما يدّعي البعض.

 

 

 

4- التّعليم

لقد إعتمدت الكنيسة الصّلوات والتّراتيل منذ القديم طريقًا لتعليم المؤمنين حقائق الإيمان والمعتقد المسيحيّ. وهذه الوسيلة كانت ناجحة جدًّا في زمن لم يكن العلم المدرسيّ شائعًا بين جميع الناس. وهكذا تعلَّم المؤمنون حقائق التجسُّد في أناشيد الميلاد، وحقائق الفداء في أناشيد الفصح، والحقائق المريميَّة في التّراتيل المُخصَّصة لإكرام العذراء.

 

 

 

5- الحبل بلا دنس

كان إيمان الكنيسة الجامعة، قبل كلِّ الإنشقاقات، يعلن شعبيًّا الحبل بلا دنس وانتقال السيِّدة العذراء، من دون أن تكون الكنيسة قد حدَّدت هذه العقائد بشكلٍ رسميّ، حتّى أنَّ كلمة "الحبل بلا دنس" لم تكن معروفة، لكنَّ الإيمان بطهارة مريم ونقاوتها من كلِّ عيب، منذ تكوينها، كان أمرًا ثابتًا في ذهن المؤمنين جميعًا، فماذا تعني هذه العقيدة؟

 

يعتقد بعض المؤمنين أنَّ الحبل بلا دنس يعني الحبل بيسوع المسيح في حشا مريم، وهذا خطأ، فالحبل بلا دنس يعني أنَّ مريم العذراء، منذ تكوينها في حشا أُمِّها القدّيسة حنَّة، كانت بريئة من دنس الخطيئة الأصليَّة، أي أنّها لم تقع في الحكم الذي حكم الله به على كلِّ النّساء، بخاصَّة أمَّنا حوّاء، "بالآلام والأوجاع تلدين بنيك". فمريم ولدت يسوع "لا بالآلام والأوجاع ولا حضور قوابل" كما تقول ترنيمة الميلاد. هذا يعني أنّها الوحيدة بين كلِّ نساء الأرض التي خصَّها الله بفائق نعمته تمهيدًا لتكون أُمًّا لابنه. وفضل مريم أنّها بإرادتها وإيمانها حافظت على هذه النّقاوة، وما كلمة الملاك لها: "يا ممتلئة نعمة" إلاَّ للتأكيد على خلوِّها من كلِّ خطيئة. وهكذا إلتقت إرادة مريم بإرادة الله، وهذا منتهى توافق القصد الإلهيّ بحريّة الإنسان.

 

 

أمّا تحديد العقيدة فجاء بعد ظهور العذراء مريم في لورد على القدّيسة برناديت عندما سألتها هذه الأخيرة: "مَن أنتِ؟" فأجابت مريم: "أنا الحبل بلا دنس". يعتقد البعض بأنَّ الحبل بلا دنس عقيدة تؤمن بها الكنيسة الكاثوليكيَّة فحسب، وهذا خطأ، لأنَّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تخصُّ مريم العذراء بإكرام فائق ومدائح تؤكِّد على براءتها من كلِّ دنس، تمامًا كما تؤمن الكنيسة الكاثوليكيّة، من دون أن يكون هذا الأمر عقيدة محدَّدة في الكنيسة الأرثوذكسيَّة.

 

 

 

6- الإنتقال

تعني هذه العقيدة إنتقال العذراء بالنّفس والجسد إلى السّماء. وهنا يتساءل النّاس: "كيف تكون مريم إنتقلت بالجسد قبل القيامة الأخيرة؟ وأين هو جسدها؟

 

لمّا كانت مريم بريئة من دنس الخطيئة الأصليَّة وممتلئة من النّعمة وقد حافظت على ملء النّعمة والبراءة من الدّنس. ولمّا كانت قد أعطت المسيح جسده من جسدها لوحده من دون مشاركة رجل، فالجسد الذي إنتقلت فيه مريم إلى السّماء يشبه الجسد الذي قام به المسيح وصعد إلى السّماء، من دون أن تمرَّ بالمراحل التي يمرُّ بها كلّ إنسان، أي الموت فالإنحلال ثمَّ الدّينونة ثمَّ المطهر ثمَّ السّماء.

 

كما يعني هذا الأمر أنَّ مريم، التي لم يُحْكَم عليها بالآلام والأوجاع كما حُكِمَ على حوّاء، كذلك لم يُحكم عليها بالحكم الذي صدر على آدم موتًا تموت. فالموت بالنّسبة إلى العذراء هو رقاد وانتقال، لذلك تعيِّد الكنيسة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة عيد إنتقال السيِّدة العذراء في 15 آب.

 

أمّا السؤال عن المكان الذي فيه جسد مريم، فهو سؤال مرتبط بمفهوم السّماء، وحالة الإنسان بجسده القائم من الموت، على مثال جسد المسيح بعد القيامة. ونحن لا نعرف بمقاييس العقل التي وضعت لمعرفة أمور هذا العالم، حقائق أمور ذاك العالم.

 

لقد قال بولس الرّسول إنَّ أجسادنا بعد القيامة هي أجسادٌ مُمَجَّدة، نُزرع بالفساد ونقوم بغير فساد. غير أنَّ هذا التّحديد ليس سهلاً على المنطق البشريّ الأرضيّ. المُهمُّ أن نعرف أنَّ جسد مريم كما جسد يسوع كما أجسادنا بعد القيامة، لا تعود خاضعة لقوانين الزّمان والمكان التي تحكم الوجود على الأرض. وبالتالي لا يجوز السؤال أين هو ولا متى لأنّ الزّمان والمكان، أو أين ومتى، هما لهذا العالم وليس لدينا الآخرة.

 

 

 

 

الأب كميل مبارك